عيدكم مبارك..

مدونة أضواء تتمنّى لكم عيدًا مباركًا وأيامًا تملؤها السعادة في طاعة الله عز وجلّ.. نسألهُ -تعالى- أن يمنّ على الأمة الإسلاميّة بالخيريّة التي كانت لها يومًا وأن ينصرها على أعدائها الكائدين لها في كل مكان

 

شريف محمد جابر

تفجية النص في التجربة الخاصة

kotob

 

    يقول الدكتور إبراهيم طه في مقاله نظام التفجية وحوارية القراءة: “لقد وظّفنا لفظة “التفجية” كمصدر للفعل المضعّف “فجّى”، للدلالة على ما تحمله الفجوات من نشاط مركب يسبقه تخطيط واعٍ وتلحقه نشاطات أخرى. ولما كان التضعيف معمولا بهِ لتعدية الفعل لإفادة: أ. التكثير والمبالغة؛ ب. نسبة المفعول إلى أصل الفعل؛ ج. اتخاذ الفعل من الاسم، فإننا نقترح هذه اللفظة خصوصًا في حال غياب لفظة أخرى تؤدّي معانيها ودلالاتها”[1]

    ويقول عن فجوات القارىء في نفس المقال: “إنّ فجوات القارىء هي في محصلتها تساؤلات يطرحها النص عن طريق تغييب بعض معطياته أو تحييدهاعلى أقل تقدير. والقارىء الذي يرحب بهذه التحديات يجتهد في الإجابة على التساؤلات النصية، دون أن يصيب اجتهاده شيء من العزوف أو الضجر”.

 

    التفجية عملية عقلية كما يظهر إذا ما قصد إليها الأديب قصدًا وقال في نفسهِ مثلا: أريد أن أكتب نصًا غير مكتمل المعطيات، وسأضع بعض الرموز كي يتتبعها القارىء ويسد الفجوات أو بعضها باستخدامه للضوابط التي زرعتها في النص.. وهي عبارة عن معطيات نصية أو خارجية أو… كل هذا لا يصلح للشعر! لأنني مؤمن كل الإيمان أن الشعر عبارة عن تجربة شعورية انتابت الشاعر فاستفزّتهُ كي يعبر عنها بصورة موحية. أنا مؤمنٌ بأنّ وظيفتي كشاعر هي إيصال القارىء إلى الإحساس بالتجربة الشعورية التي عشتُها وأفرزتُ بسببها نصّي الشعري، ولذلك قلت “بصورة موحية” توحي للقارىء ذات المشاعر.. ذات الحزن وذات الفرح وذات الحبّ وذات الأمل وذات الألم وذات القهر وذات الـ…إلخ.. كل ما ينتابني في لحظة الولادة الشعريّة. قد تصلح التفجية المقصودة الواعية في أقاصيص محفوظ وتامر وغيرهم من القصاصين! ولكنّها لا تصلح للشعر لأنّ لوثة التفكير كلما اقتحمت الشعر أبعدته عن طبيعته كشعر.

 

    فلننظر إذًا إلى ولادة التفجية غير الواعية في النصّ الشعري، التفجية النابعة من النبض الشعوري الصادق المنبثق عن التصور الفكري للشاعر. كيف يتمّ ذلك؟

 

    الشاعر الذي تحكمه بعض القيم -دينيّةً كانت أو اجتماعيّة أو غير ذلك- لا يستطيع أن يكتب كل ما يحسّ به ويشعر، لأن حياءهُ الفطري أو نشأته على هذه القيم وغير ذلك من عوامل كلّ ذلك حدّد مسار خروج تعبيره الشعري بطريقة لا شعوريّة، طبيعيّة، إنسيابيّة. هذا التعبير يُخفي الكثير من التفاصيل، هذا الإخفاء للتفاصيل ليس إخفاءًا قصديًا بالأساس.. إنما هو ناشيء من طبيعة تصور الشاعر الفكري الذي أثر في نبضهِ الشعوري. باعتبار أن المشاعر مرتبطة بالتصور. وإذا أردنا أن نمثّل لذلك فقد نفرض أن للشاعر تصورًا إسلاميًا أنشأ في نفسهِ مشاعرَ إسلاميةً متأصلةً في ذاتهِ حتى غدتْ ذاتًا مسلمةً. تعبير هذه الذات عن تجربتها الشعوريّة لا يكون تعبيرًا منطلقًا من كل قيد، ولن يكون محصورًا بطريقة واعية أيضًا. إنما هو تعبير نظيف يخرج هكذا بعد تنخيله من كثير من معطياته بطريقة عفويّة.. هذا التنخيل الطبيعي.. الفطري.. الانسيابي ينشيء في النصّ فجوات طبيعيّة من نوع فجوات القارىء التي يتكفل القارىء بملئها إنْ أرادَ استلهام التجربة الشعورية للشاعر بأكبر قدْرٍ ممكن من شحنتها الوجدانية.

 

    ليس ما قيل في الفقرة السابقة إلا تنظيرٌ لعمليّة ولادة هذا النسق الطبيعي من عمليّة التفجية. وقد قصدتُ إلى قضية أعتقد أنها على قدْرٍ من الاهمية لمن يؤمن بضرورة إبعاد لوثة التفكير قدر الإمكان في عملية ولادة الشعر. نحن في هذا العصر لا نريد أن نطعم النصّ للقارىء بالملعقة كما فعل السابقون كثيرًا! ولا نريد بالمقابل أن نلجأ إلى “لعبة بازل” نرسم عن طريقها قصيدة ننقصُ من أطرافها شيئًا يملأه القارىء بعد أن نكون قد وضعنا له بعض المعالم في طريق استلهام المعنى المخفي.. أو بعد أن نتركَه أمام طلسمات نزعم أن المعاني مختبئة وراءها.. ولا شيء وراءها إلا الطلسمات! باختصار: لا نريد أن تكون عملية التفجية عملية “عقليّة” “قصديّة” بحتة في الشعر، ومع ذلك فقد لاحظتُ وجود التفجية في نصوص شعريّة خاصة نتيجة نبض شعوري طبيعيّ.. عفويّ محكوم بقيم ما أو تصورات ما بطريقة إنسيابيّة منعتْ بروز بعض المعطيات وأنشأت الفجوات التي سيتكلّف القارىء بملئها بعد أن تساعده معطياتٌ نصية أو خارجية كي تكتمل عملية التذوق الأدبي أو عمليّة استلهام التجربة الشعوريّة. كالزهرة العاطرة تخرج منها الرائحة الزكية دونما وعي منها أو إدراك.. رغم أن مصدر الرائحة هو تركيبة داخلية في قلب الزهرة محكومة بقوانين الفيزياء وقوانين التفاعل الكيميائيّ!

 

شريف محمد جابر 

 13.11.2009

 


 1) الكرمل – أبحاث في اللغة والأدب، العدد 14، (1993)، ص 95 – 129.

الضوء الأول! – تدوينة ضوئية

 

ضوءٌ آتٍ..

يسطعُ حينًا.. يخفتُ حينًا

لكنْ يبقى أملاً ينبضُ.. يخفقُ في الخاطرْ

يرسمُ حرفًا

من أحداثِ الزمن الحاضرْ

في أنفسنا وفي الآفاقْ!

  

إقراء المزيد »