من مغامرات بقّورة
.
(الحلقة الأولى: في المدينة)
.
بقّورة طفلة صغيرة لطيفة..
بقّورة لا تعرف لها أبا ولا أمّا، ومنذ أن تفتّحتْ عيناها للحياة وهي لا تعرف سوى عمّها “الحكيم” الذي ربّاها واعتنى بها حتى أصبحت طفلة صغيرة ذكية جميلة.
وعاشا سويّا في وئام وأمان في كوخ صغير يقعُ في طرف غابة كبيرة كثيرة الأشجار. وكان عمّها الحكيم رجلا عابدا زاهدا، يعملُ في قطع الأشجار وبيع الحطب في المدينة القريبة.
تستيقظُ بقّورة باكرا في موعد صلاة الفجر مع عمّها “الحكيم”، وتدعو بعد الصلاة بما علّمها من أدعيةٍ عن رسولنا الحبيب محمّد صلى الله عليه وسلم.
تدعو بقّورة وحدها خاشعة بعد كل صلاة فجر وتقول: “اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ، ومِنكَ السَّلامُ، تباركْتَ يَاذا الجلالِ والإكرام”.
ثم تردد: “أستغفرُ الله.. أستغفرُ الله.. أستغفرُ الله”.
وتقول أيضا: “لا إلَه إلاَّ اللَّه وَحْدَهُ لا شريكَ لهُ ، لهُ الملكُ ولهُ الحَمْدُ ، وهُوَ عَلى كُلِّ شيءٍ قَديرٌ. لا حوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّه، لا إله إلاَّ اللَّه، وَلا نَعْبُدُ إلاَّ إيَّاهُ، لهُ النعمةُ، ولَهُ الفضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسنُ، لا إله إلاَّ اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولوْ كَرِه الكَافرُون”.
وتقول أيضا: “سبحان الله” ثلاثة وثلاثين مرة، و”الحمد لله” ثلاثة وثلاثين مرة، و”الله أكبر” ثلاثة وثلاثين مرة، ثم تختمها بقولها: “لا إلهَ إلاَّ اللَّه وحْدَه لا شَريك لهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحمْد، وهُو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ”. فهي تعلم أن من قالها “غُفرت خطاياهُ وإن كانت مثل زبد البحر”، كما قال حبيبنا الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم.
وتدعو كذلك وتقول: “اللهمّ أعنّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك”.
تدعو بهذه الأدعية الشريفة بعد كلّ صلاة مكتوبة في كل يوم..
وتعلم بقّورة أنّ يومها لن يكون سعيدا دون أن تصلّي لربّها خاشعة وتدعوه وتذكره كثيرا..
لقد علّمها عمّها الحكيم طعم السعادة هذا حين كان هو القدوة الطيّبة لها في ذلك..
وبقّورة تحبّ عمّها الحكيم كثيرا كثيرا، وتتعلّم منه في كلّ ما تصادفه في هذه الحياة.
****
ذات يوم خرجتْ بقّورة مع عمّها الحكيم إلى المدينة كي يبيع الحطب الذي عمل على تقطيعه وجمعه من الغابة الكبيرة. وكانت تلك هي المرة الأولى التي تخرج فيها إلى هذه المدينة الكبيرة؛ فقد كانت قبل ذلك لا تزال صغيرة على سفر متعب مثل هذا، وكان عمّها الحكيم يبقيها عند جيرانهم الطيّبين. ولكن في هذه المرة قرّر عمّها الحكيم اصطحابها إلى المدينة حتى تتعرّف عليها، فهي لم تعتد أن ترى المدن الكبيرة في حياتها بل اعتادت على الحياة الريفية اليسيرة.
وعند مدخل المدينة لفتَ نظر بقّورة رجلٌ يجلس في زاوية المكان ويمدّ يده طالبا المعونة من المارين. ثمّ رأت عمّها الحكيم يدخل يده في جيبه ويعطي الرجل شيئا من المال، ورأتْهُ يُسرّه بكلمات لم تسمعها. ثمّ رأت ابتسامة رضا ترتسم على وجه الرجل، ورأتْهُ يقوم ويمشي متجهًا إلى قلب المدينة.
سألت بقّورة عمّها الحكيم: لماذا يطلب هذا الرجل المعونة من الناس يا عمّ؟
أجاب الحكيم: لأنّه فقيرٌ ويحتاج إلى المال كي يعتاش ويأكل وبيتَ ويلبس الثياب التي تقيه برد الشتاء وحرّ الصيف، وقد يحتاج إلى المال أيضا لإعانة أسرته على المعيشة الكريمة، فيطعم أولاده ويكسوهم ويعتني بهم، فكي نعيش حياة كريمة نحن بحاجة إلى المال يا بقّورة، ألا ترَيْنَ أنّني أقوم بقطع الأشجار وجمع الحطب وبيعه في سوق المدينة؟
قالت بقورة: نعم، فلماذا لا يقوم الرجل بالعمل حتى يرزق بالمال؟
قال الحكيم: سؤال جيّد يا بقّورة، أما لاحظتِ أنّني أخدته جانبا وتحدثتُ إليهِ بكلمات؟
قالت: نعم، فماذا قلتَ له يا عمّاه؟
قال: لقد رأيته رجلا سليم الجسم قويّ البنية، فقلتُ في نفسي: لماذا لا يعمل؟ فسألته عن سبب بطالته ولجوئه إلى طلب المعونة من الناس، فأجابني بأن المدينة مكتظّة، ولم يجد فيها عملا يقوم به. فأعطيته بعض المال حتى يشتري فأسا ويقوم بقطع الأشجار وجمع الحطب وبيعه في سوق المدينة، فسُرَّ الرجل كثيرا وشكرني، وذهب لشراء فأس ليعمل في تقطيع الأشجار وبيع الحطب. وقد قال رسولنا الحبيب محمّد صلى الله عليه وسلّم: “لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب، فيحملها على ظهره فيبيعها، خير له من أن يسأل رجلا، يعطيه أو يمنعه”. فرسونا الحبيب محمّد صلى الله عليه وسلّم يوجّه الناس إلى العمل يا بقّورة، والفرد المسلم يجب أن يكون نابضا بالعطاء لمجتمعه، لا عالةً عليه ما دام قادرا على العمل. واستخراج خيرات الأرض مطلوب في هذه الحياة، وتصوّري لو كان كل الناس في مجتمعنا مثل هذا الرجل، هل سيكون مجتمعا قويّا أم مجتمعا ضعيفا محتاجا؟ فمن صفات الضعف “الاحتياج”، ومن صفات القوة “الاستغناء”.
قالت بقّورة: ما أروع ما فعلته يا عمّاه، فجزاكَ الله خير الجزاء، ولكن ألا ترى يا عمّاه أنّه الآن سوف يبيع الحطب قبلك في سوق المدينة ممّا يجعلك تعودُ في كل مرة دون أن تبيع كلّ ما قمتَ بجمعه من الحطب، لأن التجار قد يشترون حطبه قبل حطبك؟
قال الحكيم: كلاّ يا بقّورة، فنحن المسلمون نؤمن أن الرزق مكتوب عند الله، وأننا مطالبون بالسعي لطلب الرزق وعدم الركون دون بذل الجهد. فالله – سبحانه وتعالى – هو الذي يرزقنا، وهو – سبحانه – الذي يرعانا ويحفظنا من الفقر والجوع والمرض. وما دمت أسعى لطلب رزقي وأنا متوكّل على الله تعالى فلن أخشى نقصا في المال ولا فقرا، لأنّ الله سبحاته هو الرزاق ذو القوّة المتين. يقول تعالى: “إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ” (الذاريات: 58). ويقول الرسول الحبيب محمّد صلّى الله عليه وسلّم: “لو أنكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا”. فانظري إلى الطير يا بقّورة، ألا ترين أن العصافير الكثيرة تغدو أسرابا لتأكل من نفس الغذاء، ويرزقها الله كلّها ولا يترك فيها عصفورا لا يجد طعاما؟ فكذلك أمرنا نحن البشر لو توكّلنا على الله حقّ توكّله ثمّ قمنا بالجهد المطلوب لكسب المال. والحمد لله على كل حال.
تعلّمت بقّورة في هذا اليوم أن القوّة تكمن في حيويّة أفراد المجتمع، ونشاطهم لكسب الرزق، وأن الخمول يجلب الضعف للمجتمع.
وتعلّمت أنّه لا ينبغي للإنسان الخوفُ على رزقه، ويجب أن يتوكّل على الله في جميع أحواله، وأن يطمئنّ إلى أنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يرزقه ويرعاه، وأن كلّ ما يردّده الناس كقولهم: “فلان قطعَ رزقي”! وأمثالها من عبارات الخوف من قطع الرزق لأسباب دنيوية هو ضعف في الإيمان، ولا حقيقة له في الواقع، فالله سبحانه وتعالى هو الرزاق ذو القوّة المتين.. وكما يرزق العصافيرَ الكثيرة يرزق البشرَ وكل كائن حيّ في هذا العالم!
وإلى حلقة أخرى في مغامرة جديدة لبقورة الصغيرة..
.
28.9.2011
عكا
شريف محمد جابر

بارك الله فيك اخي شريف.. قصة لطيفة وهادفة .. مع اني استغرب جدا اسم الطفلة “بقورة”
وفيك بارك الله أخي معاذ
في الحقيقة “بقّورة” هي دمية الطفولة التي ما زلت أحتفظ بها منذ أكثر من 20 عاما!
واسمها “بقّورة”.. أعتقد أن الوالدة حفظها الله هي من سمّتها هذا الاسم
وهي دمية على شكل بقرة صغيرة (هي التي في الصورة، مع بعض المؤثرات)
ااااه فهمتك
المشكلة انني لا أر الصور من هنا بسبب ضعف الانترنت لدي.. إذا فهي قصة مستوحاة من عبق الطفولة.. ولم لا؟
السلام عليكم..
قصة بسيطة وهادفة..
بارك الله فيك..
الحقيقة انني استمتعت جدا اثناء قراءتي…رائعه ..كلها مؤشرات ودلائل كثيره معبره.
بانتظار جديدك المميز….
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
خطوة موفّقة حقّاً .. الصّبغة الإسلاميّة البحتة والرّوح التربويّة التي تسيطر على القصّة راقت لي كثيراً .. ورغم أنّ القصّة للأطفال إلّا أنّني اسمتعت حقّاً بقراءتها كما ذكرت الأخت صابرين من قبل ..
وفّقكم الله ونفع بكم ..
ادامك الباري ذخرا وفخرا للمسلمين
قصه جميله لطيفه
على عكس اسم الطفله اللطيفه الغير لطيف
السلام عليكم
قصة جميلة وهادفة، بارك الله فيك أخي شريف
وجزاك خيرًا
وفقكم الله لما يحب ويرضى
دمتم بخير