Archive | فبراير 2012

حول وصف “الشرعية” في بلاد المسلمين

.

حول وصف “الشرعية” في بلاد المسلمين

.

لن يعود وصف “الشرعية” إلى دول الشعوب الثائرة إلا بتحقق شرطين رئيسين:

- الاجتماع على الإسلام (ولاية الإسلام)
- والانتساب إلى الشرع (سيادة الشريعة في الأحكام والقوانين)

والواقع أن الدول المدنية الحديثة التي يشيدها ممثّلوا الشعوب في البرلمانات على عين أمريكا والغرب أجمع هي دول أفضل من الدكتاتوريات السابقة لها، ولكنها مع ذلك لا شرعية لها، لأنها لا تحقق أسس الشرعية الإسلامية، بل خلافا لذلك فإنها:

- تجتمع على راية الوطن (نظام المواطنة) وليس على راية الإسلام.
- تنتسب إلى “سيادة الشعب” في الأحكام (الديمقراطية: سيادة الشعب مقابل سيادة الشريعة).

ملاحظة: حتى لو كانت غالبية الشعب مسلمة تريد الشريعة، فإنه من حيث المبدأ لا يجوز أن يكون تحكيم الشريعة وإقرار أحكامها منوطا بموافقة البشر مهما كان عددهم، فالمبدأ الحالي يجعل الشرعية متحققة بما اختاره الشعب مهما كان اختياره حتى لو كان خروجا عن أحكام الشريعة، ونحن نناقش المبدأ هنا، فالمبدأ الإسلامي ((فردّوه إلى الله)) والمبدأ الديمقراطي ((فردّوه إلى الشعب)). فإن حصل التطابق بين نتيجة الرد إلى المصدرين فهو توافق “عرضي” وليس “مبدئيا”، ولو وافق قرار الشعب أو ممثليه حكم الشرع فلا يعد قانونا شرعيا، لأنه صادر عن الجهة التي لا يحق لها التشريع؛ لأنه حق الله الخالص.

إن طريق الدعوة بعد هذه الثورات هو طريق العودة إلى “الشرعية”؛ عن طريق إحياء الأمة بإعادتها إلى الفهم الصحيح لحقائق الإسلام في مختلف مجالات الحياة، وتربيتها على هذا الفهم.

.

شريف محمد جابر

17.2.2012

عكا

قراءة المشهد الثوري: بين “الانتقاء” و “الاستقراء”

.

قراءة المشهد الثوري: بين “الانتقاء” و “الاستقراء”

.

قبل أن تقرأ شاهد هذا المقطع:

.

http://www.youtube.com/watch?v=x8tF1QAOlhc

.

لا يهمّني هنا كثيرا مضمون هذا الحدث المعروض في الفيديو بقدر ما تهمّني الإشارة إلى مرض نعانيه أو يعانيه بعض الناس “المتحزّبين” وراء فكرة معيّنة أو تيّار معيّن..
يأتون بالصور والمقاطع التي تُظهر رفع الرايات الإسلامية، والمناداة بالشعارات الإسلامية، حتى يقولوا في النهاية: ها هم الثوار في سوريا.. معظمهم يريد إقامة دولة الخلافة.. وسوف تفضي هذه الثورة إلى إقامة الخلافة بإذن الله… أو أن على المسلمين في سوريا العمل على إقامة الخلافة الآن.. وأن سوريا جاهزة في الواقع للخلافة.. إلى آخر أمثال هذه العبارات.. وهم يستندون في إثبات مضامين هذه العبارات على المقاطع التي ينتقونها ويتناقلوها، ومن ثم يشعر الكثير من الشباب ممّن لا خبرة لهم في الواقع الإقليمي والواقع السياسي ومفهوم بناء الدولة إلخ.. يشعر هؤلاء بأن هذا الكلام حقّ بل لا يجوز لأحد قول غيره وقد تمّ إثباته بالمقاطع الواضحة!

ولا اعتراض بطبيعة الحال على حلم الخلافة، ولا على إرادة تحكيم شريعة ربّ العالمين عند المسلمين.. ولكن الاعتراض هو على المنهجية “اللاموضوعية” في قراءة الواقع؛ إذ يركّز هؤلاء على مقاطع ينتقونها انتقاءً، ويضخّمون محتواها بأن يسحبونه على مجمل الحالة الثورية في سوريا! أو على التيار الغالب فيها..

ولا شكّ عندنا أن معظم أهل سوريا هم من المسلمين ومن أهل السنة خصوصا، وأنهم بمعظمهم يحلمون باليوم الذي يحكّم فيه الإسلام في نظام الدولة، ولكن يمكن لغيرهم من الناس أن يأتوا بمقاطع وفيديوهات أخرى (كالمقطع أعلاه) لا يظهر فيها مضمون “تحكيم الشريعة” ولا “الخلافة” ولا “رايات الإسلام”، بل على العكس تماما، مقاطع لأحداث ومسيرات ومظاهرات ضخمة تطغى عليها أعلام “سايكس بيكو” (المخالفة للراية الإسلامية بطبيعة الحال)، وشعارات الديمقراطية واحترام الاتفاقات الدولية (كما في مقطع الفيديو أعلاه!) وغيرها من الشعارات التي تناقض الدعوات لإقامة دولة إسلامية!
فأي المقاطع نصدّق؟!

في الواقع علينا أن نقرأ الحالة الثورية السورية وغيرها بمنهجية “الاستقراء العام”؛ أي بأن نستجمع عناصر الواقع جميعها، ولا ننتقي ما تهواه أنفسنا أو تتطلّع إليه أحلامُنا!
فنظهر الواقع كما هو عليه، لا كما ترسمه لنا أحلامُنا.. والواقع السوري من حيث أهداف الثورة وآفاقها يظهر لنا – بعد الاستقراء واستشعار المطالب الأبرز والأكثر علوّا (والتي يغفلها هؤلاء) في فعاليات الثورة – أنّها أهداف الحرية وخلع الاستبداد وإرساء معالم العدالة وقلع جذور النظام الأسدي الفاسد، الذي أرهب العباد وأنهك مقدرات البلاد، وطمس على أنفاس الشعب السوري، ورفع قانون الطوارئ، واستقلالية القضاء، والإفراج عن المعتقلين في السجون الأسدية..

وهذه المطالب كلّها تتمحور حول كسر حلقة “الاستبداد” في النظام السوري الحاكم، وتجتمع على هذا المحور كل مركّبات الثورة الحزبية واللاحزبية، والإسلامية والعلمانية، فهي ليست ثورة إسلامية لإقامة النظام الإسلامي بحذافيره، وهذا ظاهر لمن يعكف قليلا على استقراء الحالة الثورية في سوريا من قنوات الإعلام الشخصي والحر (مفهوم الإعلام الجديد) غير التابع لأي مؤسسة يمكن اتهامها بالعمالة والأجندة الخاصة.. وإنما هي هبّة شعب قام ليقول: لا للاستبداد.. ولا للظلم.. وهو مطلب “فطري” مركوز في أصل الإسلام. ولا ينفي ذلك اشتراك الكثير من عناصر الحراك الثوري – غير الإسلامية – تحت راية هذا المطلب، فهو مبدأ أساسي حتى عند من لا تهمّهم قضية إقامة النظام الإسلامي..

فعودًا على بدء أقول: إن منهجية “الاستقراء” في فهم واقع حراك معيّن واستخلاص أهدافه هي المنهجية الصحيحة؛ ذلك أنّها تجمع عناصر الواقع وتلملمها بموضوعية تامّة دون انحياز إلى رغبات وميول شخصية، ومنهجية “الانتقاء” كانت دائما عائقا أمام النهضة؛ لأنها تظهر الواقع بخلاف ما هو عليه حتى للعامل على تغيير هذا الواقع.. وأولى البديهيات في فقه تغيير الواقع هي “تحقيق الواقع” على ما هو عليه، أي فهمه في السياق الحقيقي له، لا في السياق الذي ترسمه أحلامنا.. وإلا فإننا سوف نقيم الواقع الذي نحلم به في أحلامنا فحسب!

ملاحظة: لا يظنّن ظانّ أن الإقرار بهذه المبادئ للثورة السورية يعني التناقض مع إقامة النظام الإسلامي الشرعي في أي من بلاد المسلمين؛ فكسر حلقة الاستبداد في الواقع الراهن هو – عمليا – إحدى الخطوات المهمّة الأولى في طريق إقامة “الشرعية” الإسلامية، وقد بيّنا هذا في تدوينة سابقة: هنـا.

.

شريف محمد جابر

20.2.2012

عكا

حول إقامة الشريعة في الواقع المعاصر

.

حول إقامة الشريعة في الواقع المعاصر

.

بعض الناس يظنّ أنّ أمر إقامة الشريعة هو أمر سهلٌ على اعتبار أن الأمة الإسلامية جاهزة له، وأودّ في هذه الكلمات القلائل أن أبيّن بأنّ النظرة الموضوعية والمراعية للواقع الراهن تفرز أمام المتبصّر عوائق كبيرة ينبغي تجاوزها بغية إقامة دين الله في الأرض، وهي عبارة عن (3) حلقات ينبغي كسرُها قبل أن تستطيع الأمّة الإسلامية أن تُقيم شريعتها في أي مكان من بلاد المسلمين:

- الحلقة الأولى: حلقة الاستبداد: وقد تمّ كسرُها – بفضل الله عزّ وجلّ – في بعض بلاد المسلمين مثل: تونس، ومصر، وليبيا.

- الحلقة الأخرى: حلقة الهيمنة الغربية: وهي تعني الخروج من سيطرة وتأثير القوى الغربية العظمى المتحكّمة في سياسات واقتصاد البلاد الإسلامية، وعلى سبيل المثال فإن بلدا مثل مصر تخضع حتى هذه اللحظة تحت الهيمنة الأمريكية عن طريق عملاء أمريكا حكّام مصر الآن من العسكر (المجلس العسكري، والأمر كذلك منذ العسكري الهالك عبد الناصر).

- الحلقة الثالثة: حلقة ضعف الدولة: فينبغي على من يفكّر في إقامة نظام حكم مغاير لما تفرضه “الشرعية الدولية” بقيادة أمريكا (والنظام الإسلامي كذلك) أن يحوز على عناصر قوة الدولة على جميع الأصعدة؛ علميّا، وتكنولوجيا، وصناعيّا، وعسكريّا، وفي مجال التعليم والصحة والبيئة والقضاء على مظاهر الضعف الاجتماعية.

ومتى تمّ كسر هذه الحلقات الثلاث – بإذن الله تعالى – مع وجود “أمّة” قائمة بأمر الله عز وجل ومحتشدة في سبيل إقامة شرعه، لا يناوئها تيار في بلاد المسلمين إلا كانت قوتها الشعبية أقوى منه، متى تمّ ذلك فإن الشريعة قادمة لا محالة بإذن الله سبحانه وتعالى، والله الموفّق والمعين.

.
شريف محم جابر

12.2.2012

عكا

على شفار الأماني..

.

.

على شفار الأماني..

 .

السواد الذي نراهُ في الطريق أمامَنا شيءٌ تبدّدُهُ الأحلام وإرادَةُ تحقيقها..

 .

يا لوعةَ الحُلُمِ الأسيرِ إذا تفتّحَ عنهُ جَفني!

لنْ يجتلي غيرَ السرابِ ولنْ ينالَ سوى التمنّي

فالبؤسُ يكمنُ في الطريق ويسلبُ النعماءَ منّي

وَيحي فما في الدربِ طيفٌ ينثرُ الأحزانَ عنّي!

.

أختاهُ سَلّي الحُزْنَ من عينيكِ فالدَيْجورُ زائلْ

وبوادرُ الأمَلِ النديِّ تُطلُّ من خلفِ الزلازِلْ

حسبي وحسبُكِ أنّنا في هذه الدنيا مواثلْ

عبراتُنا مَطَرٌ تساقَطَ فارتوتْ منهُ السنابلْ

والأمسُ ليسَ لهُ رصيدٌ.. ليسَ في ذكراهُ طائلْ!

.

الحُلْمُ أومأَ للأماني الذابلاتِ على الثرى

فوَثَبْنَ يَنْفُضْنَ المآسي وانطَلَقْنَ إلى الذُّرى

لَمْلَمْنَ ما في شقوةِ الماضي الحزينِ تبعثرا

ومضَيْنَ خلفَ النور يستهدينَ في هذا السُّرى!

.

النّورُ يغمرُ مقلتَيْ عانٍ وعَيْنَيْ مُجهَدِ

وضفائرُ السلوانِ تنسجُها يدُ الحُلُمِ الندي

والحزنُ والآلام في كفَّيْ فضاءٍ أسوَدِ

وهواتِفٌ في النفسِ ترسُمُ هَوْلَ هذا المشهدِ

ماذا تبقّى غيرُ هذا الحلمِ.. ماذا يا غدي؟

.

الأفْقُ مشدوهُ المحاجر والدُّجى يختالُ كِبْرا

يهوي بمخلبه يَقضُّ مضاجعَ الأحلام ذُعرا

فتفرّ من أيدي الردى وتكرّ في الآفاقِ طورا

حتى إذا تعبَ الدُّجى غَفَتِ المواجع فيه تترى

وتَمَلْمَلَ الصبحُ الوليد لينثرَ الأحزانَ نثرا

عادَتْ إلى الحلمِ الأماني وانتشى في الكونِ حُرّا!

 .

5.12.2010

عكا

شريف محمد جابر

بين الصحابي ربعي بن عامر ود. عبد المنعم أبو الفتوح: حوار موضوعي هادئ

.

بين الصحابي ربعي بن عامر ود. عبد المنعم أبو الفتوح: حوار موضوعي هادئ

 .

حين سئل د. عبد المنعم أبو الفتوح في أحد البرامج التلفزيونية عن تطبيق الشريعة كان مما قال: “ربعي بن عامر لمّا سئل من ملك الفرس لماذا جئتم أيها المسلمون؟ قال له: جئنا من أجل الحرية والعدالة والرفاهية (!) .. بس قالها بمصطلحات يومه: جئنا لنخرج الناس من جور السلطان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وده معنى الحرية الحقيقة، أن الإنسان لا يكون عبدا إلا لله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، اللي هي أساس التنمية والرفاهية، فالحرية والعدل والرفاهية دول أعظم ما في الإسلام..” انتهى الاقتباس  (من لقاء على قناة دريم الفضائية).

_______________________________________

تعليقي: من الخطأ إسقاط المصطلحات الحديثة التي نشأت في سياق علماني بحت على تعابير إسلامية نشأت في سياق وبأهداف مغايرة تماما! فكيف يُقال إنّ الصحابي ربعي بن عامر كان يقصد هذه المعاني التي ذكرها أبو الفتوح؟!

فإذا سلّمنا بالعدل، فإن الحرية بمفهومها الحديث ليست مرادفا لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وإنما تكون الحرية الحقيقية هي أحد مقتضيات العبودية لله وحده، بالإضافة إلى مقتضيات محورية لم يذكرها الدكتور أبو الفتوح. وبخصوص الرفاهية والتنمية فهي في السياق العلماني الذي نشأت فيه تعني الاهتمام بتحقيق أكبر قدر من السعادة للعنصر البشري في هذه الحياة، مع إغفال أي إعداد للدار الآخرة.

إنّ مدلولات المصطلحات الحديثة تظلّ أسيرة أمرين:

1)       السياق الذي أنشأها واعطاها مدلولها، فهو الأحق بتبيان هذا المدلول.

2)       وأسيرة المعنى المتعارف عليه في العالم، فلو أخذت أنا العبد الفقير مثلا مصطلح “الديمقراطية” وأعطيته معاني لا تتناقض مع الإسلام وروجت له بهذا المعنى فإن الأمر لن يمر بخير، لأن أداة الترويج العالمية للديمقراطية تطرح مدلولها بمعاني أخرى تماما ومناقضة للإسلام، فيمكننا أن نقول: إن “العرف العالمي” المستخدم للمصطلح هو الذي يغلب ويأسر دلالته لما يريد من معاني.

وكذلك الأمر مع اصطلاحات مثل “الرفاهية” و”الحرية”؛ فالحرية بالمفهوم الغربي  مرتبطة بمنظومة الحريات في النظام الديمقراطي، وهي غير ما أتاح الإسلام من حرية، وكذلك رفاهية الأفراد التي يركز عليها النظام الرأسمالي الليبرالي مغايرة في مدلولها للرفاهية التي لا تكون على حساب الآخرة في النظام الإسلامي.

خلاصة الأمر أن العبودية التي تحدّث عنها الصحابي الجليل ربعي بن عامر لها ثلاثة أركان  لم يتحدث عنها الدكتور أبو الفتوح:

- أن يكون الحكم لله بلا شريك.

- أن يكون الولاء لله بلا شريك.

- أن يكون النسك لله بلا شريك.

والحكم لله بلا شريك يتنافى مع مفهوم “سيادة الشعب” في النظام الديمقراطي، وهو أمر تجدر الإشارة إليه في سياق التعريف بمعنى تطبيق الشريعة!

والولاء لله بلا شريك يتنافى مع مفهوم المواطنة والتجمّع على أساس الوطن، فالولاية لا تكون إلا لله وبالله، وشرعية الدولة في الإسلام لا تتحقق إلا بالاجتماع على الإسلام.

فإذن: “الاجتماع على الإسلام كرابطة ولاء، والانتساب إلى الشرع في الأحكام” هي أساس النظام الإسلامي، ولكن حين نراجع تعريف د. أبو الفتوح لمعنى تطبيق الشريعة لا نجد شيئا منها! فكيف يغفل عن هذه المعاني في حديث للتعريف بمعنى تطبيق الشريعة؟!

ورفاهية الأفراد والتنمية لا تعني “من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”، فربعي بن عامر أضاف تعبير “سعة الآخرة”، وتحقيق الرفاهية والتنمية في الدنيا لا يشمل في مدلوله “سعة الآخرة”! ولذا كان الأجدر “علميا” أن يبيّن الدكتور أبو الفتوح أهمية الدار الآخرة في بنية النظام الإسلامي، لا أن يسقط تعبير الصحابي الجليل على مصطلح حديث لا يفي “موضوعيا” بمدلولات ما قال!

علينا أن نكون موضوعيّين مع الإسلام ومع أنفسنا، ونطرحه كما هو في سياقه الحقيقي دون تحوير أو محاكاة للأنظمة الوضعية والاصطلاحات الوضعية. وقد نبدع من الاصطلاحات ما نحتاجه كي نقرّب مفهوم تطبيق الشريعة إلى الأذهان في الواقع المعاصر، ومجال ذلك هو “اللغة المعاصرة”، باعتبار أن كل عصر له طرائق تعبيره، ولكن ليس مجاله الاصطلاحات التي تحتوي على مضمون مسبق لا يمكن تحويره!

وأخيرا: أنا لا أرفض أن تحقق الشعوب رفاهية وتنمية أعلى مما هي عليه، بل هي أمور مطلوبة حتى تتوفر “القوة” الاقتصادية والاجتماعية التي تتحمّل تكاليف إقامة الحق والعدل ونشر الدعوة الإسلامية في ربوع الأرض. وكذلك الأمر مع الحرية، فهي مطلوبة حتى يحقق الإنسان ذاته ويكون قادرا على القيام بتكاليف الحياة والإبداع فيها، وهي كذلك كما ذكر د. أبو الفتوح مشكورا لا تتحقق إلا بعبادة الله وحده. ولكن الذي أرفضه هو أن تستحضر هذه المعاني والمصطلحات للتعريف بمبادئ النظام الإسلامي! وهي في الأساس – بضوابطها الإسلامية – مقتضيات لتطبيق النظام الإسلامي كما ينبغي، بالإضافة إلى مقتضيات أخرى، وأساس هذا النظام هو “سيادة الشرع” بمعنى أن التشريع حقّ خالص لله، وأن الحاكم والمحكوم ملزمَين بالتحاكم إلى الشريعة عمليا، وبأن الاجتماع يكون على أساس الإسلام كرابطة ولاء، مع عدم نفي أهمية مشاركة الأمة عن طريق أدوات الشورى والمراقبة والعزل والاختيار والحسبة (إقرأ إن شئت هذا المقال في الموضوع: ماذا يعني تحكيم الشريعة؟). وحين أقرأ أو أسمع لمن يعرّف معاني تطبيق الشريعة بالمصطلحات التي يتحدّث عنها الغربيّون مع تغافل شبه تام للأسس الحقيقية للنظام الإسلامي، حين أقرأ أو أسمع ذلك أشعر بمدى “التبعية” التي وصلنا إليها حتى في طرائق تفكيرنا.. حيث تكون الأعراف الدولية في النظم المعاصرة هي محور تفكيرنا، فنستعير اصطلاحاتها وقضاياها وشعاراتها التي تدندن حولها حين نعرّف بنظامنا الإسلامي المنشود! مع أن الإسلام جاء أصلا بمثابة ثورة تغييرية ليستبدلَ قيما أخرى بالقيم الجاهلية القائمة.. وهل ثمّة شكّ عند المسلم أنّ النظم الغربية المعاصرة التي تدندن حول مطالب مثل: الرفاهية والحرية والديمقراطية وغيرها هي في صميمها نظم جاهلية؟! فلِمَ تكون شعارات هذه الجاهلية المرفوعة اليوم هي ما نعرّف به معنى تطبيق شريعتنا في أحاديثنا وحواراتنا؟!

 .

شريف محمد جابر

7.2.2012

عكا