Archive | نوفمبر 2011

كتابي الجديد: الهوية والشرعية

.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.
تم بحمد الله نشر كتابي الأول (الهوية والشرعية: دراسة في التأصيل الإسلامي لمفهوم الهوية ورفع الالتباسات عنه) في موقع الألوكة، والكتاب عبارة عن تأصيل إسلامي لمفهوم “الهوية”، ورفع للالتباسات والشوائب التي اعترت هذا المفهوم. انطلاقا من ضرورة تنقية مفهوم الهوية من الغبش الذي التصق به لأسباب مختلفة، وضرورة تحديد المفهوم الشرعيّ الخالص له والالتزام بهذا المفهوم للنجاة في الآخرة، وهو ورقة إسلامية خالصة، لا أبتغي منها إلا مرضاة الله سبحانه وتعالى، وتحريكَ العقول المرهفة المخلصة حتى تحدّد موقفها الشرعي من هذه القضية.
.
رابط تحميل الكتاب: http://www.alukah.net/Library/0/36332/
.
أقول في مقدمة الكتاب:
.

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ اللهُ فلا مضلّ له، ومن يُضْلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك الله، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله.
وبعدُ:
فإنّ تحديد هويّة الإنسان وانتمائه مسألةٌ على غاية من الأهمية في واقعنا الراهن؛ فالهويّة عنصر أساسيّ في بناء الحضارات ونهضة الأمم، إذ تشكّل المنطلق لفهم موقع الإنسان ودوره في هذا العالم وفي المجتمع الإنساني. فحين يحدّد الإنسان هويّته فهو بذلك قد حدّد “غايته” في هذه الحياة، و”المنهج” الذي يضبط أفكاره وحركته بناء على ما تتضمّنه هذه الهوية، وتصوّرَ “الأمّة” التي ينتمي إليها ويعيش قضاياها ويتفاعل معها. فالحديث عن الهوية ليس مجرّد حديث نظري لا رصيد له في الواقع، وإنما هو حديث تشتدّ الحاجة إليه في مرحلة “الغثائية” والضعف والضياع والمهانة والانحطاط والتخلف التي تمرّ بها الأمة الإسلامية، وتتكالب عليها الأمم من كلّ حدبٍ وصوب، والتي شاعت فيها أوضاع الفرقة والتشرذم، والعودة إلى النعرات الجاهلية المنهيّ عنها كالتجمّع والانتماء والتعصّب على أساس “القومية” أو “الوطن”، حتى صارت هذه الروابط التي ترسّبت في عقول أبناء الأمة كأحد أهمّ آثار الغزو العسكري والفكري للأمة، حتى صارت هي روابط الانتماء الأصلية، وأما “الهوية الإسلامية” فهي مجرد رابطة جامعة أقرب ما تكون إلى “الرمزية”! فتفقد رصيدها الواقعيّ الحقيقيّ في ساحة الأحداث الكبرى التي تمرّ بها الأمة.
وانطلاقا من ضرورة تنقية مفهوم الهوية من الغبش الذي التصق به لأسباب مختلفة، وضرورة تحديد المفهوم الشرعيّ الخالص له والالتزام بهذا المفهوم للنجاة في الآخرة، كان هذا البحث الموجز بعنوان: “الهوية والشرعية: دراسة في التأصيل الإسلامي لمفهوم الهوية ورفع الالتباسات عنها” ورقة إسلامية خالصة، لا أبتغي منها إلا مرضاة الله سبحانه وتعالى، وتحريكَ العقول المرهفة المخلصة حتى تحدّد موقفها الشرعي من هذه القضية.
وموضوع هذا البحث وغايته التي يهدف إليها هي تجلية مفهوم “الهوية” في الإسلام، ورفع الالتباسات التي حدثت بين هذا المفهوم وبين الهويّات الدخيلة في عصور التأخر والانحطاط الأخيرة التي مرّت بها الأمة الإسلامية، انطلاقا من اليقين الراسخ بأن أولى خطوات إحياء هذه الأمة وإعادتها إلى مكانتها اللائقة بها تبدأ من هنا؛ من إحياء الهوية الإسلامية وتنقيتها من عوامل الغبش التي رانت عليها، والتي أدّت إلى انحسار فاعليّتها في حياة المسلمين، كمحور استقطاب قيميّ، يوحّدهم ويجمع شملهم، وكعنصر هامّ يعرّفهم بحقيقتهم وبأهدافهم في هذه الحياة، ويردّهم إلى “المعايير” الصحيحة التي تحكم حياتهم. أقول: انحسرت فاعلية “الهوية الإسلامية” بفعل عوامل الغبش التي سوف نفصّلها في ثنايا الكتاب- بإذن الله – ونبيّن حقيقتها ونفنّدها، فغدت على أحسن الأحوال عند الكثيرين مجرد شعار يُتنادى به، والتصورات منحرفة عنه، والسلوك مغاير لمقتضياته!
في الفصل الأول: سوف أتطرّق إلى تعريف “الهوية” لغويا وفي الاصطلاح المعاصر، وأبيّن المعنى العام الذي يدور حوله المعنى الاصطلاحي، ثم أبيّن مدى علاقة هذا المعنى بمعاني “الولاء” في الإسلام، بعد أن أتتبّع هذه المعاني من أصولها الشرعية، “فالولاء” هو أحد أركان التوحيد التي لا يصحّ إيمان المسلم مع نقضها، أو بوجود الغبش الذي يكدّر صفاءها. وسأبيّن كذلك معاني “الجماعة” و”الأمة” في الإسلام؛ فإنّ التركيز الأكبر سيكون على مفهوم الهويّة الجماعيّ، لخطره وأهميته في هذه المرحلة التي تمر بها الأمة الإسلامية.
في الفصل الثاني: سوف أعرض لنماذج من الكتاب والسنة، تبرز فيها معاني الهوية الإسلامية، للتشبّع بمعانيها وتأكيدها وتأصيلها في قلوب المسلمين وعقولهم.
في الفصل الثالث: سوف أتحدّث عن الخلفية التاريخية لضعف الهوية الإسلامية كرابطة انتماء وولاء بين المسلمين في شتى أنحاء العالم، ودخول الهويات “القومية” و”الوطنية” كمحاور استقطاب تجمّعت حولها الشعوب المسلمة، مما أدّى إلى التفرّق المذموم الذي زاد الأمة وبالاً أكثر مما كانت عليه في عصورها المتأخرة.
في الفصل الرابع: سوف أعرض نقدًا موضوعيًّا وشرعيًّا للهوية “القومية”، وبيانًا لمدى زيفها وعدم صلاحيتها فضلاً عن مخالفتها لمعاني الولاء في الإسلام، وكيف أنها أخفقت في تحقيق النهضة للأمة الإسلامية.
في الفصل الخامس: سوف أعرض نقدا موضوعيًّا وشرعيًّا للهوية الوطنية، وبيانًا لتأثيرها السيّء على أحوال المسلمين منذ أنْ بُذرت بذورها النكدة في عقولهم وقلوبهم. وسأبيّن مخالفتها لمعاني الولاء في الإسلام، وأرفع الالتباس بين مفهوم “الوطنية” وفطرة “حبّ الوطن”، وبينها وبين مفهوم “الكيان السياسي” أو “الدولة” الذي تمّ الاصطلاح خطأً على تسميته “وطنا”! وسوف أبيّن خطأ المنهج التوفيقي في إضفاء الشرعيّة على المفاهيم الغربية المعاصرة ومنها الوطنية التي تخالف في أسسها الشرعيّات الإسلامية.
في الفصل السادس: سوف أعرض لبعض الشبهات التي تدور حول الهوية الوطنية وأفنّدها، باعتبارها الأكثر بروزًا في العقود الأخيرة، والأكثر تأثيرًا في واقع الأمة.
في الفصل السابع: سوف أبيّن تهافتَ شبهة “الطائفية” التي تأخذ حيّزا ضخمًا من خطاب العلمانيّين الابتزازيّ، بهدف هدم الهوية الإسلامية أو التأثير على الدعاة المسلمين لتمييعها وإهدار فاعليّتها.
في الفصل الثامن: سوف أتحدّث عن خصائص الهوية الإسلامية التي تميّزها عن غيرها من الهويات الزائفة كالقومية والوطنية.
في الفصل التاسع: سوف أتحدّث عن مقتضيات الهوية الإسلامية، وأنّها ليست معنى نظريّا مجرّدًا عن التأثير في واقع الفرد والجماعة.
في الفصل العاشر: والأخير سوف أتحدّث عن آثار ضعف الهويّة الإسلاميّة في الأمّة، وأبيّن المخاطر المعاصرة التي تهدّد هذه الهويّة، وأهمّية إحيائها في نفوس المسلمين؛ تجريدًا لمفهوم التوحيد، وسيرًا في طريق النجاة الأخرويّة، وأهمّيّتها كركن أصيل لنهضة هذه الأمة، لا تكون لها رفعة ولا عزّة ولا مجد ولا سؤدد دون إزالة الركام والغبش عن حقيقتها.
أسأل اللهَ الإخلاصَ في القول العمل، وأن يوفّقني في ما أرجوه من هذا الكتاب، وأسأله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.
اللهمّ أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا.
“إنْ أريدُ إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليك توكّلتُ وإليهِ أنيب”..
.
شريف محمّد جابر
1432 – 2011
.
(لا تبخلوا علينا بنشر الكتاب على الشبكة والمواقع الاجتماعية كالفيس بوك  والمنتديات وغيرها، وبارك الله بكم)

رابط الكتاب للنشر والتحميل: 

http://www.alukah.net/Library/0/36332/


الإدارة الأمريكية في مأزق رهيب..!!

.

الإدارة الأمريكية في مأزق رهيب..!!
. 

    بطبيعتي لا أميل إلى إسقاط نظرية المؤامرة على كل شي في هذه الحياة كما يفعل بعض الناس، من “السوداويين” الذين يرون في الثورات العربية مجرد مؤامرة أو ألعوبة أمريكية.. وكأنّما لا يرون فاعلا إلا أمريكا! أستغفر الله!

    لا تهمني الأسباب بقدر ما يهمني الواقع الآن: والواقع أنّ هناك ثورة مصرية تستأنف سيرها في الطريق المليء بالأشواك، وأن ثمة مأزق رهيب يضع مصالح الإدارة الأمريكية على المحكّ..

    أستطيع أن أتفهّم بوضوح شديد سبب تباطؤ المجلس العسكري في تسليم السلطة، أو حتى في تحديد موعد واضح قريب لتسليمها لمدنيين “أحرار”:

-       المجلس العسكري (تركة مبارك) مرتبط بشدّة بالإدارة الأمريكية، والمعونات الأمريكية للجيش المصري، واللقاءات والزيارات منذ أيام نظام مبارك المخلوع، كلها مظاهر لهذا الارتباط الوثيق.

-       إذن: المجلس العسكري هو “راعي مصالح أمريكا” في مصر والمنطقة، وليس من مصلحة أمريكا أن تتركه يتنحى عن الإمساك بزمام الأمور في مصر.

-       لكنّ الإدارة الأمريكية لا زالت في مأزق شديد!! هي الآن كالذي يماطل حتى يجد حلاّ ملائما يحفظ مصالحها؛ فبقاء سيطرة المجلس العسكري على زمام الأمور في مصر يحفظ مصالحها، ولكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر بداهة في العقلية المصرية أجمع!

-       خيار البقاء في الحكم بأي حجة من الحجج وتأجيل تسليم السلطة سوف يزيد من التصعيد ضدّ المجلس العسكري، ثم إلى نزع الشرعية عنه ممّا سيؤدّي إلى خلعه وانتقال زمام الأمور إلى مجلس مدني ثوري.

-       خيار التسريع بالانتخابات سوف يأتي بمجلس شعب اختاره الشعب بحرية، خصوصا وأن أحرار مصر هم من سوف يحرس عملية الانتخابات، مما سوف يطلق إلى الوجود هيئة رسمية تنزع شيئا فشيئا زمام الأمور عن المجلس العسكري.

-       الخيار الأمثل في الظروف الراهنة: امتداد هذا الوضع (الفترة الانتقالية تحت سيادة المجلس) إلى أطول فترة ممكنة، دون وضوح في تحديد موعد لتسليم السلطة. وامتداد هذا الوضع يجب أن تكون له حجّة قويّة.

-       فلتكن هذه الحجّة هي الفوضى التي تلغي الانتخابات وتؤجل كل شيء!!

    ولذلك أقول عودا على بدء، وإغلاقا لهذه الحلقة المفرغة: إن استمرار أوضاع الفوضى وعدم الوضوح في موعد الاستجابة للمطالب وبقاء سيادة المجلس في ظلّ هذه الأوضاع لهو خير دليل على أن الإدارة الأمريكية في مأزق شديد!!

    إنّها تفكّر في حلّ يبقي وضع الرعاية لمصالحها في المنطقة، والوقت ليس في صالحها، لذلك تسعى في كسب أكبر حصّة منه، عن طريق تمديد فترة سيادة العسكري العميل، فالتفكير في سنة ليس كالتفكير في شهرين! التفكير في سنة يتيح فرص توليد الحلول التي ترعى مصالح أمريكا في المنطقة، ولذلك فوضع الفوضى وتمديد فترة سيادة العسكر هو الجو الأمثل الآن للإدارة الأمريكية.. حتى تفكّر على مهلها!

    حين أستعرض موقف الإدارة الأمريكية يخيّل إليّ أنني أشاهد رجلا كبير السن يجلس على كرسي ضخم، وفي فمه “سيجار” غليظ يتصاعد منه الدخان.. إنّه صاحب مصالح كبيرة، يفكّر في حكمة ودهاء ويستهلك الوقت في التفكير لإيجاد الحلول الأمثل.. وهكذا هي الإدارة الأمريكية!

    إن نظرية المؤامرة المطلقة تتغافل عن عناصر “الفعل الثوري الحر”، وهي: جماعات الضغط المسيسة وغير المسيسة، والشرائح الشعبية الشريفة التي تفهم الخداع وتخرج لتقول: لا لكل تصرف فاسد.. هذه الفئات صاحبة القوة في الشارع الآن لا تستطيع الإدارة الأمريكية أو القوى العميلة أن تجعلها تعمل لحسابها، الإدارة الأمريكية وعملاؤها في الداخل المصري لا يملكون “عصا سحرية” تنفذ كل ما ترغب به!

    كتبت هذه الكلمات لأنّ الكثير من الناس لا زال يقرأ بعيون “الآخر”!

    يحاولون أن يجدوا تفسيرا يتطابق مع مقولة المؤامرة الأمريكية التي تجيّر كلّ شيء لمصالحها..

أردتُ أن أهمس في أذن هؤلاء: الشعوب ليست عميلة.. والإرادات ليست خاضعة كلّها للرغبات الأمريكية.. والواقع يشهد “فعلا حرّا” قويّا مغايرا لمصالح “الفعل الأمريكي”..

    وكلا الفعلين، أراهما في فضاء الثورة يعتلجان، حتّى يكتب النصر لأحدهما كما هو في قدر الله.. والله المستعان وعليه التوكّل..

شريف محمد جابر

21.11.2011

عكا

الجزيرة.. والمطلب الوحيد.. ومستقبل الثورة في مصر

.

الجزيرة.. والمطلب الوحيد.. ومستقبل الثورة في مصر

.

    يعتبر الإعلام أداة هامة جدا في تشكيل الوعي الجماهيري، وفي تحديد مسار الأحداث الكبرى، فهو وإنْ كانَ مجرد (كلام في كلام) كما يقول بعض الناس، ولكنّه يرسم من خلال جوقاته الجاذبة للجمهور مسارات الوعي، ويشكّلها لتُحدث فعلها الواقعي على الأرض.

    وكثيرة هي الدراسات الجادّة التي ترصد دور الإعلام في تشكيل الوعي، وفي رسم مسار الأحداث على أرض الواقع، أو على الأقل: في مساندة رؤى معينة وتغليبها على رؤى أخرى بزرع الوعي المساند لهذه الرؤى في العقل الجماهيري. وهذا ما أراه يحدث في ظلّ الثورة المصرية.

    قرأتُ اليوم تقريرا على موقع “قناة الجزيرة” بعنوان (وثيقة الدستور تشعل مليونية بمصر)[1]. وقد هالني أن أقرأ هذه المغالطة في العنوان (المقصودة أو غير المقصودة، لا يهمّ؛ إذ كلتاهما تؤدي إلى نتيجة واحدة!) هذه المغالطة في تركيز العنوان على (وثيقة السلمي) وكأنّها هي أساس المشكلة التي خرج الشعب لحلّها! تغافلا عن أساس القضية  (المطلب الوحيد) وهو: مطلب تسليم المجلس العسكري للسلطة.

    ما كنت أخشاه ويخشاه الكثيرون هو تمحور المليونية والفعاليات الاعتصامية والضغط الشعبي حول رفض (وثيقة السلمي)، وقراءة مثل هذا التقرير عن مليونية اليوم في أبرز منبر إعلامي عربي يؤيد ذلك. فلم تذكر الجزيرة المطلب الأساسي والأهم لهذه المليونية وهو: “تسليم العسكر للسلطة حتى موعد أقصاه أبريل القادم”. لم تذكر هذا المطلب إلا عرضا حين تحدثت عن موقف “الجماعة الإسلامية” في نهاية التقرير إذ قالت: “كما أعلنت الجماعة الإسلامية مشاركتها في مظاهرة الجمعة للتعبير عن موقفها الرافض لوثيقة السلمي، وكذلك مطالبة المجلس العسكري بتسليم السلطة في موعد أقصاه أبريل/ نيسان القادم”.

    وكأنّ مطلب (تسليم السلطة) هو مجرد مطلب ثانوي للجماعة الإسلامية! أو أنها انفردت بهذا المطلب! مع أنه أساس المشكلة وينبغي أن يكون محور المليونية كما دعا إلى ذلك الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل، وغيره من القوى السياسية (وغالبيتها إسلامية)!!

    ذكر التقرير عبارة (المطلب الوحيد) على لسان “التحالف الديمقراطي”، ولكنه لم يبين ما هو هذا (المطلب الوحيد)، بل سيفهم القارئ ضمنا أنه وثيقة السلمي! مع أنه يُقصد به مطلب تسليم السلطة! فقد ورد في التقرير موقف “التحالف الديمقراطي” (ويعتبر أكبر تحالف سياسي في مصر الآن) دون تحديد ماهية هذا المطلب:

    “وبدوره حسم التحالف الديمقراطي من أجل مصر المكون من 11 حزبا مشاركته في المليونية التي أطلق عليها “جمعة المطلب الوحيد”، مؤكدا في بيان رسمي إغلاق باب التفاوض مع نائب رئيس الوزراء حول تعديل الوثيقة الدستورية، علما بأن التحالف كان قد اجتمع الأحد الماضي بحضور أربعة مرشحين محتملين للرئاسة وقرر إمهال الحكومة ثلاثة أيام لتعديل الوثيقة قبل إعلان موقفه النهائي”. انتهى.

    وسيفهم القارئ لهذا المنبر الإعلامي واسع الانتشار أن المطلب الوحيد والرئيسي لهذه المليونية هو (إلغاء وثيقة السلمي فوق الدستورية)!

    وهنا قد يكون السيناريو المظلم القادم:

    1- ضغط شعبي مساند لمطلب إلغاء الوثيقة.

    2- استجابة (ما) من قِبَل العسكر، تكون هذه الاستجابة يصيغة دبلوماسية غير واضحة المعالم.

    3- نسيان للقضية الأساسية وهي: (وجوب تسليم السلطة من قِبَل المجلس العسكري لسلطة مدنية منتخبة، دون أن يكون للعسكر أي دور في رسم مبادئ النظام الجديد أو تأطير صلاحياته بنفوذ خاص للعسكر يشكّل المرجعية العليا في الدولة).

    4- تمديد فترة حكم العسكر واستبداده بالسلطة.

    5- فقدان الثقل الشعبي الفاعل المساند للتيارات المعادية للمجلس العسكري، بسبب انطفاء جذوة الثورة بعد كثرة المليونيات وتعطيل المصالح وتشعّب القضايا.

    6- تشكيل نظام حكم جديد في ظلّ انطفاء جذوة الثورة، يكون مهزوز الثقة، ومنقادا لمرجعية المجلس العسكري العليا، وغير خارج عن مصالح أمريكا في المنطقة. أي: في الشكل هو نظام مدني ديمقراطي حرّ[2]، ولكن تحكمه هيمنة عسكرية موالية لأمريكا.

    والنتائج الأهم:

    – بقاء هيمنة العلمانية والرأسمالية على الأوضاع في مصر، وتقوية السوق الحر والليبرالية المتوحشة، وبقاء البلد في الحلقة المفرغة من الضعف والتخلّف والذلّ والتبعية لأمريكا.

    وواجب الدعاة المخلصين من أبناء هذه الأمة:

    – العمل المدروس الجادّ والمجهد على الخروج من التبعية وبناء عناصر القوة وتحقيق التمكين الشرعي.

    – وهذا لا يتأتى دون بذل الجهود الكبيرة في نشر الوعي الشرعي الشامل بين المسلمين في مصر، ودون المباشرة الجادّة في عملية إحياء هذه الأمة، وتربية القواعد الشعبية التي تشكل (سندا اجتماعيا) قويا للتمكين القادم بإذن الله ولو طال الوقت.
 .

شريف محمد جابر

18.11.2011

عكا


[1]  رابط التقرير: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/FCEB65DA-4D2C-41AE-8F35-0B9BC564E865.htm

[2]  في العموم: إن أي نظام ديمقراطي (علماني) لا يمكن أن يكون حرّا، لأنه نبات غريب على هذه الأمة، لا يأخذ شرعيته إلا من الغرب وأذنابه فاقدي الشرعية، ولذلك فهو سيخضع حتما للهيمنة الأمريكية، شاء أم أبى، وواقع النظم الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي يدل على ذلك دلالة واضحة.

الإنسان أولا..!

.

الإنسان أولا..!

 

    فلنسأل بادئ ذي بدء: ما الإنسان؟

    هل هو ذلك الكائن الحيّ الذي تطوّر عن خليّة نشأت مصادفة قبل ملايين السنين بل ربما مليارات السنين؟

    أم هو ذلك الكائن المكرّم الذي خلقه الله سبحانه وكرّمه وأعطاه نعمة الوعي والإرادة والحريّة بخلاف سائر الكائنات؟

    إنّ قناعتنا المطلقة بإحدى هاتين الرؤيتين حول نشأة الإنسان هي المنطلق الذي تتحدّد بناء عليه نظرتنا لكلٍّ من:

-       غاية وجود الإنسان.

-       وظيفته في هذه الحياة.

-       مصيره بعد الممات.

    ففي الرؤية الأولى ليس ثمّة غاية لهذا الكائن الذي تولّد عبر سياق طويل من تاريخ الحياة على الأرض! إنّه تلك الذرّة التائهة في هذا العالم الواسع.. لا يعلم لنشأته غاية؛ لأنّ “الصدفة” كانت هي سبب هذه النشأة!

    وإذا كانت “الصدفة” قد تمخّضت عن ذلك الكائن الممتلئ بالشهوات، والذي يعيش ويأكل ويشرب، ويستمتع منذ لحظات الطفولة حتى نهاية عمره بما يجلب له اللّذة والسعادة في هذا العالم.. وإذا كان يعتقد يقينًا أنّ حياته لا بدّ أن تفنى، وأنّ أنفاسه لا بدّ أن تخبو، وأنّه ميّت لا محالة، وأنّ بعد هذا الممات ليس ثمّة حياة أخرى..

إذا كانت حياته – وفق تلك الرؤية – تقع بين اعتقاد “المصادفة” واعتقاد “الفناء” المطلق الذي لا حياة بعده، فإن وظيفته ستنحصر ولا بدّ في تحصيل أكبر قدر من “السعادة” في هذه الحياة الدنيا.

    إنّ “الغاية” المرسومة قبل النشأة مفقودة في حسّه، وإنّ “المصير” المحتوم في نظره هو الفناء المطلق، فلا بعث ولا حياة أخرى.. وبين تلك “الغاية” وذاك “المصير” تتحدّد “الوظيفة” وهي: جلب أكبر قدر من “السعادة”، منذ لحظة الولادة حتى لحظة الممات.. لحظة الفناء المطلق في حسّه!

    ستكون وظيفة الإنسان وفق هذه الرؤية هي العمل على “تحسين” أساليب الحياة بأكبر قدر ممكن في جميع الميادين، حتى تتحقّق “السعادة” بأكبر قدرٍ ممكن، ومن هذه الرؤية انطلقت حضارة “الاستهلاك” التي نبصرها في عالم الناس اليوم، في أوروبّا وأمريكا وسائر البلاد التي يؤمن الناس فيها بأنّ مهمّة الإنسان هي تحقيق أكبر قدر من السعادة في حياته!

    وأما في الرؤية الأخرى فالإنسان يعلم حقيقة “نشأته”، إنّه من خلق الله عزّ وجلّ:

    ((وإذ قالَ ربّكَ للملائكة إنّي خالقٌ بشرًا من طين * فإذا سوّيته ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين)) (ص: 71 – 72).

    وبعد علمه هذا، فإنّه يحسم “الغاية” من وجوده، كما حدّدها كتاب الله خالقه سبحانه وتعالى، وكما جاءت على لسان رسله، إنها إفراد الله تعالى بالعبادة:

    ((وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلا ليعبدون)) (الذاريات: 56)

    ((وما أرسلنا من رسول إلا نوحي إليه أنّه لا إله إلا أنا فاعبدون)) (الأنبياء: 25).

    ويعلم – بناء عليها – “وظيفته” في هذه الحياة، و”المنهج” الذي يحقّق عن طريقه هذه الوظيفة..

    فأمّا “الوظيفة” فهي عمارة الأرض:

    ((هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)) (هود: 61).

    ولكن بمقتضى “المنهج الرباني”:

    ((قلنا اهبطوا منها جميعًا فإمّا يأتينّكم منّي هدًى فمن تبع هدايَ فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)) (البقرة: 38 – 39).

    وهو وفق هذه الرؤية يعلم يقينا أنّ “المصير” بعد الموت هو الدار الآخرة؛ فإمّا جنّة ونعيم، وإمّا نار وعذاب، وليس الفناء المطلق بعد الممات هو مصيره المحتوم كما يعتقد صاحب رؤية “الصدفة”:

    ((قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدوّ فإمّا يأتينّكم منّي هدًى فَمَنِ اتّبعَ هدايَ فلا يضلُّ ولا يشقى * ومن أعرضَ عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا ونحشرهُ يومَ القيامةِ أعمى)) (طه: 123 – 124).

    ((إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقّا إنّه يبدأ الخلق ثمّ يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون)) (يونس: 4).

    فالمنشأ في هذه الرؤية: من عند الله.

    والغاية: إفراد الله بالعبادة.

    والوظيفة: عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني.

    والمصير: الدار الآخرة؛ إمّا جنّة ونعيم، وإمّا نار وعذاب.

    إذا سألتَ مسلما: أيّ الرؤيتين تحمل؟

    فإنّه سوف يجيبك لا محالة أنّه يحمل الرؤية الأخرى، فرؤية المصادفة وإنكار البعث وحصر وظيفة الإنسان في تحقيق السعادة هي الكفر بعينه!

    والإسلام بحدّ ذاته هو الإجابات السليمة على الأسئلة الفطرية التي ذكرناها سابقا..

    ولكنّ نظرة عميقة بعض الشيء إلى واقع بعض فصائل العمل الدعوي ترشدنا إلى تساؤل يدور في فلك “الإنسان أوّلا”؛ هل حقّا تجتهد هذه الفصائل لتؤدّي دورها المطلوب في تحقيق مصالح الإنسان الكبرى؟

    إنّ مصالح الإنسان الكبرى في هذه الحياة هي ما يرشده إلى تحقيق غاية وجوده فيها، وهي العبادة كما ذكرنا؛ فهي القيمة الأكبر لنشاطه الإنساني، الأكبر لأنّها الأثقلُ وزنا في مجرى حياته المديدة، أعني: حياته الكاملة (في الدنيا والآخرة)؛ لأنّ الرؤية الإسلامية تعطي معنى مختلفا للحياة عن أيّة رؤية جاهلية أخرى، وهو المعنى المديد الذي يرى في الحياة الآخرة أنّها هي الحياة الحقيقية الخالدة، ويرى الحياة الدنيا دارَ اختبار وابتلاء:

((وما هذه الحياة الدنيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنّ الدارَ الآخرةَ لهي الْحَيَوانُ لو كانوا يعلَمون)) (العنكبوت: 64، والحيَوان: الحياة الدائمة الخالدة).

    ((وهو الذي جعلكم خلائفَ الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجاتٍ ليبلُوَكُمْ في ما آتاكُمْ إنّ ربّكَ سريع العِقابِ وإنّه لغفورٌ رحيمٌ)) (الأنعام: 165).

    والطريق إلى تحقيق مصالح الإنسان في الحياة الأخرى المديدة الخالدة ينبغي أن يكون هو الطريق المؤدّي إلى الجنّة، وبداهة هو هكذا؛ فلا مصلحة متحقّقة في سلوك الطريق إلى جهنّم والعياذ بالله!

    بل الطريق إلى تحقيق مصلحة الإنسان في هذه الدنيا (فضلا عن الآخرة دار الخلود) هو كذلك الطريق المؤدي إلى الجنّة، أعني العبادة:

    ((ولوْ أنّ أهلَ القُرى آمنوا واتّقَوْا لفتحنا عليهمْ بركاتٍ مِنَ السّماء والأرض ولكن كذّبوا فَأَخَذْْناهُمْ بما كانوا يكْسِبون)) (الأعراف: 96).

    وبناء على ذلك كلّه فإنّ الأولويّة التي ينبغي أن يضعها كلّ مسلم نصب عينيه في هذه الحياة هي تحقيق العبادة لله عزّ وجل؛ غاية وجوده الإنساني. وتكون – بداهةً – هي الأولوية التي ينبغي أن تضعها فصائل العمل الإسلامي في قائمة نشاطاتها الدعوية والخيرية والاجتماعية والثقافية.

    وبديهيّ أيضا أن يكون تحقيق “أصل” العبادة، متقدّما على تحقيق “فروعها”. ونعني بالأصل ما تُنقض بنقضه العبادة كلّها، وهو “التوحيد”، وهو ضدّ الشرك.

    والحفاظ على توحيد المسلم من الشرك هو أصل هذا الدين، ولعلّ قائلا هنا يقول: وهل المسلمون اليومَ مشركون أو كفّارٌ حتى يكون دور العمل الإسلامي تحقيق هذا التوحيد؟

    وهو سؤال ينبع من جهالة علقتْ في أذهان بعض الناس مُذْ رسختْ المفاهيمُ المغلوطة حول الإيمان والإسلام في عصور الانحطاط الأخيرة للمسلمين. فهل كان ابنُ لقمان الحكيم مشركًا بالله إذ قال له أبوه وهو يعظه: ((يا بُنيّ لا تشركْ بالله إنَّ الشركَ لظلمٌ عظيم)) (لقمان: 13)؟! وهل كان الصحابة – خير القرون – مشركينَ أو كفّارًا حين خاطبهم الله تعالى في كتابه وقال لهم: ((يا أيّها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّلَ على رسولهِ والكتاب الذي أنزلَ من قَبْلُ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخرِ فقد ضلّ ضلالا بعيدًا)) (النساء: 136)؟!

    الخطاب المبيّن لمفاهيم الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والمذكّر بها هو خطابٌ له ما يبرّره في طبيعة النفس، وفي طبيعة التغيّرات الاجتماعية، ولا ريب أن يكون كذلك وهو خطاب الحكيم العليم! فالنفس التي خلقها الله سبحانه وتعالى تنسى، ولقد نسي أبونا آدم من قبل:

    ((ولقد عهدنا إلى آدم من قَبْلُ فنَسِيَ ولم نجدْ له عَزْمًا)) (طه: 115).

    وعلاجُ النسيان – الذي هو فطرة في البشر – التذكير، والتذكير بالإيمان وحقيقة التوحيد – كما ذكّر لقمان ابنه، وكما خاطب الله المؤمنين في المدينة بحقائق الإيمان الأساسية – ليس محصورا في فاقد الإيمان:

    ((وذكّرْ فإنَّ الذكرى تنفعُ المؤمنين)) (الذاريات: 55).

    والمشكلة تكمن في ذلك الفكر الذي عشّش على مدى قرون طويلة في عقول أبناء الأمة بفعل عوامل يصعب حصرها في هذا المقام[1]، وأبرز محاور هذا الفكر في صدد حديثنا:

-       حصر معنى الإيمان في التصديق والإقرار.

-       حصر التوحيد في توحيد الله في ذاته وصفاته وأفعاله (التوحيد الخبري العلمي المعرفي باصطلاح الإمام ابن القيّم).

    ففي معنى الإيمان المنحرف في هذا الفكر يكون “الكافر” هو من يكذّب ما أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام، أو الذي يجحده على أبعد تقدير. ويكون المسلم الذي يصدّق ما أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام من قرآن وسنّة مؤمنًا صحيح الإيمان، حتى لو لم يعمل عملا واحدا زائدا على التصديق والإقرار!

    وفي معنى التوحيد المنحرف في هذا الفكر يكون المشرك هو من يؤمن بتعدد الآلهة، أو الذي يرى خالقا أو مريدا غير الله عز وجلّ، أو ما يدور في فلك توحيد ذاته وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى فقط!

    وإذا أسقطنا هذا الفهم المنحرف للإيمان والتوحيد على أحوال المسلمين المعاصرة، وجدنا شبه انعدام لما ينقض الإيمان أو يضفي الغبش على حقيقته؛ فمعظم المسلمين يصدّقون بوجود الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه، وسائر ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام في الكتاب والسنة. ووجدنا كذلك شبه انعدام لظواهر الشرك في مجتمعات المسلمين؛ فلا أحد يرى تعدّد الآلهة أو تعدد ذات الإله من المسلمين، ولا أحد يرى خالقا أو مريدا غير الله سبحانه وتعالى..

    وهكذا يقول أصحاب هذا الفهم المنحرف للإيمان والتوحيد إنّ أحوال الأمة العقديّة بخير وعافية؛ فمعظم المسلمين محقّقون لأصل إيمانهم وتوحيدهم، ولا غبش على هذه الحقائق في حسّهم، وإنّما المشكلة في تقصيرهم في أداء الفرائض والواجبات والعبادات، وكذلك في فقدان التنمية والرعاية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لأحوالهم الحياتية. وبناءً على ذلك يكون واجب العمل الإسلامي حثّ المسلمين على التمسّك بالإسلام وأداء الفرائض والواجبات والعبادات، وكذلك تحسين أحوالهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في جميع مناحي الحياة..

    ونحن في هذا المقال نحبّ أن نؤكّد على نقاط عدّة قبل الاستمرار في الحديث حتى لا يساء فهمنا:

-       لا نعترض أبدا على العمل المبارك الذي تؤدّيه فصائل العمل الإسلامي في حثّ المسلمين على التمسّك بالإسلام، وعلى أداء الفرائض والواجبات والعبادات، ولا نعترض على العمل في تحسين أحوالهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في هذه الحياة الدنيا. بل نرى الخير في هذا العمل، ونسأل له السداد، ونقتدي به إذ نراه متمثّلا في روّاد خاضوا غمار التجربة الدعوية لخير الناس أجمعين.

-       وإنّما نرى (إلى جانب هذا العمل المبارك) ضرورة إعادة الفهم الصحيح لأصل هذا الدين في أفهام المسلمين وسلوكهم، لأنّ كل الأعمال داخلة في مجال “العبادة” كما ذكرنا، وتحقيق الأصل متقدّم على تحقيق الفروع، وأصل العبادة هو تحقيق التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة، وفروعه الواجبة هي التزام الواجبات والانتهاء عن المحرّمات، وكمالاته فعل المندوبات واتّقاء المكروهات. فالدعوة إلى التزام الواجبات والانتهاء عن المحرّمات هي دعوة طيّبة مباركة، ولكن لا ينبغي أن تكون على حساب الدعوة إلى تصحيح المفاهيم حول الإيمان والتوحيد إنْ كان فيها غبشٌ وانحراف في حسّ الكثير من المسلمين في أيّامنا (وهي كذلك فعلا، وسنتحدّث عن ذلك بعد قليل)، بل تكون معها جنبا إلى جنب، بل منبثقة عنها ومرتبطة بها أشدّ ما يكون الارتباط.

-       العمل في رعاية أحوال المسلمين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لا ينبغي أن يكون على حساب المفاهيم الأصيلة لهذا الدين، فلا يجوز أن يكون هذا العمل سببا في إحداث الغبش في مفاهيم التوحيد، والأوجب تنقية هذا العمل مما يلبّس على المسلمين عقيدتهم، فإنْ لم تكن التنقية ممكنة فالأوجب طرح هذا العمل جانبا.

-       لا نهدف إلى إصدار أيّ حكم بالكفر أو الشرك على أفراد المسلمين في قولنا (الذي سوف نفصّله في ثنايا المقال) بأنّ الانحراف في الإيمان والتوحيد قد أصاب أحوال المسلمين المعاصرة؛ فالإقرار بوجود ظواهر الانحراف عن الإيمان وظواهر الشرك وما يغبّش على التوحيد (نظرا لوضوح علاماتها في المجتمعات)، ثم العمل على بيان المفاهيم الصحيحة لها، إنّ هذا الإقرار والبيان لا يعنيان إطلاقًا القولَ بكفر أفراد المجتمع أو شركهم، وإنّما نحن نهدف إلى “البيان” ولا نهدف إلى “الحكم” على المسلمين بالكفر أو الشرك، بل نحكم بالإسلام عليهم، وبيان حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر وحقيقة التوحيد وحقيقة الشرك من أهمّ الواجبات الدعوية على مختلف العصور، تماما كما كان هذا الواجب الدعويّ متمثّلا في موعظة لقمان الحكيم لابنه المؤمن كما مرّ معنا، وكما تمثّل في خطاب الله لعباده المؤمنين في كتابه في مواضع كثيرة ومتعدّدة. فالهدف هو بيان هذه الحقائق والتذكير بها حتى يُعمل بها، ولتكون فيها النجاة في اليوم الآخر، وليس مرادنا الحكم بالكفر أو الشرك على أحد من المسلمين.

    ونحن لا زلنا في صدد الحديث عن “الإنسان أوّلا”، ولعلّ أبرز ما يمكن أن تتمثّله هذه العبارة المستحدثة من رصيد شرعيّ هو وصايا لقمان الحكيم لابنه المؤمن، فكم كانت واضحةً أشدّ الوضوح تلك الأولويّة التي أعطاها لقمان الحكيم للحقيقة الأولى في هذا الدين خلال خطابه لابنه الانسان؛ لقد كانت هي الوصيّة الأولى بين الوصايا العديدة! وهذه الحقيقة هي حقيقة التوحيد: ((يا بُنيّ لا تُشركْ بالله إنّ الشركَ لظلمٌ عظيم)). والشرك ضدّ التوحيد، وهو الذي ينقضه أو يحدث الغبش فيه.

    فما هو التوحيد؟ وما هو الشرك؟

    ولا أهدف في هذا المقال إلى البيان المفصّل الجامع لهذه الحقائق الأساسية[2]، وإنّما أريد أن ألقيَ الضوء على عدّة نقاط تخصّ موضوعنا “الإنسان أوّلا”:

-       خطأ الفهم المنحرف الذي ذكرناه سابقا للإيمان والتوحيد عند الكثير من المعاصرين.

-       بيان بعض ظواهر الانحراف بين المسلمين وفي العمل الإسلامي فيما يخصّ هذه الأولويّات العقديّة، ممّا يستدعي مزيدًا من الاهتمام بها.

-       بيان واجب الدعوة المعاصر حيال “الإنسان أولا”، وبكلمات أيسر: ما الذي يجب أن نركّز عليه في عملنا الدعوي حتى يكون حقّا “الإنسان أولا”؟

    وسيكون هذا – بإذن الله وحده – في الجزء الثاني من المقال فتابعونا..

.

 (تابع مدونة أضواء على الفيس بوك: هنـا)

10.11.2011

عكا

شريف محمد جابر


[1]  راجع فصل “خطّ الانحراف” من كتاب “واقعنا المعاصر” للأستاذ محمد قطب.

[2]  راجع – إن شئت – كتاب “أصل الدين: عند الأئمة وسلف الأمة” للشيخ عبد المجيد الشاذلي، والكتاب يجمع أقوال السلف في بيان هذه الحقائق بأسلوب علمي يغلب عليه التكرار والاستفاضة بهدف تأكيد هذه الحقائق وبيان وضوحها في الكتاب والسنة ومصنّفات الأئمة وأقوال سلف الأمة.