خواطر في الموت والحياة

طفل

الحياة معنى جميل.. والإنسان مفطورٌ على حبّها. وقد يُخيّل لبعض الناس أنّها والموت ضدان لا رابط بينهما غير العداوة والتضاد.. وتلكَ هي النظرة السطحيّة والجزئيّة.

إنّ النظرة الشاملة عند المؤمن تتّسع لهما جميعًا في مودّةٍ والتئام والتحام.. إنّ الحياة تبدأ في الإنسان عندما تلقح الخليّة الحيّة وينشأ منها جنين.. ثمّ ينشأ خلقًا آخر..

ثم يكبر هذا الوليد إن شاء الله لهُ أن يكبر.. وما شاء الله له أن يكبر.. ويسير في درب الحياة الدنيا إن شاء الله لهُ أن يسير.. وما شاء الله لهُ أن يسير..

ثمّ ماذا؟

ثم يأتي هذا الزائر المفاجىء لينهش نهشةً ويمضي.. ليمضي بعدها الإنسانُ إلى حياةٍ أخرى ليست كالتي صاحبها مقدار سنيّ عمره.. إنّهما ليسا ضدّين إذًا كما يتصور بعض الناس، بل إنّ الموت في الحقيقة ما هو إلا محطة من محطات الحياة.. وهو محطةٌ مبكرة، شديدة القرب من محطة انبعاث الحياة الأولى في هذا الكائن.

وتلك حقيقة أكبر من كل الحقائق التي يتصورها البشر بين حين وحين. إنها حياة أبديّة.. تختلف في طبيعتها قبل محطة الموت عن طبيعتها بعد تلك المحطة. قبل الموت هي دار ابتلاء، وبعد الموت هي دار حسابٍ وجزاء.

إنّ المسألة من البداهة بحيثُ لا تحتاج إلى مزيد أدلّةٍ وتفصيل!

أرأيتَ إلى ذلك الرجل العجوز الذي يستروح في ظلال الموت ويعيش لحظاته الأخيرة؟ ترى إلى أينَ يذهب؟

هل كان في حياةٍ ثمّ يذهب إلى موتٍ كما يتصور بعضهم؟ أم إن ستر الغيب المسدل يخبّىء وراءهُ تتمّة تلك الحياة.. فإمّا شقاء وإمّا هناء؟!

وهل رأيت إلى الجنين في بطن أمّهِ يتوفاهُ الله قبل أن يولد؟ ثمّ يُخيّلُ إليك أنّهُ يخرج مباشرةً إلى ما تحت الثرى.. وكأنّ ما تحت الثرى هو الوجهُ المقابل لما قبل الثرى.. هل تلك هي الصورة الحقيقيّة؟!

كلا..

إنّنا نحسبُ ذلكَ لأنّنا نسجنا في أخيلتنا الآمال العراض.. والأحلام الورديّة.. لأنّنا سابقنا الزمان وهتفنا لهُ بالمجيء من سرير الطفولة الوثير.. ومن ألعابه التي سيعبث بها.. ومن بكائهِ حينَ يبكي.. وضحكاتهِ حينَ يضحك.. ومرضهِ حينَ يمرضُ فنسهرُ لهُ الليالي الطوال..

هتفنا لهُ من هناك فإذا هو يتخلّفُ عن المجيء.. لأنّ قطار عودتهِ قد حان..

وهو يعود ليكمل السعادة الأبديّة حيث شاء الله له، فالموت لحظتئذٍ لن يكون الزائر الذي ينقص الحياة من أطرافها، بل سيكون الزائر الذي يغيّر طبيعة تلك الحياة ومسارها..

فكرتُ مرةً في قولهِ تعالى: “أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيّدة”. وتصورتُ موقف ذلكَ الطفل الجنين في داخل الطبقات الثلاث المظلمة.. إنّهُ في مكان هو أبعدُ مكان في حسّ الناس عن الموت. فههنا الطمأنينةُ في الرحم الوثير.. وههنا الآمال في ولادته.. وههنا كل ما هو ضدّ الموت.. ثمّ يأتي الموتُ فجأةً! ولكن لا تذهبُ الحياة كما يتصور البعض، بل إنّها تستمر من وراء ستر الغيب المسدل!

تلك حقيقة الموت لا كما يبديها الواقع المشهود المحدود لأول وهلة.. بل كما هي في الواقع الرحيب الفسيح.. الذي يشمل كل اللحظات وكل الحياة.. وهو واقعٌ فوق كلّ واقع!

28.2.2008

شريف محمد جابر

About these ads

10 أفكار على ”خواطر في الموت والحياة

  1. ما بالك وكل امر تدخل فيه الموت ؟
    الم تعلم ان الموت مجرد وسيلة للوصل الى الله عز وجل
    لا تفكر بالموت
    بل فكر بكيف تقضي الحياة
    وبماذا تشغل نفسك
    في التفكير في الله وعبادته
    وان اتاك الموت وانت مستعد فأبشر
    فلسفة جميلة
    خارجة من عقل يفكر
    وفقك الله وثبتَك :)

  2. بل نفكر كلنا أن الموت محطة في الحياة.. ليس من باب اليأس إنما من باب أنه الواعظ الميت..

    وهذا على كل حال ليس فلسفة..

    دمتِ طائعة لله..

  3. ألا يروق لك ان يكون في خاطرك فلسلفة ؟
    اعتقد ان هذا المصطلح لم يعجبك ؟
    لكن ماذا تسمي ما كتبته ؟
    آسفة ان كنت قد ازعجتك

    وان شاء الله دائما في صلة دائمة مع الله سبحانه وتعالى
    والسلام عليكم

  4. السلام عليكم
    اهلا بكم في عالم التدوين الساحر
    نامل ان تستنزفوا الكنوز الكامنة في التدوين

    تمت اضافة روابط مدوناتكم الى اورطى مدونة زيتونتنا لدعم مدوني فلسطين 48 , مما يعني ان مدونتكم ستشبك مع باقي مدونات فلسطين 48 بما يضمن الترويج لها

    تقدم زيتونتنا لكم الدعم التقني و الترويج لمدوناتكم عن الطريق التشبيك بين مدونات 48
    وتجدون في زيتونتنا مقالات تعنى بالمدون المبتدئ ,ومقالات للمدون المتقدم حول كيفية استغلاله الامكانيات التدوينية الى حد الاستنزاف

    اي مساعدة او استفسار فلا تترددوا بطرحه في زيتونتنا

    بالمقابل نرجو منكم ادراج صورة رابط لزيتونتنا في مدوناتكم من اجل المساهمة في التشبيك بين زوار مدوناتكم و باقي المدونات , تماما كما يفعل باقي المدونين

    كيف اضيف صورة رابط لزيتونتنا ؟ (شرح مصور)
    http://picasaweb.google.com/zaytonatona/OclAWH

    زيتونتنا
    zaytonatona.blogspot.com

    قمنا بافتتاح مدونة زيتونتنا وبدأنا تحقيق حلم لمّ شمل مدوني ال48 ، ومن الان فصاعدا على تفعيل المشروع والذي يتطلب تفاعلا ايجابيا منكم..
    اهدافنا:

    1) رفع سقف الحوار- بين أوساط الفئات الشبابية ، والعمل على زيادة التقاء وجهات النظر المختلفة في مختلف القضايا التي تهمنا جميعا وترتبط بنا وبمجتمعنا.

    2) زيادة الوعي التدويني- واهميته والتشجيع على توسيع دائرة المدونين والوصول الى شرائح متعددة. آملين ان نشكل مجموعة لها أثرها وتأثيرها الواقعي فيما بعد..

    3) اعمار المدونات بالحياة – وطرد الخمول فيها ، بحيث نزيد من التفاعل عبر الردود والتعقيبات وكذلك تشجيع الكتابية وتدوين الافكار لتطويرها وزيادة وتيرة التدوين لدى كل مدون. طبعا هناك وسائل عدة سنعمل على استخدامها من أجل تحقيق ما ذكرناه آنفا.

    4) الاهتمام بها تقنيا – كاضافة برامج تتبع الزوار، وتسهيل ظهور عنوان المدونة في محركات البحث، الاهتمام بقضية التصميم وصناعة الأفلام وغيرها. وستهتم مدونة زيتونتنا بدورها في تجميع الارشادات والتعليمات وتعمم فائدتها على الجميع وتسهيل تطبيقها بتوفير خدمة حالية وارشاد مفصل يراعي مستويات الجميع تقنيا.

    ننتظر ردكم ومنا لكم أحلى الامنيات بالتوفيق في خدمتكم التدوينية. ونرجو التواصل معنا عبر البريدال (البريد الالكتروني) لزيتونتنا: zaytonatona@gmail.com
    او عبر الرابط : http://zaytonatona.blogspot.com

  5. إلى الأخت فتاة أقول: كلا لم تزعجيني إطلاقا.. فقط لا أحب الفلسفة ولا أستهويها وهي تعني حب الحكمة ولا شيء في الخاطرة هنا كذلك..

    تحياتي

  6. رائع يا أخ شريف…

    من الامور التي اهوى قراءتها…!
    خاطرة تنم عن فكر راقي ومتحضّر… لك كل التوفيق !
    سلام !

  7. فالموت لحظتئذٍ لن يكون الزائر الذي ينقص الحياة من أطرافها، بل سيكون الزائر الذي يغيّر طبيعة تلك الحياة ومسارها..!!!

    تدوينة رائعة تدل على فكر نيّر ومضيء !

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s