لماذا نرفض الديمقراطية؟

 

الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية ومن المنادين بالديمقراطية

.

 

لماذا نرفض الديمقراطية؟

.

(من سلسلة: أن تكون مسلما في أيامنا)

.

ربما يكون السؤال الأصح هو: لماذا نقبل الديمقراطية؟

سنحاول في هذا المقال طرح الموضوع من كل جوانبه، ولأن هناك أقواما من المسلمين ممن لا زالوا مخدوعين بدعوى الديمقراطية والدعوة إلى أخذ “آلياتها” أو استخدام “الاصطلاح” في وصف النظام السياسي الإسلامي دون أخذ “فلسفتها” أو جذورها الفكرية. لهؤلاء أكتب هذا المقال، فهم – وإن كانوا قد فهموا مخالفة الأصول الفكرية للديمقراطية الغربية للإسلام – فلا زالوا في تخبّط حين يتم الحديث عن “آليات الديمقراطية”، وبأن هذه الآليات لا تخالف الإسلام لأنها لن تخالف الشريعة في شيء.

بداية نحب أن نبين مخالفة أصول النظام الديمقراطي للإسلام، بكلمات أخرى مخالفة “الفلسفة” التي تقوم عليها الديمقراطية للإسلام. وهو أمر لا يغفل عنه مسلم مثقف ولكن سير البحث يحتاج منّا ذكر ذلك، حتى تتبين ثماره من خلال النقاط الأخرى في المقال.

الديمقراطية في أوجز تعريفاتها هي حكم الشعب لنفسه، ولا يختلف اثنان على أن الديمقراطية – كفلسفة ونظام – نشأت في أوروبا خلال ظروف وملابسات خاصة وقعت فيها الشعوب هناك، أهمّها طغيان الكنيسة والملوك على الشعوب الأوربية وممارسة الظلم والحجر على التفكير والحرية بشكل لا يطاق وكل ذلك باسم الكنيسة وإله الكنيسة، وباسم التفويض الإلهي لهؤلاء الملوك وإعطائهم “السيادة” التامة والسلطان الكامل في تسيير حياة الناس والحكم بينهم، مما جعل الكثير من الناقمين من المثقفين يفكرون في طريقة يسلبون بها سيادة الملوك وسلطانهم. ولم يكن أمامهم سوى حلّ واحد بطبيعة الحال، لأن السيادة تكون لأحد ثلاثة:

1 – للملوك وأهوائهم ورغباتهم، وهذا ما رفضه الناس لأنهم ذاقوا منه الطغيان والظلم.

2- للدين، وهذا أيضا لم يفكر به الناقمون لأنّ الملوك كانوا يحكمون ويتجبرون باسم الدين والتفويض الإلهي لهم، فتحولت النقمة على جعل الدين سيّدا على منهج حياة الناس، وأنه ينبغي أن يكون مجرد أمر شخصي في الضمير وشعائر الفرد وأخلاقه، لا يتعداها لتنظيم حياة الجماعة البشرية، ونشأ هذا الاستنتاج عند القوم لأنهم جرّبوا الدين الكنسي “المحرّف” الذي حكم باسمه الملوكُ والبابواتُ الشعوبَ المغلوبةَ على أمرها، وقد كان هذا الدين خاليا من الشريعة التي يمكن أن يحكم بها شعب! لأنه كان عقيدة روحية وتوجيهات خلقية فحسب، فأدى ذلك إلى سيطرة أهواء الملوك والبابوات على مهمة التشريع وتعبيد الناس لرغباتهم وما يرون هم، فنشأ الاستبداد باسم الدين، ونشأ الطغيان باسم الدين، والدين الحقّ منه براء!

3 – وكان الخيار الثالث الذي لا مفرّ منه هو أن يكون السلطان والسيادة للشعب، لا للملوك ولا للدين، وساعد في ذلك أن البديل الحقيقي (وهو الإسلام) كان مشوّها في صورته عند الأمم الأوروبية، بسبب الحملة التي شنّتها الكنيسة لنشويه صورة الإسلام في حس الأوروبيين عن طريق خلق الأساطير والخرافات ولصقها به حتى ينفر منه الناس، الحملة التي كان دافعها ما لاقتهُ الحملات الصليبية من مواجهة من قبل المسلمين في المشرق الإسلامي وفي الأندلس، وبسبب انحسارهم أمام المسلمين الترك في القسطنطينية، فتولّد – من جراء ذلك –  ”الحقد” الكبير تجاه الإسلام والمسلمين، ممّا صرف الناس عن التفكير بأن الإسلام هو الطريق الوحيد للنجاة من هذا الطغيان.

هذه هي الملابسات التي أدّت إلى نشوء الديمقراطية بعد سلسلة من النظريات والجهود التي قام بها المفكرون الأوروبيون، ابتداء بنظرية “العقد الاجتماعي” وأشهر منظريها: جون لوك وجان جاك روسو وتوماس هويز. وانتهاء بالديمقراطية الحديثة وما يدعى بالديمقراطية الليبرالية. ولا مجال هنا للتوسع في شتى هذه الأنواع، إنما يهمّنا الأصل الذي نشأت عنه واتفقت جميعها عليه وهو: جعل السيادة المطلقة في تنظيم شؤون الحياة التشريعية والتنفيذية والقضائية لإرادة الشعب (الأكثرية من الشعب). ولا شك عندنا أن هذا – الذي هو جوهر الديمقراطية – مخالف للإسلام، ففي حياة المسلم قضية كبرى مرتبطة بأصل الإيمان وهي قضية “المعبود”، فمن هو “المعبود” على وجه الحقيقة؟ آلله أم آلهة أخرى معه أو من دونه؟ ويتفرع عنها قضية أخرى خطيرة ومرتبطة بأصل الإيمان وهي قضية “من المشرّع”؟

{وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا، ولا حرّمنا من دونه من شيء} (النحل: 35).

فمدلول الآية أن الذي جعل هؤلاء المشركين مشركين هو تشريعٌ شرعوه من دون الله، أباحوا فيه شيئا حرّمه الله، أو حرّموا شيئا أحلّه الله، وهذا كفر مخرج من الملّة كما هو معلوم من الدين بالضرورة! وهو ذاته الذي يريده النظام الديمقراطي القائم – أساسا – على جعل مهمة التشريع ووضع منهج الحياة في يد البشر (الشعب). فجوهر الديمقراطية إذًا مخالف لأصل الإسلام وحقيقته!

ويقول تعالى: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (الأعراف: 54).

فالله خالق البشر ومدبر أمرهم له الحق – وحده – في وضع منهج حياتهم، وهو – وحده – العالم بما يصلح لهم من تشريع {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟!} (الملك: 14).

نكتفي بهذا القدر لبيان مخالفة أصل النظام الديمقراطي للإسلام، وقبل أن نجيء إلى قضية “آليات الديمقراطية” التي يثيرها فريق من المسلمين، نحبّ أن نبيّن ركيزة هامة من ركائز الديمقراطية لا يمكن أن تدعى “ديمقراطية” من دونها، وهي “الحرية الشخصية”، والتي كانت الدافع الأكبر للتمرد على سلطان الكنيسة ونشوء “العلمانية” ونظامها السياسي الذي هو “الديمقراطية”. وككلّ ردّة فعل في التاريخ إن حدثَ إصلاحٌ في جانب يحدثُ انحراف في جانب آخر، والذي حدث في الديمقراطية هو توسيع دائرة “الحرية الشخصية” حتى شملت حق العبادة وما يتضمّنه من حق الإلحاد وحق الانحلال الخلقي، كمقابل للكبت الذي ساد الحياة الأوروبية في العصور المظلمة. وأصبح ذلك من مميزات الديمقراطية الرئيسية التي لا تنفصل عنها إلا بزوال وصف “ديمقراطية” عن النظام الذي يضع قيودا للحريات استنادا على “نصّ ديني” خارج نطاق إرادة الشعب! وتشمل هذه الحرية – فيما تشمل – حرية التعبير ولو كانت بالتعرض للذات الإلهية، أو أحد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. ومن هنا ندخل إلى نقاش القوم الذين يقولون: نأخذ بآليات الديمقراطية ولا نأخذ بفلسفتها وجذورها الفكرية، لأنها آليات موجودة في الإسلام ولا تخالفه، ولا مشاحة في الاصطلاح على حدّ قولهم!

يريدون أن يصفوا النظام الإسلامي بأنه “نظام ديمقراطي”، بسبب تشابه بعض آليات الديمقراطية وضماناتها مع آليات الإسلام وضماناته كنظام. وهذا الادعاء فيه حشد من المغالطات يحسن أن نبسطها للقارئ الكريم حتى يتبيّن الرشد من الغيّ.

المغالطة الأولى: وصف الإسلام بأنه نظام ديمقراطي مع التخلي عن أهم خصائص الديمقراطية من تشريع بغير ما أنزل الله، ومن إباحة الحرية الشخصية في العبادة والتعبير وغيرها من ركائز الديمقراطية.. وصف الإسلام بالديمقراطي بعد إفراغ المصطلح من ركائزه الأساسية هو نوع من “التعسّف” الذي لا سند له ولا حاجة له أصلا! يقول هؤلاء الدعاة: إننا نقصد بذلك الوصف “الشورى الإسلامية”، الملتزمة بالكتاب والسنة، والتي تجتهد في المصالح المرسلة ملتزمة بمقاصد الشريعة. وقد صدقوا! ولكن هذا الذي يريدون ليس هو الديمقراطية، إنما هو الإسلام! ولنسأل أي ديمقراطي أصيل ولنقل له: إنّ نظامنا “ديمقراطي” ولكنه يحرّم الخمر، ويقيم الحدّ على المرتدّ، ويحرّم الزنا، ويلتزم بنصوص دينية من عند الله، فلا يحلّ الحرية المطلقة إنما يقيّدها بما أنزل الله.. سيقول لك على الفور: “إن هذا نظام يتدخّل في الحرية الشخصية وهذا ما أتت الديمقراطية أصلا لمحوه! إنه لا إلزام في الديمقراطية إلا لإرادة الشعب، ولا تملك أن تفرض على الشعب شيئًا بغير رضاهم”! وسبحان القائل: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} (الأنعام: 116). فلا يمكن بحال من الأحوال فصل آليات الديمقراطية عن أصل النظام وتسمية هذه الآليات “نظامًا ديمقراطيًّا”، فهذا أشبه بنزع “مقود” سيارة و”عجلاتها” وعرضها للناس – وحدها – على أنها “سيارة”!

ومثال آخر: في فرنسا اليوم دعوات لأخذ “آليات” من الاقتصاد الإسلامي لمعالجة المشكلات الاقتصادية التي تمر بها فرنسا ويمر بها العالم كلّه على وجه العموم. وقد بادر فعلا بعض الباحثين والمؤسسات إلى أخذ هذه الآليات، فهل يصح أن يسمى نظامهم الاقتصادي – بعد أخذهم لبعض الأحكام – نظاما إسلاميا؟ إنه فضلا عن تركه لبقية أركان الإسلام وأحكامه، قد توجّه إلى تطبيق بعض الأحكام توجّها “نفعيًّا” وليس توجّها “خالصا” لله عز وجل، ولا يغيب عن مسلم أن “الإخلاص” أحد شروط قبول العمل، فهم كما قال الله عز وجل: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا} (الفرقان: 23). فلا يقبل هذا العمل ولا يوصف بأنه “إسلام” أو “إسلامي”، لأنه لم يلتزم “بجوهر” الإسلام الذي يشترط أمورا أخرى غير مجرد التطبيق الجزئي لبعض الأحكام!

المغالطة الثانية: هي عودة إلى ما بدأنا به المقال: لماذا نقبل الديمقراطية؟ هل نحتاج كي نصوغ نظامنا السياسي في الإسلام إلى وصفه بالـ “ديمقراطي”؟ وهل هذه الآليات تتوفر بمعطياتها في الديمقراطية ولا تتوفر في الإسلام؟ لقد أقر القائلون بالديمقراطية أن ما يجدونه فيها هو موجود أصلا في الإسلام! وأهم تلك الآليات هي الشورى ومشاركة الأمة للحاكم والضمانات في ردعه إن طغى. فإذا كانت موجودة أصلا في الإسلام وفي تطبيقه الواقعي في فترات من التاريخ، فما الداعي لاستعمال المصطلح ووصفها بالديمقراطية؟!

إن الإسلام لم يترك بابا من الخير إلا ودلّنا عليه، ولا بابا من الشر إلا وحذّرنا منه: “إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلّ أمته على خير ما يعلمه وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم” (مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص). ولقد علّمنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم آداب قضاء الحاجة، فهذا الدين الذي تعرّض لأصغر الأمور وبيّنها، أيكون قد غفل عن الهداية في مجال النظام السياسي للأمة وهو من أهم نشاطات البشر وأخطرها؟! كلا! فوجود النظام السياسي الحامي والمنظم لشؤون الأمة والذي يكفل الخير والعدل هو مقصد أساسي من مقاصد الشريعة الإسلامية، فهل يصحّ قول القائل أن الله تعالى أو رسوله عليه الصلاة والسلام لم يبيّن كل ما يلزم من أمور لبناء الكيان السياسي للأمة المسلمة ونحن في حاجة إذًا إلى استيرادها من الأمم الجاهلية التي كانت أنظمتها ردّة فعل عن طغيان لم يحدث أصلا عندنا؟! بل بيّن الإسلام الضمانات التي تكفل حق مشاركة الأمة عن طريق الشورى، وجعل ذلك من ركائز النظام السياسي للأمة، بل وجعل تأطيرَ الحاكم على الحق والعدل من التكاليف التي تؤثم الأمة بمجموعها إن لم تقم بها:

{والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} (الشورى: 38).

أنظر إلى وضع الشورى في الآية بين فريضتين (الصلاة والزكاة) مما يدلّنا على مكانتها كفريضة ربانية!

“إذا رأيتم أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودّع منها” (رواه الحاكم في المستدرك).

“الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم” (رواه مسلم).

“إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع” (رواه مسلم). (أي من رضي بالمنكر وتابع فيه فلا برئ ولا سلم).

روى البزار والطبراني عن أبي هريرة: “أتى الحارث ُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ناصِفْنا تمر المدينة وإلا ملأناها عليك خيلاً ورجالاً قال: “لا حتى أستأمر السعود ([1])، فكلهم قالوا: والله ما أعطينا الدنية في أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الإسلام، فأخبر الحارث فقال: غدرت يا محمد.

واستشارهم في ( أُحُد ) بعد أن أخبرهم برؤياه التي تُنبئ بأن المدينة درع حصين ويعرض لهم رأيه أنهم لا يخرجون من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن أقام المشركون بمقامهم أقاموا بشر مقام وبغير جدوى، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت – وكان هذا هو الرأي – ولكن أشار عليه الكثير من المسلمين بخلاف ذلك فاستجاب لرأيهم([2]).

وتعلّم أصحابه رضوان الله عليهم منه صلى الله عليه وسلم هذا الأمر. يروي لنا التاريخ في غزوة مؤتة ما فعل أصحابه صلى الله عليه وسلم حين واجهوا – وهم ثلاثة آلاف مقاتل – جيشًا قوامه مائتا ألف فجعلوا يتشاورون حتى شجعهم عبد الله بن رواحة – رضي الله عنه – بقوله: انطلقوا فإنما هي إحدى الحُسْنَيَيْن: إما ظهور وإما شهادة، فاستقر الرأي إلى ما دعا إليه عبد الله بن رواحة رضي الله عنه([3]).

وقد أكثرتُ من الأمثلة لمعايشة النصوص والروايات حتى لا يكون حديثنا ناشئًا من فراغ، وحتى يكون هناك مجال للفكر أن يلمس واقعية ما نقول.

المغالطة الثالثة: وهي تتمثل في وصف السابق باللاحق، بكلمات أخرى: من هو السابق واللاحق هنا؟ النظام السياسي الإسلامي أم النظام الديمقراطي؟ لا مجال للشك بأن النظام السياسي الإسلامي سابق بقرون طويلة على الديمقراطية وتشكلاتها المختلفة. وفي عُرف التاريخ – كما هو معلوم لكل دارس للتاريخ – أن القياس بين المبادئ والنظم يكون بقياس اللاحق – زمنيا – على السابق، فيقال – مثلا – : الديمقراطية نظام متأثر بالإسلام وتطبيقِه العمليّ لقرون في الأندلس وفي المشرق الإسلامي، وهو قول حقّ لا شائبة تشوبه، لأن الأوروبيين ما أحسّوا بفظاعة الظلم الواقع عليهم ولا بالجهل والضلالة التي يعيشون فيها إلا حينما احتكّوا بالعالم الإسلامي ولمسوا الحياة السياسية والاجتماعية والتطور العلمي والحضاري الذي وصل إليه المسلمون، فكان ذلك هو دافعهم إلى التفكير في النهوض (لتفصيل ذلك إقرأ رسالة العلامة محمود شاكر “في الطريق إلى ثقافتنا”). فكيف يكون من الصواب أن نُلحق الإسلام بالديمقراطية ونصفه بأنه “نظام ديمقراطي”، وكأن الديمقراطية هذه شيء أصيل في الحياة، أو سابق للإسلام فيوصف به!

المغالطة الرابعة: أمرنا في ديننا الحنيف باتقاء الشبهات، فأي تطبيق لهذا التكليف يكون حين نصف الإسلام بنظام جاهلي مبنيّ على تحكيم أهواء الناس وإعطائهم مهمة التشريع من دون الله؟! هذا إِنْ فرضنا أن وصف النظام الإسلامي بأنه ديمقراطي هو مجرد “شبهة” وليس خطأ شرعيًّا ومعصية تتمثل في وصف النظام “الرباني” بنظام “جاهلي”! وقد اشتهر مصطلح الديمقراطية بمعناه المعروف في الغرب، بما بحمل في طيّاته من جاهلية وانحراف عن منهج الله، فلا يصح أن نصف به دين الله عزّ وجلّ.

ونختم المقال بكلام قيم للأستاذ سيد قطب – رحمه الله – في كتاب “العدالة الاجتماعية في الإسلام” إذ يقول:

“كذلك لم أستسغ حديث من يتحدثون عن “اشتراكية الإسلام” و “ديمقراطية الإسلام”.. وما إلى ذلك من الخلط بين نظام من صنع الله – سبحانه – وأنظمة من صنع البشر، تحمل طابع البشر وخصائص البشر من النقص والكمال، والخطأ والصواب، والضعف والقوة، والهوى والحق.. بينما نظام الإسلام الرباني بريء من هذه الخصائص، كامل شامل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

“إن الإسلام يقدم حلولا مستقلة لمشكلات الإنسانية، يستمدها من تصوره الخاص، ومن منهجه الذاتي، ومن أسسه الأصيلة، ومن وسائله المتميّزة؛ وعلينا حين نناقشه ألا نكله إلى مذاهب ونظريات أخرى تفسره، أو تضيف إليه؛ فهو منهج متكامل، ووحدة متجانسة؛ وإدخال أي عنصر غريب فيه كفيل بأن يفسده، كالجهاز الدقيق الكامل، أية قطعة غريبة عنه تعطل الجهاز كله، وتظهر كأنها رقعة فيه!

“وأنا أدلي بهذه الكلمة المجملة هنا، لأن كثيرا ممن اندست في ثقافتهم وأفكارهم قطع غريبة من أجهزة النظم الأجنبية، يحسبون أنهم يكسبون الإسلام قوة جديدة، إذا هم طعّموه بتلك النظم. وهو وهم خاطئ يفسد الإسلام؛ ويعطّل روحه عن العمل؛ وهو في الوقت ذاته إحساس خفي بالهزيمة، ولو لم يعترفوا صراحة بالهزيمة!” (سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 78).

ومن النقطة التي انتهى منها الأستاذ سيد قطب نختم بالمغالطة الخامسة والأخيرة: فالهزيمة النفسية الخفية هي الدافع الأول لهذا التوجه، الذي أراد أن يصف الإسلام بأسماء النظم الجاهلية التي تقوم على قاعدة عزل منهج الله عن التشريع وعن صياغة حياة البشر.. إنهم – وإن لم يعترفوا بذلك – مهزومون أمام السطوة والعربدة التي تمارسها الحضارة الغربية، فهي عندهم محور الاهتمام والتطلع، ومقاييسها ومعاييرها هي المقاييس والمعايير التي ينظرون منها إلى الأشياء! وتلك نقطة على غاية من الأهمية، فإنه فضلا على ضرورة التخلي عن الهزيمة النفسية عند المسلم فوجود هذا الشعور “السلبي” يجعل المسلم دائما في قافلة “التبعية”، ومن أهم شروط النهضة للأمة الإسلامية هو التخلي عن التبعية، والاستعلاء على كل القيم الجاهلية مهما انتفشت وبرزت في العالم.. والثقة بالنفس وبالرصيد الذي يملكه المسلم من القيم والمعايير شرطٌ أساسي في نهوضه لا يمكن أن يجتمع بحال مع الهزيمة النفسية ومع التبعية لمعايير الحضارة الغربية والنظر إليها على أنها هي محور الأشياء في العالم! وإن استعمال هذه المصطلحات المناقضة في معانيها للإسلام من شأنه أن يوحي لعامة المسلمين أنه لا تناقض بين ما تحمله هذه المصطلحات من “قيم” وبين الإسلام.. مما يسهم في إضفاء الشرعية على الممارسات العلمانية التي تجري مباضعها في عقول المسلمين وأرواحهم وتعزل شيئا فشيئا مفاهيم الإسلام عن فاعليّتها في واقع الحياة!

.

8.1.2011

عكا

شريف محمد جابر


([1]) سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وسعد بن خيثمة، وسعد بن الربيع، وسعد بن مسعود.

([2]) صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم ص241.

([3]) المصدر السابق، ص 375-376.

______________________________

المراجع:

1)    كتاب “حقيقة الديمقراطية” للأستاذ محمد بن شاكر الشريف.

2)    كتاب “العدالة الاجتماعية في الإسلام” للأستاذ سيد قطب رحمه الله.

3)    كتاب “الطريق إلى الجنة”، للشيخ عبد المجيد الشاذلي.

20 thoughts on “لماذا نرفض الديمقراطية؟

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخي شريف،
    بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا كثيرًا، وأحسن الله إليك..
    بوركت أناملك، ورزقنا الله وإياك الفهم والحكمة..

    والسلام
    أخوك المُحب لك؛ الدّبوري

  2. السلام عليكم

    مقال رائع جداً جداً !

    ومن أهم شروط النهضة للأمة الإسلامية هو التخلي عن التبعية،
    ليتهم يعلمون ^^

    بارك الله بك وأدام قلمك !

  3. بوركت أخي
    نحتاج بشدة لمثل هذا المقال !!
    في الزمن الذي اختلطت فيه المفاهيم ودعاوي الجاهلية
    وكم سيكون من الرائع أن تصل هذه أصوات مثل صوتك للناس
    خصوصا مع هذه الثورة التي تشهدها الشعوب العربية
    ما نحتاجه الآن هو الوعي بهذه الحقائق الخطيرة
    لنرسم الطريق الصحيح

    نقطة مهمة تلك التي ذكرتها في الأخير
    “الهزيمة النفسية للمسلمين”
    هي نفسها التي تجعل البعض يحاولون تبرئة الاسلام وتبيين أنه نظام يصلح للعصر بعرضه على الديمقراطية وتبيين التشابهات بينهما ..
    وكأن تدبير الله يحتاج لتبرئة مقارنة بقوانين البشر!

    بورك قلمك أخي ^^

  4. السلام عليكم,

    كنت القيت نظرة على مدونتك أخي, وصفحتك الفتوحة في الفيسبوك ولا أخفيك, اعجبني كثرة اطّلاعك وقراءتك للعلوم الشرعية وقضايا الفكر ولكنـ….

    لا ادري لماذا ترسخ في داخلي انطباع (على خلفية احدى النقاشات التي دارت في احدى مدوناتك السابقة) انك من اؤلئك المنظرين الذين يظهرون للقارئ مثاليتهم وفهمهم بفكرهم وعلمهم بينما الواقع يقول غير ذلك (كيف عرفت ذلك؟ كما ذكرت, احدى مدوناتك السابقة حوت نقاشا دار بينك وبين احدى الأخوات وكثر فيه الهزل
    وقررت الأخت الا تعود الى مدونتك, ومدونة اخرى تقول فيها حضرتك ان اسلوب الداعية عليه ان يكون محببا مقربا متفهما بينما لا ارى ذلك بأسلوبك الكتابيّ ابدا !!!

    ثم أخي, لا ارى انك تستطيع ان تتحدث بلغة “نحن نكفّر” ونحن “لا نقبل” ووو… ففي النهاية لست بعالم ولا مجتهد ولا مفتٍ ! انت مجرد قارئ ومطّلع على العلوم الشرعية ولست بطالبها (ولو انني اعرف ان الشهادة ليست شرطا حتى تكون حائزا على الكفاءة والأهلية ..)
    لا تستطيع حضرتك ان تسمح للآخرين ان يسيئوا للشيوخ (حتى الشيخ الذي يتبع منهجا ديموقراطيا! او غيره) فأنت لا يحق لك ان تسمح لغيرك من جمهورك ومعجبيك ان يتحدثوا على صفحتك بقلة أدب عن هؤلاء الشيوخ والعلماء الذين تختلف معهم حضرتك وربما كانوا على حق والله اعلم!
    هذا والله ليس بأسلوب ولا بخلق اسلامي نبوي.
    ثم, لا افهم الرسالة التي تنوي ايصالها من وراء وضعك صورة الشيخ الغنوشي, هل تعتقد مثلا انه يحق له ان تتحدث وتفتي في أمرهم في تونس وبكيفية تطبيقهم لجوانب الدين (سواءا السياسية او الاجتماعية…الخ), الا ترى معي (بكل تواضع) انه اعلم مني ومنك بوضعهم في تونس وبما يناسبهم؟ الا ترى انه عاش هناك بينما انت لم تفعل, تم نفيه ووو , ويعلرف حق المعرفة ما يناسب بلده, وانا لا المّح هنا الى قبولي لل”ديموقراطية” ولكنّي اقول ان كلُ طبيب نفسه! وانت في النهاية ومهما كثرت قراءات وكثر اطلاعك لن تستطيع ان تفهم واقعهم وتقرر عنهم!

    اتق الله يا اخي, لا استطيع ولا يمكنني بأي طريقة ان اخوض في قضية النوايا, ولكنني اشعر احيانا ان المدوّنين يسعون ل”عرض أنفسهم” في سوق الفكر والدين واستعراض قدراتهم وثقافتهم ومهاراتهم في النقاش والإقناع, فالعبرة ليست بكثرة العلم والقراءة والحفظ انما بالتطبيـــــــق !!! ولو علمت قليلا وطبقته كان افضل لي مئة مرة من ان أعرف الكثير ولا أطبق منه سوى جزئيات هنا وهناك..

    نسأل الله الإخلاص في القول والعمل وان نكون ممن يتقونه في كل حركة وسكنة, وما كتبت ما كتبته الا بسبب شعوري بالغيرة على ديني…

  5. إخوتي المارين من هنا.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. بارك الله بكم.. وجزاكم خيرا.. لكم شكري

    لا يهم.. كنت أودّ أولا لو كانت لديكَِ الجرأة الكافية حتى تكتب باسمك، فليس هناك أمر يستدعي التنصل من الشخصية، ولست ممن يحكمون على الناس ويشخصنون الحوار كأنت!

    أشكركَِ أولا على النصح الكريم.. الذي أحسبه – بصدق – يخرج من قلب أحب الخير لي ولجميع المسلمين.. ولكنني كنت أحب لو أن مشاركتكَِ تنزهت عن بعض المغالطات.. سأذكرها لك باذلا الوسع في الإيجاز إن شاء الله..

    - تقول\ين – حفظكَِ الله: “لا ادري لماذا ترسخ في داخلي انطباع (على خلفية احدى النقاشات التي دارت في احدى مدوناتك السابقة) انك من اؤلئك المنظرين الذين يظهرون للقارئ مثاليتهم وفهمهم بفكرهم وعلمهم بينما الواقع يقول غير ذلك”.

    وهذه مخالفة شرعية، إذ الظن والتحليل والانطباعات دون الأدلة العلمية بالحس وإقامة الحجة منهي عنها المسلم، “ولا تقفُ ما ليس لك بهِ علم”، والآيات كثيرة في النهي عن الظن، أدعوك لدفع هذا الظن والانطباع في داخلك لأنه رجم بالغيب، فاتهامي بأنني أريد إظهار مثاليتي وفهمي للقارئ وأنني في الواقع غير ذلك هو اتهام خطير، ولو كان مجرد انطباع، فلا يجوز لك أن تخاطب إنسانا بمجرد “أنطباع” لا دليل عليه!

    ثم تقول\ين: “(كيف عرفت ذلك؟ كما ذكرت, احدى مدوناتك السابقة حوت نقاشا دار بينك وبين احدى الأخوات وكثر فيه الهزل”

    أطالبك بجلب دليل واحد على الهزل الذي كثر، فهذا كلام الأخت هناك في الحوار – غفر الله لها وبارك بها وأيدها – إذ قالت بجنس ما تقول\ين به أنتَِ هنا، وليس هناك دليل يظهر بشكل واضح أنني أهزل، فلم يكن المقام مقام هزل.

    ثم تقول\ين: “وقررت الأخت الا تعود الى مدونتك, ومدونة اخرى تقول فيها حضرتك ان اسلوب الداعية عليه ان يكون محببا مقربا متفهما بينما لا ارى ذلك بأسلوبك الكتابيّ ابدا !!!”

    البينة رحمكَِ الله.. هل من بينة؟

    ثم تقول\ين: “ثم أخي, لا ارى انك تستطيع ان تتحدث بلغة “نحن نكفّر” ونحن “لا نقبل” ووو…”

    لم أكفر أحدا، ولمن أتحدث بما سردت من ألفاظ، مرة أخرى.. البينة رحمكم الله.. البينة.. وبالنسبة للتكفير أو القبول وعدم القبول فإن قلته فهو ما أعتقد صوابه وهذا حقي، وليس بالضرورة أن أكون مجتهدا أو عالما حتى أتحدث في هذه الأمور دون شخصنة وتعيين (تعيين يعني أن أكفر شخصا بعينه). فالاجتهاد مجاله الأحكام الظنية والفتاوي للواقع المتجدد، وما أتحدث به في مجمل مقالاتي “قطعيات” شرعية أو علمية أو موضوعية، أعتقد صوابها، والشرعيات مما أكتبه بقلمي هو من المعلوم من الدين بالضرورة، وطبيعي حين أكتبها أن أقول إنها صواب، وليس من المعقول أن أقول مثلا: ما أقوله ليس أكيدا أيها القراء! ومرة أخرى: ما أتحدث به خارج مجال الاجتهاد، فالقاعدة الشرعية: لا اجتهاد مع النص، ويدخل في ذلك أنه لا اجتهاد مع مدلولات الدين القطعية، أما تطبيق ذلك على الواقع فقد تحريت أن يكون لي أئمة في ذلك، ومجمل ما أقول به هو كلام علماء لهم ثقل وقبول وفضل كبير على الصحوة، فإن كان أحد يرى خلاف ما أذكر فليبين لي رأيه مع الدليل على الرحب والسعة، ولكن للأسف حتى الآن معظم من خالفوني إما عارضوا دون دليل، وإما “شخصنوا” خطابهم لي (مثلك) فحادوا عن غاية الحوار.

    ثم إنك تقول\ين في تناقض عجيب: “ففي النهاية لست بعالم ولا مجتهد ولا مفتٍ ! انت مجرد قارئ ومطّلع على العلوم الشرعية ولست بطالبها (ولو انني اعرف ان الشهادة ليست شرطا حتى تكون حائزا على الكفاءة والأهلية ..)”.

    أقول ملء فمي: بل إنني طالب علم، ورحم الله أحد المشايخ في بلدتنا (ممن تحدثت عنه) حين ذهبت لأستشيره في طلب العلم في إحدى الكليات، حينها قال لي: إنك تستطيع طلب العلم عن طريق القراءة والتوجيه من المشايخ، وهذا ما أفعله بفضل الله، ولا أدري ما الفيصل عندكم بين “المطلع القارئ” وبين “طالب العلم”، فإذا كان طلب العلم والكفاءة والأهلية ليس شرطا فيها أن نحمل الشهادة أو نتخرج من الكليات، فما شرطها لمن شاء أن يدرس دون كلية؟ ستقولون أن يطلب العلم من العلماء والشيوخ مع التوجيه والاعتماد على الثقات من العلماء، وأزيكم أن لا يتحدث إلا في القطعيات.. وهذا ما أفعله رحمكم الله!

    ثم تقول\ين: “لا تستطيع حضرتك ان تسمح للآخرين ان يسيئوا للشيوخ (حتى الشيخ الذي يتبع منهجا ديموقراطيا! او غيره) فأنت لا يحق لك ان تسمح لغيرك من جمهورك ومعجبيك ان يتحدثوا على صفحتك بقلة أدب عن هؤلاء الشيوخ والعلماء الذين تختلف معهم حضرتك وربما كانوا على حق والله اعلم!”.

    لم أسمح لأحد، وإن حدث ذلك فعن غفلة مني، ولست مسؤولا عن أحد غير مسؤوليتي عن نفسي، وعن نفسي أقول بصدق: إنني لم أسمح لنفسي ولن أسمح أن أفل أدبي على أحد الناس عالما كان أو غير ذلك، فكيف لو كان من علمائنا الذين نجلهم بيد أننا نخالفهم في المنهج؟! ومرة ثالثة أو رابعة نطالبكم بدليل يظهر أنني قللتُ أدبي تجاه عالم من العلماء، البينة رحمكم الله.

    ثم تقول\ين: “هذا والله ليس بأسلوب ولا بخلق اسلامي نبوي”.

    أطلب منكم البينة.

    أما قولكم: “ثم, لا افهم الرسالة التي تنوي ايصالها من وراء وضعك صورة الشيخ الغنوشي”.

    فرسالتي واضحة، هو ممن يطالبون بشكل صارخ بالديمقراطية، مع بيان مخالفتها الواضحة للإسلام، فما المانع أن نرفق في المقال صورة توضح أحد النماذج الواقعية لما ننقده، حتى يكون لكلامنا واقع يستطيع به القارئ أن يراه ماثلا أمامه، فيحذر ممن يطرحون هذه الأطروحات، التي نخالفها مع الأدلة، ولست وحدي من يقول بذلك، إنما هنالك علماء أكبر من الغنوشي وأقدر منه وممن تعلم منهم هو قالوا بعكس منهجه هذا، ومنهم العلامة سيد قطب رحمه الله، ومنهم العلامة محمد قطب، وهناك علماء معاصرون كثر يقولون بذلك، فما المانع من إظهار ذلك الذي أعتقده مع الأدلة ودون قلة أدب مع العالم؟!

    أما قولكم: “هل تعتقد مثلا انه يحق له ان تتحدث وتفتي في أمرهم في تونس وبكيفية تطبيقهم لجوانب الدين (سواءا السياسية او الاجتماعية…الخ), الا ترى معي (بكل تواضع) انه اعلم مني ومنك بوضعهم في تونس وبما يناسبهم؟ الا ترى انه عاش هناك بينما انت لم تفعل, تم نفيه ووو , ويعلرف حق المعرفة ما يناسب بلده, وانا لا المّح هنا الى قبولي لل”ديموقراطية” ولكنّي اقول ان كلُ طبيب نفسه! وانت في النهاية ومهما كثرت قراءات وكثر اطلاعك لن تستطيع ان تفهم واقعهم وتقرر عنهم!”

    فهذا محك كبير، يفرق بين ما أدين به لله من منهج في التعامل مع الواقع (وقد بينته في مقالي الذي رجعتم إليه) وبين الدعاة الواقعيين، الذي – حسب فكرهم – يستقون فكرهم وحركتهم من الواقع، والأصل كما قال علماؤنا أن الواقع “يراعى” و “يُفهم” ولا يكون بحال ضغط الواقع هو الذي يغير السلوك الشرعي، والديمقراطية كما ورد أمر ينافي الإسلام، فإذا تجاوزنا الخلاف حول إذا كانت “الفتاوى” تتأثر بالواقع أم لا، وسلمنا – فرضا – بذلك فإن “الأحكام القطعية” لا تتأثر بالواقع إلا بحالات الضرورة التي يكون بانتفائها الموت والأذى، وما يقومون به هناك من سلوك ليس “ضرورات” تسمح لهم بتجاوز الأحكام الشرعية، إنما وهذا لا علاقة له إن كنت في تونس أم لم أكن، فالواقع مهما كان لا يغير قطعيات الأحكام، وإذا تعذر عليهم الممارسة السياسية دون قبول الديمقراطية فليس ثمة ضرورة تحوجهم لدخول تلك العملية! ولم يعاقبوا إن لم يدخلوها! وقد نقدهم علماء من نفس المنطقة ونفس الظروف، ومنهم نائب رئيس الجبهة والإنقاذ الجزائرية الشيخ علي بلحاج حفظه الله، وله كتيّب في نسف العقيدة الديمقراطية. وفي النهاية أقولها مرة أخرى: ما دمت أعتمد الدليل ولا أهزأ ولا أسب فما المشكلة من الطرح؟ هل مشكلتكم أنني أعارض الديمقراطية؟ قلتم: لا.. طيب ما المشكلة؟! يعني باختصار شديد: قضية الديمقراطية ليست أمرا يحل في واقع، ويحرم في واقع آخر، لأن حرمتها مرتبطة بمخالفتها لأصل الدين، هي باختصار نظام جاهلي مناقض للإسلام، فكيف يمكن لمسلم أن يتبناه ويدعو إليه؟! وقد بينت في مقالي أنه لا يمكن القول إن الديمقراطية هي مجرد “آليات” أو “أسلوب إدارة”، وبينت مغالطة ذلك، فإن كان عندكم ما يقال حول معطيات المقال فليكن.

    تقولون: “اتق الله يا اخي”.

    أقول: إن شاء الله، بارك الله بكم.

    ثم تقولون: “لا استطيع ولا يمكنني بأي طريقة ان اخوض في قضية النوايا”.

    فإن كنتم كذلك لمَ اتهمتمونا (ولو انطباعا) بما في مشاركتكم؟! سامحكم الله وإيانا.

    ثم تقولون: “ولكنني اشعر احيانا ان المدوّنين يسعون ل”عرض أنفسهم” في سوق الفكر والدين واستعراض قدراتهم وثقافتهم ومهاراتهم في النقاش والإقناع”.

    أنصحكم بأمر، “الشعور” وحده ليس حجة تؤهلكم للبت والحكم على الناس، ولا حتى يؤهل للحديث في ما تحسون أو “تشعرون”! إن لم يكن هناك بينة واضحة فلا يجوز البت فيما يخيل إلينا أو يجول في صدورنا، فلعله مجرد وسواس، أو شعور خاطئ على أقل تقدير. وهذا مما علمنا إياه الإسلام الحنيف، إذ نهى عن الظن والبتّ بالأمور والقضايا دون “علم”، فاحذروا وإيانا رحمكم الله وحماكم.

    وقولكم: “فالعبرة ليست بكثرة العلم والقراءة والحفظ انما بالتطبيـــــــق !!! ولو علمت قليلا وطبقته كان افضل لي مئة مرة من ان أعرف الكثير ولا أطبق منه سوى جزئيات هنا وهناك..”

    هو أجمل ما في مشاركتكم، وكلي يقين أنكم لا ترموننا بعدم التطبيق، فلا يرمي الناصح أخاه، هذا ظني فيكم صدقا، ولو خيّرتُ أن أقطف أجمل العبارات التي سمعتها اليوم لكانت تلك من أهم العبر، وأحسن النصائح، فبورك بكم من ناصحين.

    “نسأل الله الإخلاص في القول والعمل وان نكون ممن يتقونه في كل حركة وسكنة, وما كتبت ما كتبته الا بسبب شعوري بالغيرة على ديني…”

    نسأله – تعالى – بما سألتم.. ومن باب النصح نودّ لو تحلّيتم بالحلم والتعمق في الأمور، والتريّث لا التعجل. حفظكم الله ورعاكم وأيدكم بنور من عنده. وكنت أود كذلك لو أنكم تعرضتم لمعطيات المقال التي لم تتعرضوا لها مطلقا للأسف، فهذا هو مجال التعليقات الأصيل، لا الشخصنة والمواضيع الأخرى، غير أني لم أضق بكم ههنا مهما فعلتم ومهما ذكرتم في حقنا، فحسبكم أن نصحكتم.. وحسبي أن آخذ نصحكم على محمل الجد.. فبورك بكم..

  6. بارك الله فيك يا شريف
    كلام رائع مدعم بالادلة والبراهين الشرعية
    وفهم ينم عن إدراك لحقائق الاسلام، وإخلاص قلبي لا يتاثر بالواقع وضغطه، ولا بالباطل وكثرة أهله.

    من فضل الله سبحانه وتعالى أن كثيرا من الوقائع التي تحتاج الى ارتباط وثيق بالله وقدرة على الاستعلاء باحكام الاسلام عن مستنقع الواقع الآسن قد كان لها ما يثبت فؤاد المسلم من سيرة خير البشر صلى الله عليه وسلم، فقد حدثنا القرآن عن نهي الله سبحانه وتعالى للمسلمين في استخدام ألفاظ كان لها ما يخالف الشرع على الرغم من استخدامها بما لا يخالف الشرع، قال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعِنا، وقولوا انظُرْنا، واسمعوا وللكافرين عذاب أليم” فهنا نهي من الله عن لفظة تعني بكل بساطة في لغة العرب “ارعنا سمعك وانتبه لكلامنا” ولكن معناها عند أعداء الاسلام من اليهود “اسمع لا سمعت! . وقيل من الرعونة أي الحمق” فكان النهي القرآني، فإذا ما قسنا تلك على تلك علمنا أن استعمال مصطلح الديمقراطية أولى بالترك لما يحمل من معاني تناقض معاني الالوهية والحاكمية.
    وكما قال شريف في مقالته الرائعة، فالاسلام جاء بكل ما من شأنه أن يصلح شؤون الانسان، فإذا كان الانسان اجتماعيا بطبعه، فنشأت المجتمعات استجابة لهذه الفطرة البشرية، وكان لا بد للمجتمعات من قائد يحكمها، كما فهم الشاعر الجاهلي حين قال:
    لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
    ولا سراة لهم إذا جهالهم سادوا
    فكان لا بد والحال كذلك أن يكون الاسلام فيه من تنظيم شؤون الحكم ما يستغني به عن غيره من النظم الوضعية، وهذا حكم من باب العقل لا الشرع (وإن كنت لا أحب هذه الطريقة في الاثبات).

    على كل حال فقد أثبتت الديمقراطية فشلها في الدولة الأولى في العالم (أمريكا) واصبحت الديمقراطية صورية او ميكانيكية كما يصفها المفكر عبدالحي زلوم في كتابه نذر العولمة، بحيث خضعت لأصحاب المال وأصبحت تعبيرا عن آمال وطموحات فئة الواحد في المئة من المتنفذين في العالم، فخالفت بذلك جوهرها وادعاءاتها من انها حكم الاغلبية.
    ويا ليت مفكري العرب واسلامييهم من المنادين بالديمقراطية يدركوا ذلك، ويرحموا شعوبهم من الانتكاسة مرة أخرى بعد أن من الله عليهم بالنصر على طواغيتهم، فعوضا عن الخضوع لحكم الله شكرا له على نعمه،تجد الانسان الجاحد يتألى على الله مشرعا من عند نفسه ليبقى في ذيل الامم تابعا خاضعا.

    أمر آخر، وهي للأخ “لا يهم” الذي غضب لمجرد وضع صورة للشيخ الغنوشي هداه الله أقول، كان حري بك أن تغضب لدين الله فدين الله أعز علينا من أي رجل، وكما قال سيدنا علي: “لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله” ولقد قال الغنوشي قولة في جرأتها على الحق ما فيها: “إننا لا نريد فرض الشريعة إن ما تحتاجه تونس اليوم هو الحرية وديمقراطية حقيقية” فمن يقرأ هذا الكلام يفهم منه ان شفاء تونس بالحرية وليس بالاسلام، افبعد هذا الكلام يبقى هناك كلام.
    هدانا الله وإياه وجميع المسلمين.

    وأخيرا أقول للاخ “لا يهم” قد جانبت الصواب في اتهامك لكاتب هذا المقال، وعوضا عن التركيز على الموضوع بالنقد شخصنت الموضوع وتعرضت لشخص الكاتب بالاتتهام والتعريض مما افقد مداخلتك الموضوعية، وكأن بينك وبين الكاتب عداوة أو ضغينة.

    نسأل الله الهداية للمسملين جميعا، ونسأله عز وجل أن يمن علينا بالتمكين لتحكيم شرع الله محققين بذلك السعادة للمسلمين في الدنيا والآخرة

    • ما شاء الله على حكم الشعب لنفسه و الدليل انتخابات فرنسا يبلغ عدد سكان فرنسا 80 مليون شارك منهم في الانتخابات 19 مليون لعدم ثقتهم بالمرشحين أغلبهم مع ساركوزي اذن الحصيلة ما يناهز 56 لا يقبلون بهذا الرئيس و يحكمهم رغما عنهم ما شاء الله أي شعب الذي يحكم نفسه برأيك

  7. أخي الكريم حسن.. بورك بك على هذا الحضور المفيد المثري.. أدام الله عليك نعمة الإسلام..

  8. أنصح كل عامل في حقل الدعوة أن يقرأ عن الديمقراطية في كتاب مذاهب فكرية معاصرة للشيح محمد قطب أو كتاب مكانة التربية في العمل الاسلامي حيث أن الشيح مخمد قطب يبين كيف أن الديمقراطية تلتقي إلتفء تاما مع الاسلامي في جهة وتحتلف احتلافا تما في جهة أحرى فهي تلتقي أي الديمقراطية مع الاسلامي في البيعة الحرة ومراقبة الامة للحليفة وتحتلف مع الاسلامي في رفضها لتطبيق شرع الله وإعطاء الشرعية للملحد والفاسق

    • نحن لا نتق بالحداثيين أخي من لا تاريخ له لا حاضر و لا مستقبل له هل الاسلام ناقص و ترى حضرتك أنه يجب أن يجبر بالديموكراسي على راي القذافي المجرم

  9. و الله أخي بارك الله فيك اتلجت صدري ما قصرت بارك الله فيك و جزاك الله خيرا لكن لم تذكر أصول الديموقراطية التي تعود لفلسفة الاغريق الوثنية و أنها ولدت في سوق سقراط و الحلقة أو المولد الذي كان يقوم به أفلاطون و غيره أما الشورى فولدت في المسجد و أنزلت من السماء
    انه لشرف أن ننتمي لله تعالى و انه لغباء منا و يأس أن نترك النبي العربي الذي يشرفنا و نلهت وراء الكافر الغربي نعم تبقى الحكمة ضالة المؤمن لكن دون المساس بالمبادئ السامية للدين

  10. أخي الكريم، وحبيبي الفاضل، بداية من يدعو اليوم من إخواننا المسلمين في مصر او في تونس وغيرهما، للديمقراطية، هو لا يدعو لاعتماد الديمقراطية بديلا عن الاسلام. بل اعتماد آليات موجودة في الديمقراطية، وأهمها رأي الأغلبية، وهو ما يسمى في الإسلام الشورى. لن تجد أي مسلم منا يقبل أن نخضع شرع الله والنصوص الشرعية القاطعة للتصويت ولرأي الأغلبية، وإنما في القضايا الاجتهادية التي لرأي البشر مكان فيها. وفي هذه النقطة الاساسية نتفق مع أخينا الكريم كاتب المقال.
    لكن اخينا الكريم صاحب المقال لم يكن موفقا في عدة نقاط طرحها في مقاله، منها: ١) بعض المعلومات الخاطئة، مثل قول أخينا الكريم أن الإسلام جاء قبل الديمقراطية، وأن الديمقراطية ظهرت بعد حكم الكنيسة والملوك في اوروبا، اي بعد فترة العصور الوسطى. والصحيح هو أن الديمقراطية ظهرت قبل ميلاد سيدنا عيسى عليه السلام، في اليونان. فاستدلال أخينا الكريم بأسبقية الزمن لم تكن موفقة، ليس فقط لأنها اعتمدت على معلومة مخطوءة وإنما لأنها تناقض قواعد فقهية إسلامية، على رأسها قضية الناسخ والمنسوخ، فكثير من الآيات القرآنية أو الأحاديث الشريفة جاءت لتنسخ ما قبلها. كما أن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم جاءت لتنسخ باقي الشرائع. 
    ٢) أخونا الكريم لم يأت بأي نص ولا دليل شرعي قاطع يحرم استخدام أفكار من الديمقراطية. بل على العكس، الأمثلة التي جاء بها عن مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، هي أمثلة تدعم مبدأ أخذ رأي الأغلبية في القضايا  التي لم يرد فيها نص، وهذا أخي ما نقصده اليوم من اعتماد الديمقراطية.
    ٣) اخونا الكريم صاحب المقال نفى أن نستفيد من جزئيات إيجابية موجودة في النظام الديمقراطي. لكن القاعدة تقول (“ما لا يدرك كله لا يترك جله”) أي أنه إذا تعذَّر حصول الشيء كاملاً، وأمكن المكلف فعل بعضه، فإنه يفعل المقدور عليه، ولا يترك هذا الجزء المقدور عليه. فإذا وجدت سلبيات في النظام الديمقراطي، وهي بالفعل موجودة، فهذا لا يعني أن أحارب كل جزئيات النظام. لأن بعض هذه الجزئيات لا يخالف شرعنا، بل يدعمه.
    أخيرا أنصح نفسي وأنصح إخواني برحابة الصدر واحترام بعضنا في الحوار، وبالتالي كلنا نخضع رقابنا لشرع الله، ولن نجد بيننا من يخالف قواعد الدين الواضحة والبينة، لكننا قد نختلف في الجزئيات، وهو أمر طبيعي بل وصحي ويجب أن يكون، ويبقى ذلك ضمن حدود الأدب واحترام الغير، وعدم الدخول في التجريح او التخوين او التكفير، لا سمح الله، فكلنا يغار على شرع الله.

    • أخي الكريم .. بارك الله بك أولا على المداخلة القيّمة..

      أولا: ما دمتَ تقر أن اسمها في الإسلام الشورى، فلماذا لا يسمون الأشياء باسمها؟ وسأبين لك قبل الرد على سائر النقاط مغالطات من ينحو هذا المنحى:

      1) دعوى أنها من الإسلام وأنها عندنا الشورى، فلماذا لا يسمونها باسمها الإسلامي؟ بل أزيدك من البيت شعرا، فإن الآليات المطلوبة لتحقيق العدل ليست فقط الشورى وإنما هناك مصطلحات أخرى تدل على هذه القيم وهي: الشورى، العزل والاختيار، الحسبة، البيعة، مشاركة الأمة.. وغيرها من المصطلحات التي تجنبها الوقوع في شبهة اتخاذ النظام الديمقراطي.

      2) حين تسمي هذه الفئات النظام الذي تنشده بأنه النظام الديمقراطي ثم تقول إنها لا تريد ما يخالف الشريعة وإنما فقط الآليات.. فهذا كلام مغلوط.. فهي كأنها تقول: أريد نظاما جاهليا ولكن بدون مخالفة الشرع! فهو في ذلك ليس جاهليا! وكذلك لن يكون النظام ديمقراطيا حين تلتزم بالأحكام الشرعية. وذلك لأن من يحدد مدلول الديمقراطية هو من أنشأها (وقد نشأت عند الغرب) والعرف العالمي الذي يحدد معناها كذلك، ومن المعروف بداهة أن الديمقراطية تعني بجوهرها سيادة الشعب، فكل ما يقرّه الشعب بالأغلبية هو الذي يسري، وهذا يتناقض مع الإسلام لأن السيادة الأساسية في الإسلام هي للشرع لا للشعب، وحتى لو قيل إن الشعب المسلم سيختار الإسلام، فإن الأمر من حيث المبدأ مرفوض، فالمرجعية بالأساس يجب أن تكون للشيء الثابت وهو الشرع، أما الشعب فهو بشر وقد يقرر بأهوائه، وهناك فرق بين اختيار حاكم عن طريق الانتخاب والترشيح، وبين اختيار النظام والأحكام من قبل الشعب. ثم حين تأتي اليوم لتقول للغربي “الديمقراطية” إنني أريد نظاما ديمقراطيا ولكن يلتزم بنصوص كتاب نزل على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قبل 14 قرنا وبسنته، وكذلك بإجماع صحابته، وأريد أن أمنع المسلم من الارتداد عن دين الله عز وجل إلى دين آخر، وأريد أن أمنع غير المسلم من أن يكون رئيس الدولة، وأريد ألا أجيز قانونا يخالف الشرع حتى لو أجمع عليه المجلس المنتخب من الشعب… سيقول لك: مهلا.. هذه ليست ديمقراطية!!

      3) وهناك ندخل في الناحية الشرعية، حيث اتهمتني بأنني لم آت بنص شرعي قطعي لتحريم الديمقراطية! والمشكلة أنك ترى الديمقراطية أنها الشورى! وهذا خطأ فاحش، فالديمقراطية منظومة متكاملة للحكم فيها طرق لاختيار الحاكم ومبنية على مؤسسات السلطات الثلاث وفيها الحريات الأربعة… إلخ والشورى مبدأ إسلامي يكون فقط فيما لم يرد فيه نص، ويلتزم بالشرع ولا يحيد عن مقاصد الشرع، أما الديمقراطية فما أجمعت عليه الأغلبية من الشعب فهو الذي يكون قانونا ولا يُنظر بعد إجماع الشعب إلى حكم شرعي! وإذا قلت: إن الديمقراطية التي يريدها الإسلاميون هي الملتزمة بالشرع ووو…إلخ فقل إنها الشورى! لماذا لا نستخدم المصطلحات الإسلامية الواضحة ونلجأ إلى المصطلحات التي تحوي في مدلولاتها معاني مناقضة لأساس التوحيد؟ فالديمقراطية – كما يعرف الجميع؛ القاصي والداني – نشأت في الأساس بمبدأ سيادة الشعب على الأحكام والقوانين وأن الشعب هو المشرع، وهذا الأساس مناقض بشكل مبدأئ لأساس الإسلام، وهو أن الله عز وجل هو وحده له حق التشريع! فلماذا ننادي بمصطلح يحمل عند منشئيه هذه المعاني ونعرض عن المصطلحات التي نعترف نحن أنها وافية في المعاني التي نريدها؟ وعندي سؤال: هل الإسلام وتصرفات الخلفاء الراشدين في حكمهم وعقول المسلمين اليوم قاصرة عن إيجاد نظام يضمن الحقوق وتطبيق الشريعة وإقامة العدل حتى نلجأ إلى النظام الديمقراطي واستخدام مصطلح “الديمقراطية” ونتعرض لشبهة انصراف المعنى إلى المعاني الجاهلية التي فيه؟!

      4) أما قولك إن الديمقراطية كانت قبل الإسلام، فهو خطأ منك أخي الكريم، حيث إنك تعتبر أن الديمقراطية الإغريقية هي التي أتحدث عنها! ولئن كان الاسم مأخوذ من هناك ولكن مراجعة يسيرة لشكل الديمقراطية الإغريقية تظهر لنا أنها شيء مغاير تماما عن الديمقراطية الغربية التي ينادي بها الناس اليوم! فالديمقراطية الإغريقية كانت مقصورة على “النبلاء” أو “الشرفاء” في المجتمع اليوناني، ولم يكن يشارك فيها كل الشعب مع أنها تطبق قوانينها على كل الشعب! فهي في واقعها طبقية! وكذلك لم يكن مقصودا بها منظومة “الحريات الأربعة” كما في النظام الديمقراطي اليوم، ولا “السلطات الثلاث” كما اليوم، فخلاصة الكلام أنني أتحدث عن النظام الديمقراطي الذي نشأ بعد الثورة الصناعية بمدة وبعد عصر النهضة في أوروبا، وهو نظام نشأ كنتيجة لرفض الدولة الدينية (حكم رجال الدين) التي كانت سائدة آنذاك، وقد تطوّر حتى وصل إلى شكله اليوم وهو مؤلف من مبادئ كثيرة منها: سيادة الشعب (دون طبقية)، الحريات الأربعة، السلطات الثلاث، مبدأ الفصل بين السلطات، التعددية.. وغيرها ولذلك فأنا أتحدث عن نظام حديث نشأ بعد الإسلام، في العصر الحديث، وهو أمر لا شك فيه! ولا أقصد الديمقراطية كطريقة كان يختار فيها الإغريقيون القدماء أحكام دولتهم ومدنهم عن طريق اجتماع الشعب كله (النبلاء فقط!) في مكان واحد!

      5) كلامك حول أن ما قلتُه يناقض قواعد فقهية إسلامية وقضية الناسخ والمنسوخ غير مفهوم بالنسبة لمقالي، ويفتقد إلى دليل من المقال.

      6) زعمك أنني لم آتِ بأدلة هو زعم خاطئ أخي الكريم، فقد أتيت بأدلة واضحة جدا في حرمة استخدام مصطلح “الديمقراطية” لوصف الإسلام، لأننا أولا نفهم معنى المصطلح بناء على المعاني التي أرادها له واضعوه، ولا نقول – مثلا – عن السيارة “حاسوب”، لأن من صنعها سماها سيارة! والمسلم لا يضلل الناس حتى لو دون قصد. ثم إن الديمقراطية بالمعاني التي وضعها بها أهلها في أوروبا مخالفة بجوهرها لأصل الإسلام وهو التوحيد! حيث إن “الشرعية” في النظام الديمقراطي للأغلبية الشعبية، بينما في الإسلام الشرعية ليست بالكثرة، ووردت الآيات في أنك لو أطعت أكثر من في الأرض لأضلوك عن سبيل الله! مما يعني أن الأغلبية بشكل مجرد ليست صوابا، وإنما الشرعية في الإسلام “لما أقرّه الشرع”، وحين يكون الشرع هو السيد على الأحكام والقوانين لا الشعب حتى لو كان مسلما. وفي هذا وحده كفاية لمن يريد دليلا على حرمة استخدام المصطلح، ولكن ثمة أمور أخرى، منها أن هناك مصطلحات إسلامية تفي بما تريد من معاني (باعترافك أنت حين ذكرت الشورى)، ثم إن الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم أمرنا بتجنّب الشبهات، واستخدام مصطلح لنظام جاهلي لوصف النظام الإسلامي فيه شبهة وأية شبهة! وقد ذكرت ذلك في مقالي بشكل واضح ولكن يبدو أنك لم تقرأ المقال جيدا! وأعيد الكلام من المقال عليك:

      كان مما قلت: “المغالطة الرابعة: أمرنا في ديننا الحنيف باتقاء الشبهات، فأي تطبيق لهذا التكليف يكون حين نصف الإسلام بنظام جاهلي مبنيّ على تحكيم أهواء الناس وإعطائهم مهمة التشريع من دون الله؟! هذا إِنْ فرضنا أن وصف النظام الإسلامي بأنه ديمقراطي هو مجرد “شبهة” وليس خطأ شرعيًّا ومعصية تتمثل في وصف النظام “الرباني” بنظام “جاهلي”! وقد اشتهر مصطلح الديمقراطية بمعناه المعروف في الغرب، بما بحمل في طيّاته من جاهلية وانحراف عن منهج الله، فلا يصح أن نصف به دين الله عزّ وجلّ”.

      وأبين لك هذا الدليل المحكم من كتاب الله وسنة رسوله: مصطلح الديمقراطية حمل في معناه الأساسي المتداول بين الناس وفي العرف الدولي قيما مخالفة للإسلام ولا يمكن أن تلتقي معه، وهذا هو أساس الديمقراطية ومحورها، وإن كانت لها توابع توافق الإسلام مثل: حق اختيار الحاكم ومراقبته… ولكن هذه ليست هي جوهر الديمقراطية وإنما هي متعلقات لها، وجوهرها هو مبدأ سيادة الشعب (أي الشرعية للأغلبية الشعبية)، والحريات الأربعة.. وبعض المبادئ الأخرى الأساسية فيها.. فحسن نصف النظام الإسلامية بأنه “ديمقراطي” نكون قد وقعنا في شبهة انصراف المعنى المراد إلى قيمها المخالفة للدين (وهذا هو الأصل والذي يحدث في الواقع!)، وقد أُمِرْنا في الإسلام أن نتّقي الشبهات كما في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: “إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس. فمن اتّقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام..” (صحيح مسلم). فكان الأحرى للمسلم أن يمتنع عن استعمال مصطلح “الديمقراطية” في خطابه اتّقاءً للشبهة، خشية أن يقع في محظور الترويج لنظام مناقض لأسس الإسلام، فإن المعنى ينصرف إليه عند العامة. ولنا في قصّة نَهْي الله سبحانه وتعالى المؤمنين عن استخدام كلمة “راعنا” خير عبرة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (البقرة: 104). حيث أمرهم بالامتناع عن استخدام كلمة “راعنا” واستبدال كلمة “انظرنا” بها؛ لأن اليهود اغتنموا فرصة استخدام المسلمين لها وخاطبوا بها النبيّ – صلى الله عليه وسلّم – بقصد الشتم، لأنها تفيد معنى الشتم في لغتهم، مع أنّ الكلمة في الأصل كلمة عربية أصيلة واستخدمها المسلمون قبل اليهود! ولكن لأنّ استخدامها يتيح لليهود تمرير المضمون المسموم حرّم الله استخدام المسلمين لها، فكيف نقول اليوم الديمقراطية في الأصل مصطلح دخيل ولسنا بحاجة إليه (كما اعترفت أنت) فضلا عن احتوائه على معاني مخالفة للإسلام بصورة واضحة وانتشاره بهذه المعاني عالميا وفي حسّ الناس؟! فالأحرى بالمسلم نبذه والكفّ عن استخدامه في خطابه. واستخدام المصطلحات الإسلامية التي تفي بغرض بيان النظام الإسلامي: كالشورى، والعزل والاختيار، والحسبة، والبيعة، ومراقة الحكام، والمشاركة.. أو أي مصطلح لم يستخدم في الدلالة على نظام يخالف الإسلام كالديمقراطية.

      وأخيرا بخصوص عدم الاستفادة من الديمقراطية، فاختصارا أقول أنا لا أدعو لعدم الاستفادة منها، ولكن هناك فرق: بين من يدعو إلى أن النظام الإسلامي المنشودة هو نظام ديمقراطي، وبين الذي يستفيد مما يتيحه له النظام الديمقراطي، فيسعى إلى خلع الاستبداد حتى لو أتى له بنظام ديمقراطي (جاهلي)، فحتى في الجاهلية هناك فرق، بين أبي جهل الذي كان يحارب الدعوة، وبين المطعم بن عدي الذي يحمي رسولها الكريم عليه الصلاة والسلام! وكلام الرجلين كافر وجاهلي! وكذلك يمكن تشبيه النظام الديمقراطي اليوم والاستفادة منه (في سبيل تمكين الدعوة كتمهيد لإقامة النظام الإسلام لا إيمانا به وهنا الفارق) الاستفادة منه بهذه الصورة هي أمر مشابه لاستفادة المسلمين في عهد النبوة بنظام ملك الحبشة “الجاهلي”، ومع كونه جاهليا كان أفضل لهم من نظام قريش الباطش بهم، بل ووصف الرسول عليه الصلاة والسلام ملكها بأنه لا يظلم عنده أحد! ولكن مع ذلك لم يقل المسلمون حينها إنه نظام منشود لأنه يحقق العدل! لأنهم يعلمون ما فيه من جاهلية لأنه غير قائم على أساس الشرع، ولكن مع ذلك استفادوا مما يحققه لهم، وتلك هي نظرتي للديمقراطية، أنها نظام يحقق شيئا من العدل ويتيح المجال للدعوة (ليس في جميع الحالات!) ولكن لا أبالغ وأصف النظام الإسلامي المنشود بأنه نظام ديمقراطي! فأكون قد وصفت النظام الإسلامي بنظام جاهلي لمجرد أنه عدل معي! يعني يجب قياس الأمور علميا وشرعيا وليس بالعاطفة. والنظام الإسلامي نظام متفرد له معالمه التي وإن تشابعت مع بعض آليات الديمقراطية ولكن هذا لا يعني أن نأخذ الديمقراطية وعندنا الأصل والآليات المتكاملة لإقامة أعدل نظام إن شاء الله.

      لمزيد من الفائدة والتفصيل حول آليات الديمقراطية أنصحك بقراءة هذا المقال من جزئين: الجزء الأول: http://www.saaid.net/Doat/alsharef/34.htm والجزء الثاني: http://www.saaid.net/Doat/alsharef/35.htm

      وكذلك أدعوك إلى قراءة هذا الكتاب الهام الذي يبين معنى النظام الديمقراطي كيف هو عند الغرب وهو يحوي نصوصا كثيرا مترجمة من مراجع غربية أصّلت للديمقراطية: http://ar.islamway.com/book/1887

      وأعتذر على الأطالة ولكن وجب البيان.
      وبارك الله بك على المشاركة مرة أخرى

      • أخي في الله، شريف، أنت راق وأفكارك وعلمك راقيان، أسأل الله تعالى أن يبارك لك في علمك وأن ينفعك به وأن ينفع بك. حوارك راق يعتمد على الدليل. أنا أتفق معك في كل كلمة كتبتها في هذا التعليق الأخير، فقد أبنت ووضحت نقاطا لم توضحاها في المقالة، وبخاصة الفقرة الأخيرة. أخي الكريم، أنا لا أظن أن حركة النهضة في تونس، ولا الإخوان المسلمين والسلفيين في مصر، يؤمنون بأن الديمقراطية بديل عن الشورى وعن تحكيم شرع الله، وأظن أنهم يسيرون وفق الفقرة الأخيرة التي كتبتها أنت في هذا التعقيب. كلمة أخيرة: من قراءتي لما كتبت هنا، وما كتبت في الفيسبوك كرد على الاخ عيسى بشأن الصبر على الولاة، أقول لك: إني أحبك في الله.

      • أخي الحبيب محمد زبيدات / حيّاك الله وبارك بك وبعلمك وعمرك وأحبّكَ الله الذي أحببتني من أجله ..
        أرجو أن يكونوا كما تقول ، أرجو من كلّ قلبي
        ولكن ما أراه من أطروحات لبعض الجهات المنتمية للتيار “الإسلامي” وما أقرؤه في بعض كتبهم وتأصيلاتهم يُظهر لي أنّهم إلى المدى البعيد باتو يؤمنون بالنظام الديمقراطي على الطريقة الغربية كأفضل ما يمكن تطبيقه في عصرنا لإدارة الحكم .. وهذه بالنسبة لي مأساة وأي مأساة .. وطبعا لا أعمّم الكلام فالخير لا زال موجودا والحمد لله
        وبارك الله بك

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s