حركة الرسالة الطلابية: حول الإقصاء والمرأة وأشياء أخرى

حركة الرسالة الطلابية: حول الإقصاء والمرأة وأشياء أخرى

    لقد هالني ما قرأته بالأمس من تعقيبات سطرها ناشطون في حركة الرسالة الطلابية، والتي من المفترض أنها حركة طلابية “إسلامية” كما يُفهم من تعريفها بنفسها على موقعها الرسمي.

    وبغضّ النظر عن الخلفيّات “الحزبيّة” المتراكمة من وراء المشهد فإنّ الذي لفت انتباهي هو ما سأحاول مناقشته في هذا المقال الموجز، رغم عدم انتمائي أو نشاطي في أيّ من الأطراف الحركية المشتركة في الموضوع.

    لقد استاء عدد من ناشطي حركة “الرسالة” الطلابية بسبب عدم حضور ناشطي ومؤيّدي  الحركة الطلابية الإسلامية “القلم” لأمسية حول اللغة العربية بعنوان “لغتنا” – جزء أساسي من هويّتنا، وكان تبرير المستائين لموقف كادر “القلم” بأنه محاولة “لإحباط” الأمسية، أن السبب في ذلك هو (صعود أخت من خلق الله على المنصّة)، على حد تعبير أحد مسؤولي حركة الرسالة في تعقيب له على صفحته الشخصية في شبكة الفيس بوك.

    الذي لفت انتباهي أن الأخ الكريم المسؤول في حركة الرسالة لم يناقش الموضوع بطريقة شرعيّة؛ فهو موضوع شرعيّ أساسا، فكلّ عمل يُختلف حوله فإنّ الأصل ردّه إلى شرع الله عزّ وجل، وهذا الواجب يتأصّل ويتميّز (أو هذا هو المفترض) عند المنخرطين في العمل الإسلامي الطلابي أو غيره، إذ هم يؤكّدون في “شعاراتهم” التزامهم بالإطار الإسلامي في نشاطاتهم. لكن المؤسف في الأمر أن الأخ الكريم المسؤول في حركة الرسالة تحدّث بلغة دون مستوى الأدب الإسلامي، وتجاهل تماما مناقشة القضية نقاشا شرعيّا منضبطا بالأدلة الشرعية، فمن المعروف أن من يدّعي حرمة شيء أو حلّه فعليه أن يأتي بالدليل، إلا إن كان مقلّدا لا يفهم الحديث في الأدلة، وحينها لا ينبغي أن يعارض حكما مستندا على أدلة لأنه “مقلّد”، ولكن أن يعارض حكما شرعيّا له أدلّته الوجيهة، دون أدنى حجّة شرعية فهو من الخطأ الذي لا يجوز في دين الله عزّ وجل.

    القضية المطروحة أمامنا هي خطابة المرأة أو الفتاة أمام مجموعة من الرجال، وهو عمل ينبغي أن نعرف موقف الشرع منه، هذا إن أردنا الالتزام بالإسلام وادعينا أنّنا “مسلمون” (ولا أقول دعاة!)، أما إن أردنا أن نردّ الأمور إلى أهوائنا ومقاييسنا الشخصية ومعيار “القبول” عند المجتمع برّه وفاجره، فلماذا ندّعي “إسلامية” إطارنا الذي ننظم باسمه هذا العمل؟!

    وعلينا أن نبدأ في المسألة من أصولها: فكل عمل يختلف فيه المسلمون ينبغي ردّ حكمه إلى الشرع: ((وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)) (الشورى: 10). ويقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)) (النساء: 59). وهذه مسألة لا ينبغي أن يختلف عليها مسلم، فلا يردّ المسلم الأمر إلى “أهوائه” أو إلى “عادات المجتمع”، خصوصا إذا كان هذا المجتمع ممتلئا حتى التخمة بمظاهر الجاهلية والفسق والكفر!

    إذا سلّمنا بهذا الأمر، فنعود للقضية المطروحة وهي (خطابة المرأة أمام جمع من الرجال)، بل و(إلقاؤها “قصيدة” أمامهم) و(فعالية مشتركة بين الفتيات والشبان)، فإن ما دلّتنا عليه نصوص الشرع حرمة ذلك إطلاقا، وسنحاول أن نتخفّف قدر الإمكان في نقاش القضيّة، فنقول بجواز حديث المرأة للرجال، على اعتبار أن صوت المرأة دون خضوع بالقول وميوعة في الحديث ليس عورة أمام الرجال. ونفترض أيضا أن الأخت أو الأخوات اللّواتي صعدنَ إلى المنصّة في الأمسية كنّ من الملتزمات باللباس الشرعي الإسلامي، ولا تظهر عوراتهنّ، وإلا فإن إظهار فتاة غير ملتزمة باللباس الشرعي وإظهار عوراتها أمام الرجال بمسؤولية حركة “طلابية” إسلامية، هو أمر حرام لا شكّ في ذلك، والإثم يقع على مسؤولي الحركة ومنظّمي الأمسية؛ لأنهم هم المنظّمون لهذا الأمر، وهو باختيارهم وليس ضرورة كما يقع في بعض النشاطات التعليمية في الجامعة.

    ولكن مع تخفّفنا هذا في القول بأن صوت المرأة المتوازن في الحديث أمام  الرجال ليس بعورة، وأن الأخوات كنّ جميعهنّ من الملتزمات باللباس الشرعي، رغم هذا التخفف فإنّنا أمام مشكلات شرعية واضحة:

-       الاختلاط: أمر الله عزّ وجلّ المسلمين والمسلمات أن يغضّوا من أبصارهم: ((قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)) (النور: 30)، ((وقل للمؤمنات يغضُضنَ من أبصارهنّ)) (النور: 31). ولا يتحقّق غضّ البصر مع اختلاط الرجال والنساء في فعاليّة مشتركة، فيها مسابقة مشتركة يصعد فيها إلى المنصّة شباب وفتيات، فالأصل منع ما يجعل غضّ البصر أمرا مستحيلا، أي أن تشارك الأخوات – مثلا – من أماكنهنّ. وإن النصوص الشرعية وردت كذلك في واجب عدم خلطة الرجال والنساء في الحياة العامة – فضلا عن الخاصة -: “عن أم سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنْ انْصَرَفَ مِنْ الْقَوْمِ”. رواه البخاري رقم (793(. “وعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ قَالَ نَافِعٌ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ” رواه أبو داود رقم (484) في كتاب الصلاة باب التشديد في ذلك. “وقد روى أَبو أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ (تَسِرْن وسط الطريق) عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ”. رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه باب: مشي النساء مع الرجال في الطّريق. وهذه النصوص جميعها تدلّ على حرمة تشارك النساء والرجال (ممّن ليسوا بمحارم) في فعالية مشتركة ينظرون بها – حتما – إلى بعضهم البعض، فهو اختلاط منهيّ عنه، بدلالة النصوص الشرعية. وقد ورد إجماع العلماء على حرمة الاختلاط، والإجماع بحدّ ذاته حجّة لا يجوز مخالفتها، لمن يفقه شيئا في دين الله عزّ وجلّ.

-       حرمة النظر إلى النساء: لسنا نحن المسلمون ولا الحركات الإسلامية ولا العادات والتقاليد من يحرّم النظر إلى المرأة، بل هو واجب شرعي فرضه الله عز وجل، ودلّت عليه نصوص القرآن والسنّة دلالة قطعية لا مجال لتأويلها، فهي من المعلوم من الدين بالضرورة، فبالإضافة إلى الآيات التي ذكرناها حول واجب غضّ البصر، فإنّ هناك أحاديثا واضحة حول النساء ووجوب احتجابهنّ عن الرجال ووجوب عدم النظر إليهنّ من قبل الرجال: في الحديث الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري” (رواه ابن قدامة في “المغني” وهو صحيح)، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال اصرف بصرك” (سنن أبي داود). فإذا كان أمر النظرة الأولى غير المقصودة إلى المرأة معفوّ عنه، فإن تكرار النظر إليها أمر محرّم بدلالة النصوص الصريحة، وإنّ هذا قد يستحيل حين تكون المرأة خطيبة أمام الرجال، حيث إن الخطيب يُستمع إليه ويُنظر إليه، وهو أمر طبيعي في الفعاليات الخطابية، بل يُجعل له في قاعة الخطابة مكانا “بارزا” يظهر فيه للجميع، كي يتفاعلوا معه، ولا شكّ أن هذا كله يستلزم مداومة النظرات إليه، ممّا يوقع في الفتنة. وقد جاء في الحديث كذلك برواية بريدة بن الحصيب الأسلميّ: “يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليس لك الآخرة” (رواه أبو داود والترمذي). ولعلّ أحدا يقول: إذا كان غضّ البصر واجبا على النساء والرجال فإن خطابة الرجل أمام النساء وجها لوجه دون حجاب هو أمر محرّم كذلك! وفعلا هذا ما ذهب إليه بعض العلماء! لأنّه ينظر إليهنّ كما ينظرنَ إليه، وقد يصعب أو يستحيل غضّ البصر بين الطرفين، فالأصل وجود الفاصل بين النساء والرجال في الأمسية بحيث لا يرى أحدهما الآخر وإن سمع الحاضرون جميعهم الخطيب والمتحدثين. وقد ذهب البعض إلى جلوس النساء في الخلف بعيدا عن أنظار الرجال والخطيب. ولكن بعيدا عن هذا الموضوع فإنّ ذلك لا يعنينا كثيرا في قضية خطابة المرأة أمام الرجال، ومشاركة الفتيات والشبان في فعالية مشتركة، فإنّه قد ثبت حرمة ذلك بالأدلة، وأي نقاش آخر لا يلغي هذا الحكم الشرعي!

    وأمر آخر غفل عنه أولئك المعارضون للتفريق بين الفتيات والشبان؛ وهو أنّ الذي جعلهما مختلفين ابتداءً هو الله عزّ وجلّ، وليس البشر، والذي فرّق في بعض الأحكام بينهما هو الشرع، وليس البشر ولا العادات والتقاليد “الرجعية” أو “المتشدّدة” كما يقولون! فالنساء “فتنة” كما ورد في الأحاديث الصحيحة، التي لا يردّها إلا جاهل بدين الله أو كافر به! فقد جاء في الحديث الصحيح الشريف: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء” (رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة). فهل نحن من سمّينا المرأة “فتنة” وجعلناها بطبيعتها خلافا للرجل؟! أم هو الرسول الكريم محمّد صلّى الله عليه وسلّم؟

    والناظر إلى طبيعة خلق المرأة يعلم يقينا أنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، فالمرأة بطبيعتها الخلقية التي فطرت عليها “فتنة”، وتحوي من مكامن الإغراء أكبر مما تحوي الطبيعة الخلقية للرجل، ولعل الحكمة الإلهية في خلقها على هذا النحو هو طبيعة الوظيفة التي تقوم بها المرأة في الحياة، حيث تكون هي الأقرب إلى رعاية الطفل منذ ولادته لأنها هي من تحمله، وهي من يمكث معه الوقت الأطول في المنزل ابتداء من الرضاعة وصولا إلى مختلف مراحل نموّه، وهي وظيفة هامّة محوريّة في التربية تقتضي أن يكون الكائن المكلّف بها من النعومة والحنان والدفء والجاذبية ما يمكّنه من توفير الحضن الدافئ لها، وتلك هي طبيعة المرأة بفطرتها كما خلقها الله تعالى!

    وأمر آخر: إن الذي يبادر إلى نشاط “الزواج” في المجتمعات الإنسانية السويّة هو “الرجل”، وإن الذي يدفعه إلى ذلك غريزة زرعها الله عزّ وجلّ في كيانه، وهي غريزه تتفاعل مع عناصر “الجمال” و “الجاذبية” التي أودعها الله في المرأة، فسبحان الله! إنّ عناصر “فتنة” المرأة التي يحدّثنا عنها الحديث الشريف ليست أمرا خارجا عن طبيعتها وطبيعة العلاقة بينها وبين الرجل في المجتمع! إنّها عناصر “جاذبية” لها أهداف حيويّة في منظومة الحياة الاجتماعية للبشر، لكي تجري هذه المنظومة في مسارها الطبيعي بسلاسة ويسر. إنّ عناصر “الجاذبية” التي تتفوّق بها المرأة على عناصر الجاذبية عند الرجل، والتي جعلت منها “فتنة”، تحقّق سلاسة عمليةٍ ضروريةٍ لاستمرار النوع الإنساني، هي عملية “الزاواج”، وإنّ تكييف هذه العناصر قدر الاستطاعة في قنواتها الشرعية هو الواجب على المسلم، فحين تؤدّي أو يُحذر أن تؤدّي عند كشفها إلى إثارة مكامن الرغبة عند الرجال فإنّ الأولى ستر عناصر “الجذب” هذه قدر الإمكان، وقد حدّد الشرع مواضع النظر الجائز وربطَها بمهمّة “الزواج” (جواز النظر إلى المخطوبة) ولم يبحْ هذا النظر إلى النساء الأجنبيّات في سائر المواضع الأخرى حين لا يكون النظر هدفا لزواج وبالقدر الكافي، فسبحان الله! إنّ هذا – لمن يتأمّل – لهو ممّا  يمكن أن نسميه “إعجازًا تشريعيّا” في شرع الله عزّ وجلّ.. إنّ خالق “الإنسان” هو الأعلم بما يصلح له في حياته، فهو خالقه سبحانه وتعالى: ((ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)) (الملك: 14).

-       وأمرٌ أخير في هذا النقاش الشرعي، هو حول “صوت المرأة”، أو بالأحرى هو “حديث المرأة أمام الرجال”، وقد قلنا بالرأي القائل أنّ صوت المرأة وحديثها المتوازن أمام الرجال دون خضوع بالقول وميوعة بالحديث هو أمر جائز، ولكن ما نتعرّض به في هذه الأمسية ليس صوت فتاة في حديث عادي، وإنما هو وقوفها “خطيبة” أمام جمع من الرجال، أو إلقاؤها قصيدة أمامهم! ولا يخفى على أحد أن الخطابة تتطلّب الكثير من الحيويّة والتفاعل، سواء في إشراق الطلعة والتبسّم والظهور بالمظهر الجذاب والتنويع في نبرات الصوت وقسمات الوجه (وهذا آكد عند إلقاء قصيدة!) والتلطّف في الحديث، فيقترب هذا من معنى “الخضوع في القول”؛ لأنه ليس كلاما عاديا، وقد يثير الرغبة عند من في القاعة من الشبان، ويفضي إلى محرّم، فالأوجب منعه. تلك هي القضية، وليس أن صوت المرأة “عورة” بحدّ ذاته، أو أنّ ظهورها المجرّد أمام الناس حرام! ليس الأمر كما يحرّف المحرّفون من العلمانيّين كمحاولة للطعن في المنهج الإسلامي، فمن الغريب أن يخرج مثيل كلامهم ممّن يدّعي انتسابه إلى “الإسلام” و “العمل الإسلامي”!

    وأكتفي بهذا القدر من الأدلّة الشرعية الواضحة في صحّة الرأي الذي لا يجيز أمثال هذه الفعاليات المختلطة، ممّا يؤكّد لنا أن الرأي الذي اتّخذه أبناء كتلة “القلم” لم يكن “تخلّفا” ولا “قمعًا” ولا “إرهابا” ولا “قلة نضج”، كما ورد على ألسنة من عارض رأيهم من مسؤولي حركة الرسالة ومؤيّديهم، وإنما هو رأي شرعي صحيح مبنيّ على أدلّة وجيهة وواضحة، وإسداء النصح بهدف تغيير طبيعة الأمسية منعا للوقوع في “الاختلاط” ليس “تدخّلا”، وإنما “النصيحة لله ولدينه ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين” كما جاء في الحديث، ومن حقّ أيّ إنسان ألا يقوم بعمل يخالف قناعاته، وهذه الأمسية المختلطة تخالف قناعاتهم الشرعية، ولذلك لم يحضروها، وتلك هي القضية! إذ كيف يدعم المسلم نشاطا يرى حرمته؟!

    وهنا أختم مقالي ببعض النقاط حول ملامح “الإقصاء” و”العلمنة” التي ظهرت من خلال ردّة فعل مسؤولي حركة الرسالة ومؤيّديهم:

-       الإقصاء: فلنفترض جدلا أنّ الرأي الذي تبنّته كتلة “القلم” لم يكن قاطعا، وأن هناك رأيا آخر “إسلاميا” يجيز القيام بهذا النشاط على الوضع الذي أراده مسؤولوا حركة الرسالة، فلماذا هذا الأقصاء الذي تمثّل بالهجوم الشديد على أصحاب الرأي “الإسلامي” المخالف؟! ولماذا لا يُقبل؟ أحد المعقّبين من مسؤولي الرسالة قال: “مؤسسة القلم تُظهر نفسها بموقف كله عار عندما تحاول إفشال أمسية حركة الرسالة الطلابية وذلك بالإتصال بأبنائهم القلماوييين (الذين قالوا سمعا وطاعة) ومحاولة إقناعهم بعدم الذهاب إلى الأمسية بسبب صعود أخت من خلق الله على المنصة . تبّا لكل من حاول إفشال الأمسية وتبّا لكل حركة إسلامية تنتهج هذا النهج اللإسلامي واللأخلاقي . رغم كل ذلك إلا أنّ شباب وشابات الرسالة الأبطال يُتمّون فقرات الفعالية على أكمل وجه ويستبدلون الأشخاص القلماويين الذي تغيّبوا خوفا من الحركة الإسلامية بأناس ناضجين فكريا وليسوا بحاجة إلى لحية شيخ ليتملّسوا منها”. وقال آخر: “بارك الله بالقائمين من أخوات وإخوة وخاصة بالأخت التي اعتلت المنصّة متحدّية لإرادة طغمة التخلف وشرذمة القمع والإرهاب الاجتماعي ومن لم يرق له ما حدث في الأمس فليذهب إلى طالبان في أفغانستان فإنّنا سنقاوم طلبنة العمل الإسلامي بكل ما أوتينا..”. وقال ثالث: مؤسسة القلم تصدر مرسوما مشائخيا من الغرف المظلمة لابنائها بعدم المشاركة بفعالية الرسالة، لان فيها من الفحشاء والمنكر ما لا يمكنه على اللسان ان يُذكر!”. والملامح اللاأخلاقية والمجافية للخطاب الإسلامي واضحة في هذه التعقيبات الإقصائية، ولكن نتجاوز ذلك ونسلّط الضوء على نبرة “الإقصاء” المتعالية التي برزت هنا.. أفيجرؤ هؤلاء “المعتدلون” أن يوجّهوا هذا الخطاب إلى كتلة “علمانية” تخالفهم في رأي مع وضوح بطلان رأيها شرعيّا؟ أم “يخنسون” ويتلطّفون مع زملائهم العلمانيّين؟! إنّ الهزيمة النفسية تتبدّى هنا بأجلى صورها؛ حيث “يتشاطر” هؤلاء على إخوانهم ليثبتوا للآخر العلماني واللبرالي أنهم “منفتحون” و “معتدلون” وليسوا “رجعيّين”! غير مستندين في نقاشهم وردودهم كلها على أيّة حجة شرعية، وإنما يفكّرون بالعقلية “العلمانية” التي تكرر ذات المقولات التي قالها الغربيّون العلمانيّون عن “العقلية الدينية”! ولكنّهم نسوا أن الغرب قال ذلك عن العقلية الدينية “الكنسية” التي كانت حقّا بعيدة عن أي معنى إنساني وأي تكريم للمرأة، ولكنّهم هنا أمام عقلية دينية “إسلامية” تستقي تصوّراتها وفهمها لعلاقات الجنسين من المصدر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!

-       العلمنة: ندلفُ من النقطة السابقة إلى ظاهرة “علمنة” العمل الإسلامي؛ حيث تختلّ “المعايير” في الحكم على الأشياء والأفعال والمواقف، وتصبح معايير “الهوى” و “قبول المجتمع” و “الرأي العام” هي البديلة عن “المعيار الشرعي”، وتلك هي العقلية العلمانية في حقيقتها، إذ تريد حصر التوجيه الإسلامي في زوايا ضيّقة بينما يستأثر الهوى بسائر جوانب الحياة لتسير وفق “المصلحة” والرغبات والضغوط المختلفة. وهؤلاء وإن كانوا ليسوا بعلمانيين تصريحا، غير أنّ العقلية التي يصدر عنها خطابهم تتّسم بـ “العلمنة” بسبب تأثرات مختلفة، أهمّها: الجهل بالعلم الشرعي، والانهزام أمام ضغوط الثقافة العلمانية الطاغية في المجتمع، وقد كتبت في الموضوع مقالة كاملة عالجت فيها المسألة من ناحية شرعية وموضوعية، يمكنكم قراءتها هنا: اضغط هنا.

-       المرأة والجنس: لست أدري ما سرّ التركيز الشديد من بعض الناشطين على موضوع “الجنس” و”المرأة” و”تحريرها”؟! هل كلّ همّ هؤلاء الناشطين هو تسليط الضوء على موضوع “الجنس” والتصدّي لمواقف المسلمين الشرعية وزحزحتها لموضوع “الجنس”؟! هل “الجنس” حلمٌ يقيمهم ويقعدهم؟! أم هو أسمى قضية يعالجونها؟! وهل خلت جوانب العمل الطلابي كتابات نقد العمل الإسلامي من أي موضوع آخر سوى “الجنس”؟! أيّ انسياق هذا وراء ما يتولّى كبره العلمانيون في مجتمعنا استهدافا للقيم الإسلامية التي تحكم علاقة الرجل بالمرأة! كأنّني أمام جمعية نسوية للحفاظ على “حقوق المرأة”!

-       وملاحظتي الأخيرة: بعض الناس يقارن هذه الفعالية والاختلاط الحاصل بها بالاختلاط الحاصل في قاعات التعليم في الجامعات، وهو قياس مع الفارق؛ لأنّ هناك فرق بين ما تكون أنت مسؤول عنه، وتقوم بتنظيمه بنفسك، مع إمكانية منعه، وبين ما هو خارج عن مسؤوليّتك وقدرتك على التغيير. فالفعالية التي تقيمها حركة طلابية “إسلامية” تكون الحركة هي من يرسم شكل الفعالية من ألفها إلى يائها، وليس ها هنا أيّ نوع من “ضرورة” حتى يقال: إن المجتمع كله مختلف، ونحن مضطرون. فقد يكون الاضطرار في حالات أخرى، أما حينما نخرج من حالة “الضرورة” إلى حالة “الاختيار” فإن الحكم يعود إلى ما هو عليه، والله سبحانه قد أمر باتقائه بقدر “الاستطاعة”: “فاتّقوا الله ما استطعتم” (التغابن: 16). ومتى توفّرت الاستطاعة كانت التزام الحكم واجبا، ومتى غابت الاستطاعة فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. كمن يكون في صحراء جائعا عطشان لا يملك لا ماءً ولا طعاما (حالة ضرورة) وأشرف على الهلاك، فوجد “خمرا”، فإنه يشرب منه ما يقيم به صلبه، ولكن متى انتهت “حالة الضرورة” ووجد ماءً وطعاما حلالا فلا يجوز أن يستمرّ على شرب الخمر بحجّر “فقه الضرورة”!

    لقد صِرنا إلى زمان ظهر فيه مصداق قول رسولنا الكريم: سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، و ينكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله عز وجل” (عن عبادة بن الصامت، وهو حديث صحيح صحّحه السيوطي في الجامع الصغير، والألباني في صحيح الجامع).

    اللهمّ اهدنا لِما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنّك تهدي من تشاءُ إلى صراط مستقيم.

    والحمد لله ربّ العالمين..

شريف محمد جابر

20.1.2012

عكا

من مغامرات بقّورة :: قصص للأطفال

.

من مغامرات بقّورة

 .

(الحلقة الأولى: في المدينة)

.
    بقّورة طفلة صغيرة لطيفة..

 

    بقّورة لا تعرف لها أبا ولا أمّا، ومنذ أن تفتّحتْ عيناها للحياة وهي لا تعرف سوى عمّها “الحكيم” الذي ربّاها واعتنى بها حتى أصبحت طفلة صغيرة ذكية جميلة.

 

    وعاشا سويّا في وئام وأمان في كوخ صغير يقعُ في طرف غابة كبيرة كثيرة الأشجار. وكان عمّها الحكيم رجلا عابدا زاهدا، يعملُ في قطع الأشجار وبيع الحطب في المدينة القريبة.

 

    تستيقظُ بقّورة باكرا في موعد صلاة الفجر مع عمّها “الحكيم”، وتدعو بعد الصلاة بما علّمها من أدعيةٍ عن رسولنا الحبيب محمّد صلى الله عليه وسلم.

 

    تدعو بقّورة وحدها خاشعة بعد كل صلاة فجر وتقول: “اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ، ومِنكَ السَّلامُ، تباركْتَ يَاذا الجلالِ والإكرام”.

 

    ثم تردد: “أستغفرُ الله.. أستغفرُ الله.. أستغفرُ الله”.

 

    وتقول أيضا: “لا إلَه إلاَّ اللَّه وَحْدَهُ لا شريكَ لهُ ، لهُ الملكُ ولهُ الحَمْدُ ، وهُوَ عَلى كُلِّ شيءٍ قَديرٌ. لا حوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّه، لا إله إلاَّ اللَّه، وَلا نَعْبُدُ إلاَّ إيَّاهُ، لهُ النعمةُ، ولَهُ الفضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسنُ، لا إله إلاَّ اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولوْ كَرِه الكَافرُون”.

 

    وتقول أيضا: “سبحان الله” ثلاثة وثلاثين مرة، و”الحمد لله” ثلاثة وثلاثين مرة، و”الله أكبر” ثلاثة وثلاثين مرة، ثم تختمها بقولها: “لا إلهَ إلاَّ اللَّه وحْدَه لا شَريك لهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحمْد، وهُو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ”. فهي تعلم أن من قالها “غُفرت خطاياهُ وإن كانت مثل زبد البحر”، كما قال حبيبنا الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم.

 

    وتدعو كذلك وتقول: “اللهمّ أعنّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك”.

 

    تدعو بهذه الأدعية الشريفة بعد كلّ صلاة مكتوبة في كل يوم..

 

    وتعلم بقّورة أنّ يومها لن يكون سعيدا دون أن تصلّي لربّها خاشعة وتدعوه وتذكره كثيرا..

 

    لقد علّمها عمّها الحكيم طعم السعادة هذا حين كان هو القدوة الطيّبة لها في ذلك..

 

    وبقّورة تحبّ عمّها الحكيم كثيرا كثيرا، وتتعلّم منه في كلّ ما تصادفه في هذه الحياة.

 

****

 

    ذات يوم خرجتْ بقّورة مع عمّها الحكيم إلى المدينة كي يبيع الحطب الذي عمل على تقطيعه وجمعه من الغابة الكبيرة. وكانت تلك هي المرة الأولى التي تخرج فيها إلى هذه المدينة الكبيرة؛ فقد كانت قبل ذلك لا تزال صغيرة على سفر متعب مثل هذا، وكان عمّها الحكيم يبقيها عند جيرانهم الطيّبين. ولكن في هذه المرة قرّر عمّها الحكيم اصطحابها إلى المدينة حتى تتعرّف عليها، فهي لم تعتد أن ترى المدن الكبيرة في حياتها بل اعتادت على الحياة الريفية اليسيرة.

 

    وعند مدخل المدينة لفتَ نظر بقّورة رجلٌ يجلس في زاوية المكان ويمدّ يده طالبا المعونة من المارين. ثمّ رأت عمّها الحكيم يدخل يده في جيبه ويعطي الرجل شيئا من المال، ورأتْهُ يُسرّه بكلمات لم تسمعها. ثمّ رأت ابتسامة رضا ترتسم على وجه الرجل، ورأتْهُ يقوم ويمشي متجهًا إلى قلب المدينة.

 

    سألت بقّورة عمّها الحكيم: لماذا يطلب هذا الرجل المعونة من الناس يا عمّ؟

 

    أجاب الحكيم: لأنّه فقيرٌ ويحتاج إلى المال كي يعتاش ويأكل وبيتَ ويلبس الثياب التي تقيه برد الشتاء وحرّ الصيف، وقد يحتاج إلى المال أيضا لإعانة أسرته على المعيشة الكريمة، فيطعم أولاده ويكسوهم ويعتني بهم، فكي نعيش حياة كريمة نحن بحاجة إلى المال يا بقّورة، ألا ترَيْنَ أنّني أقوم بقطع الأشجار وجمع الحطب وبيعه في سوق المدينة؟

 

    قالت بقورة: نعم، فلماذا لا يقوم الرجل بالعمل حتى يرزق بالمال؟

 

    قال الحكيم: سؤال جيّد يا بقّورة، أما لاحظتِ أنّني أخدته جانبا وتحدثتُ إليهِ بكلمات؟

 

    قالت: نعم، فماذا قلتَ له يا عمّاه؟

 

    قال: لقد رأيته رجلا سليم الجسم قويّ البنية، فقلتُ في نفسي: لماذا لا يعمل؟ فسألته عن سبب بطالته ولجوئه إلى طلب المعونة من الناس، فأجابني بأن المدينة مكتظّة، ولم يجد فيها عملا يقوم به. فأعطيته بعض المال حتى يشتري فأسا ويقوم بقطع الأشجار وجمع الحطب وبيعه في سوق المدينة، فسُرَّ الرجل كثيرا وشكرني، وذهب لشراء فأس ليعمل في تقطيع الأشجار وبيع الحطب. وقد قال رسولنا الحبيب محمّد صلى الله عليه وسلّم: “لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب، فيحملها على ظهره فيبيعها، خير له من أن يسأل رجلا، يعطيه أو يمنعه”. فرسونا الحبيب محمّد صلى الله عليه وسلّم يوجّه الناس إلى العمل يا بقّورة، والفرد المسلم يجب أن يكون نابضا بالعطاء لمجتمعه، لا عالةً عليه ما دام قادرا على العمل. واستخراج خيرات الأرض مطلوب في هذه الحياة، وتصوّري لو كان كل الناس في مجتمعنا مثل هذا الرجل، هل سيكون مجتمعا قويّا أم مجتمعا ضعيفا محتاجا؟ فمن صفات الضعف “الاحتياج”، ومن صفات القوة “الاستغناء”.

 

    قالت بقّورة: ما أروع ما فعلته يا عمّاه، فجزاكَ الله خير الجزاء، ولكن ألا ترى يا عمّاه أنّه الآن سوف يبيع الحطب قبلك في سوق المدينة ممّا يجعلك تعودُ في كل مرة دون أن تبيع كلّ ما قمتَ بجمعه من الحطب، لأن التجار قد يشترون حطبه قبل حطبك؟

 

    قال الحكيم: كلاّ يا بقّورة، فنحن المسلمون نؤمن أن الرزق مكتوب عند الله، وأننا مطالبون بالسعي لطلب الرزق وعدم الركون دون بذل الجهد. فالله – سبحانه وتعالى – هو الذي يرزقنا، وهو – سبحانه – الذي يرعانا ويحفظنا من الفقر والجوع والمرض. وما دمت أسعى لطلب رزقي وأنا متوكّل على الله تعالى فلن أخشى نقصا في المال ولا فقرا، لأنّ الله سبحاته هو الرزاق ذو القوّة المتين. يقول تعالى: “إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ” (الذاريات: 58). ويقول الرسول الحبيب محمّد صلّى الله عليه وسلّم: “لو أنكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا”. فانظري إلى الطير يا بقّورة، ألا ترين أن العصافير الكثيرة تغدو أسرابا لتأكل من نفس الغذاء، ويرزقها الله كلّها ولا يترك فيها عصفورا لا يجد طعاما؟ فكذلك أمرنا نحن البشر لو توكّلنا على الله حقّ توكّله ثمّ قمنا بالجهد المطلوب لكسب المال. والحمد لله على كل حال.

    تعلّمت بقّورة في هذا اليوم أن القوّة تكمن في حيويّة أفراد المجتمع، ونشاطهم لكسب الرزق، وأن الخمول يجلب الضعف للمجتمع.

 

    وتعلّمت أنّه لا ينبغي للإنسان الخوفُ على رزقه، ويجب أن يتوكّل على الله في جميع أحواله، وأن يطمئنّ إلى أنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يرزقه ويرعاه، وأن كلّ ما يردّده الناس كقولهم: “فلان قطعَ رزقي”! وأمثالها من عبارات الخوف من قطع الرزق لأسباب دنيوية هو ضعف في الإيمان، ولا حقيقة له في الواقع، فالله سبحانه وتعالى هو الرزاق ذو القوّة المتين.. وكما يرزق العصافيرَ الكثيرة يرزق البشرَ وكل كائن حيّ في هذا العالم!

 

    وإلى حلقة أخرى في مغامرة جديدة لبقورة الصغيرة..

 

 .

28.9.2011

عكا

شريف محمد جابر

 

عجبا لأمر المؤمن..!

.

عجبا لأمر المؤمن..!!

.

    “عجبا لأمر المؤمن. إن أمره كله خير. وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سرّاء شكر. فكان خيرا له. وإن أصابته ضرّاء صبر. فكان خيرا له”. (صحيح مسلم)

 

    لا يظنن ظانٌّ تسلّلت الأوهام إلى قلبه أن الحديث يدعو إلى الركون للواقع كيفما اتفق، أو أنه يبثّ قيمة سلبية في النفس الإنسانية..

 

    كلاّ…

 

    إنّ الدفعة الشعورية الإيجابية التي يزرعها هذا الحديث في نفس المسلم ويرسُمها في خطّ تفكيره لهي دفعة كبيرة جدا..

 

    إنها دفعةٌ تحطم “الأطلال” التي يبكي عليها الناس وتبني من حطامها طريقا جديدا للخير..

 

    إنها تسدّ الطريق أمام أي تفكير في (“لو كان كذا”.. “لماذا كان كذا”.. “ماذا لو لم أفعل كذا”…..) تسد التفكير أمام أي تساؤلات تقبع في ركام الماضي ولا تنفع في مسيرة الحاضر والمستقبل، فيكتفي الإنسان بأخذ العبرة من النتيجة للمستقبل، وينظر بعين الأمل إلى الطريق الآتي.. غير متأثر ولا آبه بما حدث في الماضي!

 

    فلا يعرقلُ دُجى الأمس مسيرة الغدِ المشرق في الركب المضيء.. ولا ينفثُ الألمُ القديمُ شؤمه فيغشى على ريح الطيب القادم..!

 

    إنها الحياة ههُنا بالنسبة للمؤمن.. لأنها وحيُ من الله.. واهب هذه الحياة..!

 

    ((وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبّوا شيئا وهو شرٌّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)) (سورة البقرة: 216).

.

شريف محمد جابر

19.12.2011

عكا

كتابي الجديد: الهوية والشرعية

.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.
تم بحمد الله نشر كتابي الأول (الهوية والشرعية: دراسة في التأصيل الإسلامي لمفهوم الهوية ورفع الالتباسات عنه) في موقع الألوكة، والكتاب عبارة عن تأصيل إسلامي لمفهوم “الهوية”، ورفع للالتباسات والشوائب التي اعترت هذا المفهوم. انطلاقا من ضرورة تنقية مفهوم الهوية من الغبش الذي التصق به لأسباب مختلفة، وضرورة تحديد المفهوم الشرعيّ الخالص له والالتزام بهذا المفهوم للنجاة في الآخرة، وهو ورقة إسلامية خالصة، لا أبتغي منها إلا مرضاة الله سبحانه وتعالى، وتحريكَ العقول المرهفة المخلصة حتى تحدّد موقفها الشرعي من هذه القضية.
.
رابط تحميل الكتاب: http://www.alukah.net/Library/0/36332/
.
أقول في مقدمة الكتاب:
.

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ اللهُ فلا مضلّ له، ومن يُضْلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك الله، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله.
وبعدُ:
فإنّ تحديد هويّة الإنسان وانتمائه مسألةٌ على غاية من الأهمية في واقعنا الراهن؛ فالهويّة عنصر أساسيّ في بناء الحضارات ونهضة الأمم، إذ تشكّل المنطلق لفهم موقع الإنسان ودوره في هذا العالم وفي المجتمع الإنساني. فحين يحدّد الإنسان هويّته فهو بذلك قد حدّد “غايته” في هذه الحياة، و”المنهج” الذي يضبط أفكاره وحركته بناء على ما تتضمّنه هذه الهوية، وتصوّرَ “الأمّة” التي ينتمي إليها ويعيش قضاياها ويتفاعل معها. فالحديث عن الهوية ليس مجرّد حديث نظري لا رصيد له في الواقع، وإنما هو حديث تشتدّ الحاجة إليه في مرحلة “الغثائية” والضعف والضياع والمهانة والانحطاط والتخلف التي تمرّ بها الأمة الإسلامية، وتتكالب عليها الأمم من كلّ حدبٍ وصوب، والتي شاعت فيها أوضاع الفرقة والتشرذم، والعودة إلى النعرات الجاهلية المنهيّ عنها كالتجمّع والانتماء والتعصّب على أساس “القومية” أو “الوطن”، حتى صارت هذه الروابط التي ترسّبت في عقول أبناء الأمة كأحد أهمّ آثار الغزو العسكري والفكري للأمة، حتى صارت هي روابط الانتماء الأصلية، وأما “الهوية الإسلامية” فهي مجرد رابطة جامعة أقرب ما تكون إلى “الرمزية”! فتفقد رصيدها الواقعيّ الحقيقيّ في ساحة الأحداث الكبرى التي تمرّ بها الأمة.
وانطلاقا من ضرورة تنقية مفهوم الهوية من الغبش الذي التصق به لأسباب مختلفة، وضرورة تحديد المفهوم الشرعيّ الخالص له والالتزام بهذا المفهوم للنجاة في الآخرة، كان هذا البحث الموجز بعنوان: “الهوية والشرعية: دراسة في التأصيل الإسلامي لمفهوم الهوية ورفع الالتباسات عنها” ورقة إسلامية خالصة، لا أبتغي منها إلا مرضاة الله سبحانه وتعالى، وتحريكَ العقول المرهفة المخلصة حتى تحدّد موقفها الشرعي من هذه القضية.
وموضوع هذا البحث وغايته التي يهدف إليها هي تجلية مفهوم “الهوية” في الإسلام، ورفع الالتباسات التي حدثت بين هذا المفهوم وبين الهويّات الدخيلة في عصور التأخر والانحطاط الأخيرة التي مرّت بها الأمة الإسلامية، انطلاقا من اليقين الراسخ بأن أولى خطوات إحياء هذه الأمة وإعادتها إلى مكانتها اللائقة بها تبدأ من هنا؛ من إحياء الهوية الإسلامية وتنقيتها من عوامل الغبش التي رانت عليها، والتي أدّت إلى انحسار فاعليّتها في حياة المسلمين، كمحور استقطاب قيميّ، يوحّدهم ويجمع شملهم، وكعنصر هامّ يعرّفهم بحقيقتهم وبأهدافهم في هذه الحياة، ويردّهم إلى “المعايير” الصحيحة التي تحكم حياتهم. أقول: انحسرت فاعلية “الهوية الإسلامية” بفعل عوامل الغبش التي سوف نفصّلها في ثنايا الكتاب- بإذن الله – ونبيّن حقيقتها ونفنّدها، فغدت على أحسن الأحوال عند الكثيرين مجرد شعار يُتنادى به، والتصورات منحرفة عنه، والسلوك مغاير لمقتضياته!
في الفصل الأول: سوف أتطرّق إلى تعريف “الهوية” لغويا وفي الاصطلاح المعاصر، وأبيّن المعنى العام الذي يدور حوله المعنى الاصطلاحي، ثم أبيّن مدى علاقة هذا المعنى بمعاني “الولاء” في الإسلام، بعد أن أتتبّع هذه المعاني من أصولها الشرعية، “فالولاء” هو أحد أركان التوحيد التي لا يصحّ إيمان المسلم مع نقضها، أو بوجود الغبش الذي يكدّر صفاءها. وسأبيّن كذلك معاني “الجماعة” و”الأمة” في الإسلام؛ فإنّ التركيز الأكبر سيكون على مفهوم الهويّة الجماعيّ، لخطره وأهميته في هذه المرحلة التي تمر بها الأمة الإسلامية.
في الفصل الثاني: سوف أعرض لنماذج من الكتاب والسنة، تبرز فيها معاني الهوية الإسلامية، للتشبّع بمعانيها وتأكيدها وتأصيلها في قلوب المسلمين وعقولهم.
في الفصل الثالث: سوف أتحدّث عن الخلفية التاريخية لضعف الهوية الإسلامية كرابطة انتماء وولاء بين المسلمين في شتى أنحاء العالم، ودخول الهويات “القومية” و”الوطنية” كمحاور استقطاب تجمّعت حولها الشعوب المسلمة، مما أدّى إلى التفرّق المذموم الذي زاد الأمة وبالاً أكثر مما كانت عليه في عصورها المتأخرة.
في الفصل الرابع: سوف أعرض نقدًا موضوعيًّا وشرعيًّا للهوية “القومية”، وبيانًا لمدى زيفها وعدم صلاحيتها فضلاً عن مخالفتها لمعاني الولاء في الإسلام، وكيف أنها أخفقت في تحقيق النهضة للأمة الإسلامية.
في الفصل الخامس: سوف أعرض نقدا موضوعيًّا وشرعيًّا للهوية الوطنية، وبيانًا لتأثيرها السيّء على أحوال المسلمين منذ أنْ بُذرت بذورها النكدة في عقولهم وقلوبهم. وسأبيّن مخالفتها لمعاني الولاء في الإسلام، وأرفع الالتباس بين مفهوم “الوطنية” وفطرة “حبّ الوطن”، وبينها وبين مفهوم “الكيان السياسي” أو “الدولة” الذي تمّ الاصطلاح خطأً على تسميته “وطنا”! وسوف أبيّن خطأ المنهج التوفيقي في إضفاء الشرعيّة على المفاهيم الغربية المعاصرة ومنها الوطنية التي تخالف في أسسها الشرعيّات الإسلامية.
في الفصل السادس: سوف أعرض لبعض الشبهات التي تدور حول الهوية الوطنية وأفنّدها، باعتبارها الأكثر بروزًا في العقود الأخيرة، والأكثر تأثيرًا في واقع الأمة.
في الفصل السابع: سوف أبيّن تهافتَ شبهة “الطائفية” التي تأخذ حيّزا ضخمًا من خطاب العلمانيّين الابتزازيّ، بهدف هدم الهوية الإسلامية أو التأثير على الدعاة المسلمين لتمييعها وإهدار فاعليّتها.
في الفصل الثامن: سوف أتحدّث عن خصائص الهوية الإسلامية التي تميّزها عن غيرها من الهويات الزائفة كالقومية والوطنية.
في الفصل التاسع: سوف أتحدّث عن مقتضيات الهوية الإسلامية، وأنّها ليست معنى نظريّا مجرّدًا عن التأثير في واقع الفرد والجماعة.
في الفصل العاشر: والأخير سوف أتحدّث عن آثار ضعف الهويّة الإسلاميّة في الأمّة، وأبيّن المخاطر المعاصرة التي تهدّد هذه الهويّة، وأهمّية إحيائها في نفوس المسلمين؛ تجريدًا لمفهوم التوحيد، وسيرًا في طريق النجاة الأخرويّة، وأهمّيّتها كركن أصيل لنهضة هذه الأمة، لا تكون لها رفعة ولا عزّة ولا مجد ولا سؤدد دون إزالة الركام والغبش عن حقيقتها.
أسأل اللهَ الإخلاصَ في القول العمل، وأن يوفّقني في ما أرجوه من هذا الكتاب، وأسأله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.
اللهمّ أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا.
“إنْ أريدُ إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليك توكّلتُ وإليهِ أنيب”..
.
شريف محمّد جابر
1432 – 2011
.
(لا تبخلوا علينا بنشر الكتاب على الشبكة والمواقع الاجتماعية كالفيس بوك  والمنتديات وغيرها، وبارك الله بكم)

رابط الكتاب للنشر والتحميل: 

http://www.alukah.net/Library/0/36332/


الإدارة الأمريكية في مأزق رهيب..!!

.

الإدارة الأمريكية في مأزق رهيب..!!

    بطبيعتي لا أميل إلى إسقاط نظرية المؤامرة على كل شي في هذه الحياة كما يفعل بعض الناس، من “السوداويين” الذين يرون في الثورات العربية مجرد مؤامرة أو ألعوبة أمريكية.. وكأنّما لا يرون فاعلا إلا أمريكا! أستغفر الله!

    لا تهمني الأسباب بقدر ما يهمني الواقع الآن: والواقع أنّ هناك ثورة مصرية تستأنف سيرها في الطريق المليء بالأشواك، وأن ثمة مأزق رهيب يضع مصالح الإدارة الأمريكية على المحكّ..

    أستطيع أن أتفهّم بوضوح شديد سبب تباطؤ المجلس العسكري في تسليم السلطة، أو حتى في تحديد موعد واضح قريب لتسليمها لمدنيين “أحرار”:

-       المجلس العسكري (تركة مبارك) مرتبط بشدّة بالإدارة الأمريكية، والمعونات الأمريكية للجيش المصري، واللقاءات والزيارات منذ أيام نظام مبارك المخلوع، كلها مظاهر لهذا الارتباط الوثيق.

-       إذن: المجلس العسكري هو “راعي مصالح أمريكا” في مصر والمنطقة، وليس من مصلحة أمريكا أن تتركه يتنحى عن الإمساك بزمام الأمور في مصر.

-       لكنّ الإدارة الأمريكية لا زالت في مأزق شديد!! هي الآن كالذي يماطل حتى يجد حلاّ ملائما يحفظ مصالحها؛ فبقاء سيطرة المجلس العسكري على زمام الأمور في مصر يحفظ مصالحها، ولكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر بداهة في العقلية المصرية أجمع!

-       خيار البقاء في الحكم بأي حجة من الحجج وتأجيل تسليم السلطة سوف يزيد من التصعيد ضدّ المجلس العسكري، ثم إلى نزع الشرعية عنه ممّا سيؤدّي إلى خلعه وانتقال زمام الأمور إلى مجلس مدني ثوري.

-       خيار التسريع بالانتخابات سوف يأتي بمجلس شعب اختاره الشعب بحرية، خصوصا وأن أحرار مصر هم من سوف يحرس عملية الانتخابات، مما سوف يطلق إلى الوجود هيئة رسمية تنزع شيئا فشيئا زمام الأمور عن المجلس العسكري.

-       الخيار الأمثل في الظروف الراهنة: امتداد هذا الوضع (الفترة الانتقالية تحت سيادة المجلس) إلى أطول فترة ممكنة، دون وضوح في تحديد موعد لتسليم السلطة. وامتداد هذا الوضع يجب أن تكون له حجّة قويّة.

-       فلتكن هذه الحجّة هي الفوضى التي تلغي الانتخابات وتؤجل كل شيء!!

    ولذلك أقول عودا على بدء، وإغلاقا لهذه الحلقة المفرغة: إن استمرار أوضاع الفوضى وعدم الوضوح في موعد الاستجابة للمطالب وبقاء سيادة المجلس في ظلّ هذه الأوضاع لهو خير دليل على أن الإدارة الأمريكية في مأزق شديد!!

    إنّها تفكّر في حلّ يبقي وضع الرعاية لمصالحها في المنطقة، والوقت ليس في صالحها، لذلك تسعى في كسب أكبر حصّة منه، عن طريق تمديد فترة سيادة العسكري العميل، فالتفكير في سنة ليس كالتفكير في شهرين! التفكير في سنة يتيح فرص توليد الحلول التي ترعى مصالح أمريكا في المنطقة، ولذلك فوضع الفوضى وتمديد فترة سيادة العسكر هو الجو الأمثل الآن للإدارة الأمريكية.. حتى تفكّر على مهلها!

    حين أستعرض موقف الإدارة الأمريكية يخيّل إليّ أنني أشاهد رجلا كبير السن يجلس على كرسي ضخم، وفي فمه “سيجار” غليظ يتصاعد منه الدخان.. إنّه صاحب مصالح كبيرة، يفكّر في حكمة ودهاء ويستهلك الوقت في التفكير لإيجاد الحلول الأمثل.. وهكذا هي الإدارة الأمريكية!

    إن نظرية المؤامرة المطلقة تتغافل عن عناصر “الفعل الثوري الحر”، وهي: جماعات الضغط المسيسة وغير المسيسة، والشرائح الشعبية الشريفة التي تفهم الخداع وتخرج لتقول: لا لكل تصرف فاسد.. هذه الفئات صاحبة القوة في الشارع الآن لا تستطيع الإدارة الأمريكية أو القوى العميلة أن تجعلها تعمل لحسابها، الإدارة الأمريكية وعملاؤها في الداخل المصري لا يملكون “عصا سحرية” تنفذ كل ما ترغب به!

    كتبت هذه الكلمات لأنّ الكثير من الناس لا زال يقرأ بعيون “الآخر”!

    يحاولون أن يجدوا تفسيرا يتطابق مع مقولة المؤامرة الأمريكية التي تجيّر كلّ شيء لمصالحها..

أردتُ أن أهمس في أذن هؤلاء: الشعوب ليست عميلة.. والإرادات ليست خاضعة كلّها للرغبات الأمريكية.. والواقع يشهد “فعلا حرّا” قويّا مغايرا لمصالح “الفعل الأمريكي”..

    وكلا الفعلين، أراهما في فضاء الثورة يعتلجان، حتّى يكتب النصر لأحدهما كما هو في قدر الله.. والله المستعان وعليه التوكّل..

شريف محمد جابر

21.11.2011

عكا

الجزيرة.. والمطلب الوحيد.. ومستقبل الثورة في مصر

.

الجزيرة.. والمطلب الوحيد.. ومستقبل الثورة في مصر

    يعتبر الإعلام أداة هامة جدا في تشكيل الوعي الجماهيري، وفي تحديد مسار الأحداث الكبرى، فهو وإنْ كانَ مجرد (كلام في كلام) كما يقول بعض الناس، ولكنّه يرسم من خلال جوقاته الجاذبة للجمهور مسارات الوعي، ويشكّلها لتُحدث فعلها الواقعي على الأرض.

    وكثيرة هي الدراسات الجادّة التي ترصد دور الإعلام في تشكيل الوعي، وفي رسم مسار الأحداث على أرض الواقع، أو على الأقل: في مساندة رؤى معينة وتغليبها على رؤى أخرى بزرع الوعي المساند لهذه الرؤى في العقل الجماهيري. وهذا ما أراه يحدث في ظلّ الثورة المصرية.

    قرأتُ اليوم تقريرا على موقع “قناة الجزيرة” بعنوان (وثيقة الدستور تشعل مليونية بمصر)[1]. وقد هالني أن أقرأ هذه المغالطة في العنوان (المقصودة أو غير المقصودة، لا يهمّ؛ إذ كلتاهما تؤدي إلى نتيجة واحدة!) هذه المغالطة في تركيز العنوان على (وثيقة السلمي) وكأنّها هي أساس المشكلة التي خرج الشعب لحلّها! تغافلا عن أساس القضية  (المطلب الوحيد) وهو: مطلب تسليم المجلس العسكري للسلطة.

    ما كنت أخشاه ويخشاه الكثيرون هو تمحور المليونية والفعاليات الاعتصامية والضغط الشعبي حول رفض (وثيقة السلمي)، وقراءة مثل هذا التقرير عن مليونية اليوم في أبرز منبر إعلامي عربي يؤيد ذلك. فلم تذكر الجزيرة المطلب الأساسي والأهم لهذه المليونية وهو: “تسليم العسكر للسلطة حتى موعد أقصاه أبريل القادم”. لم تذكر هذا المطلب إلا عرضا حين تحدثت عن موقف “الجماعة الإسلامية” في نهاية التقرير إذ قالت: “كما أعلنت الجماعة الإسلامية مشاركتها في مظاهرة الجمعة للتعبير عن موقفها الرافض لوثيقة السلمي، وكذلك مطالبة المجلس العسكري بتسليم السلطة في موعد أقصاه أبريل/ نيسان القادم”.

    وكأنّ مطلب (تسليم السلطة) هو مجرد مطلب ثانوي للجماعة الإسلامية! أو أنها انفردت بهذا المطلب! مع أنه أساس المشكلة وينبغي أن يكون محور المليونية كما دعا إلى ذلك الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل، وغيره من القوى السياسية (وغالبيتها إسلامية)!!

    ذكر التقرير عبارة (المطلب الوحيد) على لسان “التحالف الديمقراطي”، ولكنه لم يبين ما هو هذا (المطلب الوحيد)، بل سيفهم القارئ ضمنا أنه وثيقة السلمي! مع أنه يُقصد به مطلب تسليم السلطة! فقد ورد في التقرير موقف “التحالف الديمقراطي” (ويعتبر أكبر تحالف سياسي في مصر الآن) دون تحديد ماهية هذا المطلب:

    “وبدوره حسم التحالف الديمقراطي من أجل مصر المكون من 11 حزبا مشاركته في المليونية التي أطلق عليها “جمعة المطلب الوحيد”، مؤكدا في بيان رسمي إغلاق باب التفاوض مع نائب رئيس الوزراء حول تعديل الوثيقة الدستورية، علما بأن التحالف كان قد اجتمع الأحد الماضي بحضور أربعة مرشحين محتملين للرئاسة وقرر إمهال الحكومة ثلاثة أيام لتعديل الوثيقة قبل إعلان موقفه النهائي”. انتهى.

    وسيفهم القارئ لهذا المنبر الإعلامي واسع الانتشار أن المطلب الوحيد والرئيسي لهذه المليونية هو (إلغاء وثيقة السلمي فوق الدستورية)!

    وهنا قد يكون السيناريو المظلم القادم:

    1- ضغط شعبي مساند لمطلب إلغاء الوثيقة.

    2- استجابة (ما) من قِبَل العسكر، تكون هذه الاستجابة يصيغة دبلوماسية غير واضحة المعالم.

    3- نسيان للقضية الأساسية وهي: (وجوب تسليم السلطة من قِبَل المجلس العسكري لسلطة مدنية منتخبة، دون أن يكون للعسكر أي دور في رسم مبادئ النظام الجديد أو تأطير صلاحياته بنفوذ خاص للعسكر يشكّل المرجعية العليا في الدولة).

    4- تمديد فترة حكم العسكر واستبداده بالسلطة.

    5- فقدان الثقل الشعبي الفاعل المساند للتيارات المعادية للمجلس العسكري، بسبب انطفاء جذوة الثورة بعد كثرة المليونيات وتعطيل المصالح وتشعّب القضايا.

    6- تشكيل نظام حكم جديد في ظلّ انطفاء جذوة الثورة، يكون مهزوز الثقة، ومنقادا لمرجعية المجلس العسكري العليا، وغير خارج عن مصالح أمريكا في المنطقة. أي: في الشكل هو نظام مدني ديمقراطي حرّ[2]، ولكن تحكمه هيمنة عسكرية موالية لأمريكا.

    والنتائج الأهم:

    – بقاء هيمنة العلمانية والرأسمالية على الأوضاع في مصر، وتقوية السوق الحر والليبرالية المتوحشة، وبقاء البلد في الحلقة المفرغة من الضعف والتخلّف والذلّ والتبعية لأمريكا.

    وواجب الدعاة المخلصين من أبناء هذه الأمة:

    – العمل المدروس الجادّ والمجهد على الخروج من التبعية وبناء عناصر القوة وتحقيق التمكين الشرعي.

    – وهذا لا يتأتى دون بذل الجهود الكبيرة في نشر الوعي الشرعي الشامل بين المسلمين في مصر، ودون المباشرة الجادّة في عملية إحياء هذه الأمة، وتربية القواعد الشعبية التي تشكل (سندا اجتماعيا) قويا للتمكين القادم بإذن الله ولو طال الوقت.

شريف محمد جابر

18.11.2011

عكا


[2]  في العموم: إن أي نظام ديمقراطي (علماني) لا يمكن أن يكون حرّا، لأنه نبات غريب على هذه الأمة، لا يأخذ شرعيته إلا من الغرب وأذنابه فاقدي الشرعية، ولذلك فهو سيخضع حتما للهيمنة الأمريكية، شاء أم أبى، وواقع النظم الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي يدل على ذلك دلالة واضحة.

الإنسان أولا..!

.

الإنسان أولا..!

 

    فلنسأل بادئ ذي بدء: ما الإنسان؟

    هل هو ذلك الكائن الحيّ الذي تطوّر عن خليّة نشأت مصادفة قبل ملايين السنين بل ربما مليارات السنين؟

    أم هو ذلك الكائن المكرّم الذي خلقه الله سبحانه وكرّمه وأعطاه نعمة الوعي والإرادة والحريّة بخلاف سائر الكائنات؟

    إنّ قناعتنا المطلقة بإحدى هاتين الرؤيتين حول نشأة الإنسان هي المنطلق الذي تتحدّد بناء عليه نظرتنا لكلٍّ من:

-       غاية وجود الإنسان.

-       وظيفته في هذه الحياة.

-       مصيره بعد الممات.

    ففي الرؤية الأولى ليس ثمّة غاية لهذا الكائن الذي تولّد عبر سياق طويل من تاريخ الحياة على الأرض! إنّه تلك الذرّة التائهة في هذا العالم الواسع.. لا يعلم لنشأته غاية؛ لأنّ “الصدفة” كانت هي سبب هذه النشأة!

    وإذا كانت “الصدفة” قد تمخّضت عن ذلك الكائن الممتلئ بالشهوات، والذي يعيش ويأكل ويشرب، ويستمتع منذ لحظات الطفولة حتى نهاية عمره بما يجلب له اللّذة والسعادة في هذا العالم.. وإذا كان يعتقد يقينًا أنّ حياته لا بدّ أن تفنى، وأنّ أنفاسه لا بدّ أن تخبو، وأنّه ميّت لا محالة، وأنّ بعد هذا الممات ليس ثمّة حياة أخرى..

إذا كانت حياته – وفق تلك الرؤية – تقع بين اعتقاد “المصادفة” واعتقاد “الفناء” المطلق الذي لا حياة بعده، فإن وظيفته ستنحصر ولا بدّ في تحصيل أكبر قدر من “السعادة” في هذه الحياة الدنيا.

    إنّ “الغاية” المرسومة قبل النشأة مفقودة في حسّه، وإنّ “المصير” المحتوم في نظره هو الفناء المطلق، فلا بعث ولا حياة أخرى.. وبين تلك “الغاية” وذاك “المصير” تتحدّد “الوظيفة” وهي: جلب أكبر قدر من “السعادة”، منذ لحظة الولادة حتى لحظة الممات.. لحظة الفناء المطلق في حسّه!

    ستكون وظيفة الإنسان وفق هذه الرؤية هي العمل على “تحسين” أساليب الحياة بأكبر قدر ممكن في جميع الميادين، حتى تتحقّق “السعادة” بأكبر قدرٍ ممكن، ومن هذه الرؤية انطلقت حضارة “الاستهلاك” التي نبصرها في عالم الناس اليوم، في أوروبّا وأمريكا وسائر البلاد التي يؤمن الناس فيها بأنّ مهمّة الإنسان هي تحقيق أكبر قدر من السعادة في حياته!

    وأما في الرؤية الأخرى فالإنسان يعلم حقيقة “نشأته”، إنّه من خلق الله عزّ وجلّ:

    ((وإذ قالَ ربّكَ للملائكة إنّي خالقٌ بشرًا من طين * فإذا سوّيته ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين)) (ص: 71 – 72).

    وبعد علمه هذا، فإنّه يحسم “الغاية” من وجوده، كما حدّدها كتاب الله خالقه سبحانه وتعالى، وكما جاءت على لسان رسله، إنها إفراد الله تعالى بالعبادة:

    ((وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلا ليعبدون)) (الذاريات: 56)

    ((وما أرسلنا من رسول إلا نوحي إليه أنّه لا إله إلا أنا فاعبدون)) (الأنبياء: 25).

    ويعلم – بناء عليها – “وظيفته” في هذه الحياة، و”المنهج” الذي يحقّق عن طريقه هذه الوظيفة..

    فأمّا “الوظيفة” فهي عمارة الأرض:

    ((هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)) (هود: 61).

    ولكن بمقتضى “المنهج الرباني”:

    ((قلنا اهبطوا منها جميعًا فإمّا يأتينّكم منّي هدًى فمن تبع هدايَ فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)) (البقرة: 38 – 39).

    وهو وفق هذه الرؤية يعلم يقينا أنّ “المصير” بعد الموت هو الدار الآخرة؛ فإمّا جنّة ونعيم، وإمّا نار وعذاب، وليس الفناء المطلق بعد الممات هو مصيره المحتوم كما يعتقد صاحب رؤية “الصدفة”:

    ((قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدوّ فإمّا يأتينّكم منّي هدًى فَمَنِ اتّبعَ هدايَ فلا يضلُّ ولا يشقى * ومن أعرضَ عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا ونحشرهُ يومَ القيامةِ أعمى)) (طه: 123 – 124).

    ((إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقّا إنّه يبدأ الخلق ثمّ يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون)) (يونس: 4).

    فالمنشأ في هذه الرؤية: من عند الله.

    والغاية: إفراد الله بالعبادة.

    والوظيفة: عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني.

    والمصير: الدار الآخرة؛ إمّا جنّة ونعيم، وإمّا نار وعذاب.

    إذا سألتَ مسلما: أيّ الرؤيتين تحمل؟

    فإنّه سوف يجيبك لا محالة أنّه يحمل الرؤية الأخرى، فرؤية المصادفة وإنكار البعث وحصر وظيفة الإنسان في تحقيق السعادة هي الكفر بعينه!

    والإسلام بحدّ ذاته هو الإجابات السليمة على الأسئلة الفطرية التي ذكرناها سابقا..

    ولكنّ نظرة عميقة بعض الشيء إلى واقع بعض فصائل العمل الدعوي ترشدنا إلى تساؤل يدور في فلك “الإنسان أوّلا”؛ هل حقّا تجتهد هذه الفصائل لتؤدّي دورها المطلوب في تحقيق مصالح الإنسان الكبرى؟

    إنّ مصالح الإنسان الكبرى في هذه الحياة هي ما يرشده إلى تحقيق غاية وجوده فيها، وهي العبادة كما ذكرنا؛ فهي القيمة الأكبر لنشاطه الإنساني، الأكبر لأنّها الأثقلُ وزنا في مجرى حياته المديدة، أعني: حياته الكاملة (في الدنيا والآخرة)؛ لأنّ الرؤية الإسلامية تعطي معنى مختلفا للحياة عن أيّة رؤية جاهلية أخرى، وهو المعنى المديد الذي يرى في الحياة الآخرة أنّها هي الحياة الحقيقية الخالدة، ويرى الحياة الدنيا دارَ اختبار وابتلاء:

((وما هذه الحياة الدنيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنّ الدارَ الآخرةَ لهي الْحَيَوانُ لو كانوا يعلَمون)) (العنكبوت: 64، والحيَوان: الحياة الدائمة الخالدة).

    ((وهو الذي جعلكم خلائفَ الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجاتٍ ليبلُوَكُمْ في ما آتاكُمْ إنّ ربّكَ سريع العِقابِ وإنّه لغفورٌ رحيمٌ)) (الأنعام: 165).

    والطريق إلى تحقيق مصالح الإنسان في الحياة الأخرى المديدة الخالدة ينبغي أن يكون هو الطريق المؤدّي إلى الجنّة، وبداهة هو هكذا؛ فلا مصلحة متحقّقة في سلوك الطريق إلى جهنّم والعياذ بالله!

    بل الطريق إلى تحقيق مصلحة الإنسان في هذه الدنيا (فضلا عن الآخرة دار الخلود) هو كذلك الطريق المؤدي إلى الجنّة، أعني العبادة:

    ((ولوْ أنّ أهلَ القُرى آمنوا واتّقَوْا لفتحنا عليهمْ بركاتٍ مِنَ السّماء والأرض ولكن كذّبوا فَأَخَذْْناهُمْ بما كانوا يكْسِبون)) (الأعراف: 96).

    وبناء على ذلك كلّه فإنّ الأولويّة التي ينبغي أن يضعها كلّ مسلم نصب عينيه في هذه الحياة هي تحقيق العبادة لله عزّ وجل؛ غاية وجوده الإنساني. وتكون – بداهةً – هي الأولوية التي ينبغي أن تضعها فصائل العمل الإسلامي في قائمة نشاطاتها الدعوية والخيرية والاجتماعية والثقافية.

    وبديهيّ أيضا أن يكون تحقيق “أصل” العبادة، متقدّما على تحقيق “فروعها”. ونعني بالأصل ما تُنقض بنقضه العبادة كلّها، وهو “التوحيد”، وهو ضدّ الشرك.

    والحفاظ على توحيد المسلم من الشرك هو أصل هذا الدين، ولعلّ قائلا هنا يقول: وهل المسلمون اليومَ مشركون أو كفّارٌ حتى يكون دور العمل الإسلامي تحقيق هذا التوحيد؟

    وهو سؤال ينبع من جهالة علقتْ في أذهان بعض الناس مُذْ رسختْ المفاهيمُ المغلوطة حول الإيمان والإسلام في عصور الانحطاط الأخيرة للمسلمين. فهل كان ابنُ لقمان الحكيم مشركًا بالله إذ قال له أبوه وهو يعظه: ((يا بُنيّ لا تشركْ بالله إنَّ الشركَ لظلمٌ عظيم)) (لقمان: 13)؟! وهل كان الصحابة – خير القرون – مشركينَ أو كفّارًا حين خاطبهم الله تعالى في كتابه وقال لهم: ((يا أيّها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّلَ على رسولهِ والكتاب الذي أنزلَ من قَبْلُ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخرِ فقد ضلّ ضلالا بعيدًا)) (النساء: 136)؟!

    الخطاب المبيّن لمفاهيم الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والمذكّر بها هو خطابٌ له ما يبرّره في طبيعة النفس، وفي طبيعة التغيّرات الاجتماعية، ولا ريب أن يكون كذلك وهو خطاب الحكيم العليم! فالنفس التي خلقها الله سبحانه وتعالى تنسى، ولقد نسي أبونا آدم من قبل:

    ((ولقد عهدنا إلى آدم من قَبْلُ فنَسِيَ ولم نجدْ له عَزْمًا)) (طه: 115).

    وعلاجُ النسيان – الذي هو فطرة في البشر – التذكير، والتذكير بالإيمان وحقيقة التوحيد – كما ذكّر لقمان ابنه، وكما خاطب الله المؤمنين في المدينة بحقائق الإيمان الأساسية – ليس محصورا في فاقد الإيمان:

    ((وذكّرْ فإنَّ الذكرى تنفعُ المؤمنين)) (الذاريات: 55).

    والمشكلة تكمن في ذلك الفكر الذي عشّش على مدى قرون طويلة في عقول أبناء الأمة بفعل عوامل يصعب حصرها في هذا المقام[1]، وأبرز محاور هذا الفكر في صدد حديثنا:

-       حصر معنى الإيمان في التصديق والإقرار.

-       حصر التوحيد في توحيد الله في ذاته وصفاته وأفعاله (التوحيد الخبري العلمي المعرفي باصطلاح الإمام ابن القيّم).

    ففي معنى الإيمان المنحرف في هذا الفكر يكون “الكافر” هو من يكذّب ما أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام، أو الذي يجحده على أبعد تقدير. ويكون المسلم الذي يصدّق ما أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام من قرآن وسنّة مؤمنًا صحيح الإيمان، حتى لو لم يعمل عملا واحدا زائدا على التصديق والإقرار!

    وفي معنى التوحيد المنحرف في هذا الفكر يكون المشرك هو من يؤمن بتعدد الآلهة، أو الذي يرى خالقا أو مريدا غير الله عز وجلّ، أو ما يدور في فلك توحيد ذاته وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى فقط!

    وإذا أسقطنا هذا الفهم المنحرف للإيمان والتوحيد على أحوال المسلمين المعاصرة، وجدنا شبه انعدام لما ينقض الإيمان أو يضفي الغبش على حقيقته؛ فمعظم المسلمين يصدّقون بوجود الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه، وسائر ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام في الكتاب والسنة. ووجدنا كذلك شبه انعدام لظواهر الشرك في مجتمعات المسلمين؛ فلا أحد يرى تعدّد الآلهة أو تعدد ذات الإله من المسلمين، ولا أحد يرى خالقا أو مريدا غير الله سبحانه وتعالى..

    وهكذا يقول أصحاب هذا الفهم المنحرف للإيمان والتوحيد إنّ أحوال الأمة العقديّة بخير وعافية؛ فمعظم المسلمين محقّقون لأصل إيمانهم وتوحيدهم، ولا غبش على هذه الحقائق في حسّهم، وإنّما المشكلة في تقصيرهم في أداء الفرائض والواجبات والعبادات، وكذلك في فقدان التنمية والرعاية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لأحوالهم الحياتية. وبناءً على ذلك يكون واجب العمل الإسلامي حثّ المسلمين على التمسّك بالإسلام وأداء الفرائض والواجبات والعبادات، وكذلك تحسين أحوالهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في جميع مناحي الحياة..

    ونحن في هذا المقال نحبّ أن نؤكّد على نقاط عدّة قبل الاستمرار في الحديث حتى لا يساء فهمنا:

-       لا نعترض أبدا على العمل المبارك الذي تؤدّيه فصائل العمل الإسلامي في حثّ المسلمين على التمسّك بالإسلام، وعلى أداء الفرائض والواجبات والعبادات، ولا نعترض على العمل في تحسين أحوالهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في هذه الحياة الدنيا. بل نرى الخير في هذا العمل، ونسأل له السداد، ونقتدي به إذ نراه متمثّلا في روّاد خاضوا غمار التجربة الدعوية لخير الناس أجمعين.

-       وإنّما نرى (إلى جانب هذا العمل المبارك) ضرورة إعادة الفهم الصحيح لأصل هذا الدين في أفهام المسلمين وسلوكهم، لأنّ كل الأعمال داخلة في مجال “العبادة” كما ذكرنا، وتحقيق الأصل متقدّم على تحقيق الفروع، وأصل العبادة هو تحقيق التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة، وفروعه الواجبة هي التزام الواجبات والانتهاء عن المحرّمات، وكمالاته فعل المندوبات واتّقاء المكروهات. فالدعوة إلى التزام الواجبات والانتهاء عن المحرّمات هي دعوة طيّبة مباركة، ولكن لا ينبغي أن تكون على حساب الدعوة إلى تصحيح المفاهيم حول الإيمان والتوحيد إنْ كان فيها غبشٌ وانحراف في حسّ الكثير من المسلمين في أيّامنا (وهي كذلك فعلا، وسنتحدّث عن ذلك بعد قليل)، بل تكون معها جنبا إلى جنب، بل منبثقة عنها ومرتبطة بها أشدّ ما يكون الارتباط.

-       العمل في رعاية أحوال المسلمين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لا ينبغي أن يكون على حساب المفاهيم الأصيلة لهذا الدين، فلا يجوز أن يكون هذا العمل سببا في إحداث الغبش في مفاهيم التوحيد، والأوجب تنقية هذا العمل مما يلبّس على المسلمين عقيدتهم، فإنْ لم تكن التنقية ممكنة فالأوجب طرح هذا العمل جانبا.

-       لا نهدف إلى إصدار أيّ حكم بالكفر أو الشرك على أفراد المسلمين في قولنا (الذي سوف نفصّله في ثنايا المقال) بأنّ الانحراف في الإيمان والتوحيد قد أصاب أحوال المسلمين المعاصرة؛ فالإقرار بوجود ظواهر الانحراف عن الإيمان وظواهر الشرك وما يغبّش على التوحيد (نظرا لوضوح علاماتها في المجتمعات)، ثم العمل على بيان المفاهيم الصحيحة لها، إنّ هذا الإقرار والبيان لا يعنيان إطلاقًا القولَ بكفر أفراد المجتمع أو شركهم، وإنّما نحن نهدف إلى “البيان” ولا نهدف إلى “الحكم” على المسلمين بالكفر أو الشرك، بل نحكم بالإسلام عليهم، وبيان حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر وحقيقة التوحيد وحقيقة الشرك من أهمّ الواجبات الدعوية على مختلف العصور، تماما كما كان هذا الواجب الدعويّ متمثّلا في موعظة لقمان الحكيم لابنه المؤمن كما مرّ معنا، وكما تمثّل في خطاب الله لعباده المؤمنين في كتابه في مواضع كثيرة ومتعدّدة. فالهدف هو بيان هذه الحقائق والتذكير بها حتى يُعمل بها، ولتكون فيها النجاة في اليوم الآخر، وليس مرادنا الحكم بالكفر أو الشرك على أحد من المسلمين.

    ونحن لا زلنا في صدد الحديث عن “الإنسان أوّلا”، ولعلّ أبرز ما يمكن أن تتمثّله هذه العبارة المستحدثة من رصيد شرعيّ هو وصايا لقمان الحكيم لابنه المؤمن، فكم كانت واضحةً أشدّ الوضوح تلك الأولويّة التي أعطاها لقمان الحكيم للحقيقة الأولى في هذا الدين خلال خطابه لابنه الانسان؛ لقد كانت هي الوصيّة الأولى بين الوصايا العديدة! وهذه الحقيقة هي حقيقة التوحيد: ((يا بُنيّ لا تُشركْ بالله إنّ الشركَ لظلمٌ عظيم)). والشرك ضدّ التوحيد، وهو الذي ينقضه أو يحدث الغبش فيه.

    فما هو التوحيد؟ وما هو الشرك؟

    ولا أهدف في هذا المقال إلى البيان المفصّل الجامع لهذه الحقائق الأساسية[2]، وإنّما أريد أن ألقيَ الضوء على عدّة نقاط تخصّ موضوعنا “الإنسان أوّلا”:

-       خطأ الفهم المنحرف الذي ذكرناه سابقا للإيمان والتوحيد عند الكثير من المعاصرين.

-       بيان بعض ظواهر الانحراف بين المسلمين وفي العمل الإسلامي فيما يخصّ هذه الأولويّات العقديّة، ممّا يستدعي مزيدًا من الاهتمام بها.

-       بيان واجب الدعوة المعاصر حيال “الإنسان أولا”، وبكلمات أيسر: ما الذي يجب أن نركّز عليه في عملنا الدعوي حتى يكون حقّا “الإنسان أولا”؟

    وسيكون هذا – بإذن الله وحده – في الجزء الثاني من المقال فتابعونا..

.

 (تابع مدونة أضواء على الفيس بوك: هنـا)

10.11.2011

عكا

شريف محمد جابر


[1]  راجع فصل “خطّ الانحراف” من كتاب “واقعنا المعاصر” للأستاذ محمد قطب.

[2]  راجع – إن شئت – كتاب “أصل الدين: عند الأئمة وسلف الأمة” للشيخ عبد المجيد الشاذلي، والكتاب يجمع أقوال السلف في بيان هذه الحقائق بأسلوب علمي يغلب عليه التكرار والاستفاضة بهدف تأكيد هذه الحقائق وبيان وضوحها في الكتاب والسنة ومصنّفات الأئمة وأقوال سلف الأمة.

انتهينا.. قصيدة رائعة من نوادر الشهيد سيد قطب

.

(هذه قصيدة نادرة للأستاذ سيد قطب غير متوفرة على الشبكة، نقدّمها بين يديّ قرائنا الأعزّاء؛ سعيا للإضافة على المحتوى الأدبي الأصيل في الشبكة العنكبوتية وإثرائه، وحتى نسلّط الضوء قليلا على جانب لم ينل الاهتمام الكافي في شخصية الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله بعد أن غلب الجانب الفكري من شخصيته على ما يطرح بشأنه في عصرنا؛ هذا الجانب هو الجانب الأدبي، والشعري منه تحديدا. فها نحن أمام سيد قطب “الشاعر”، ولنترك القصيدة تتحدّث عن نفسها..)

.

انتهينا*

.

انتهينا قد مضى الماضي جميعا ومضينا

انتهينا لم نعد نسأل أيّانَ وأينا

أو نَمُدُّ اليومَ للأحلامِ والأوهامِ عَيْنا
انطوى الحلم الذي لاحَ زمانا وانطوينا

ويدُ الدهرِ تمشّتْ تُسبلُ الستر علينا

****

اِضربي في زحمة الأرض على غير طريقي

فكرة ضلّتْ وحُلْمًا يتوارى عن مُفيقِ

ولُقـًى يقذفهُ الموجُ إلى الشطّ السحيقِ

وهوىً يخسره الفنُّ ، على عَيْنِ الصّديقِ

وَسَنًى يطمسهُ الليلُ إلى غيرِ شُروقِ

****

وأنا المكدودُ فليُلْقِ إلى الأرضِ عصاهُ

آنَ للمجهدِ أن تسكن في الأرض خطاهُ

آنَ أن يصمتَ لا تهتف شوقا شفتاهُ

آنَ أن يُغمضَ لا توقظُهُ وهنًا رؤاهُ

جاوزَ الجهدُ قواهُ ، فتهاوتْ قَدَماهُ

****

طالَ هذا الحلمُ حتى صار في النّفسِ عيانا

ومضينا في طريق الوهمِ تنسابُ خطانا

تهدمُ الأيّام ما نبني فتبنيه رؤانا!

ونخوضُ الشوكَ يُدمينا فتَمْضي قَدَمانا

تَتْبَعُ الوهمَ الذي صاغَ من الشّوْكِ جِنانا

****

يا لهذا الحُلْمِ والأيامُ تمضي والليالي

عابثاتٌ بالأماني وهو يمضي لا يبالي

يَغْلِبُ الواقعَ في الأرضِ بتحليقِ الخيالِ

ويرى خَلْفَ الروابي والصحارى طيفَ آلِ

فَيَرودُ الأُفْقَ ظمآنًا مَشوقًا للظِّلالِ

****

قد مَضى والعُمر يمضي والأماني والزّمانْ
وانتَهَيْنا . وصَحا بعدَ الأوانِ الحالمانْ

عَجَبًا . قد كانَ حُلْمًا . لَيْتَ شعري كيفَ كانْ

العيانُ اليومَ كالحُلْمِ وحُلْمي كالعيانْ

صَمَتَ الدَّهرُ عياءً ومضى يخطو الزمانْ!

.

(*نشرت في مجلة الرسالة، السنة 13، العدد 616، أبريل 1945، ص 429)

.

دنيا!

.



رسالة إلى الدرب الموحش..

.

رسالة إلى الدرب الموحش..

الطريق موحشٌ طويل.. والعقباتُ كثيرةٌ كثيرة.. وثمّة أوديةٌ عميقةٌ.. وجبالٌ شاهقةُ تنتظرُ الأحرار الأبرار!

لأَنَّكَ دَرْبٌ طَويلٌ طَويلٌ..

سَأَشْدو لِلُقْياكَ

إِنَّ الظَّلامَ يَلُفُّكَ بِالصَّمْتِ
يَنْزِفُ في راحَتَيْكَ انْكِسارا

سَأَشْدو لِلُقْياكَ \ نَجْواكَ \ شَكْواكَ

يا لِلْخُطى كَمْ أَثَرْنَ الْغُبارا!

 

وَكَمْ طالَعَتْكَ الْمَآسي

وَكَمْ راوَدَتْكَ احْتِضارا..
كَساكَ الرَّبيعُ اخْضِرارا

فَداهمَكَ الصَّيْفُ

ثُمّ الخَريفُ..

وَأَشْجاكَ حُزْنُ الشّتاءِ اصْفِرارا!

 

عُيونُكَ مَخْضوبَةٌ بِالشَّقاءِ..

وَأَوْرَثَكَ الهَمُّ ذُلاًّ وَعارا

خَفاءً جِهارا..

فَما رُمْتَ لِلْعابِرينَ وَقارا

وَأَشْعَلْتَ نارا

لِتَحْرِقَ عُصْفورَ أَوْبَتِنا الحُرَّ

تَقْتُلَ أَحْلامَهُ المُتْعَباتِ

وَلكِنْ تَوارى اللّهيبُ تَوارى

وَعُصفورُ أَوْبَتِنا الحُرُّ طارا!

 

 

 .

10.9.2011

شريف محمد جابر

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 240 other followers