(هذا المقال من سلسلة مقالات بعنوان: “المنطلقات الفكرية للإسلام”)
.
إنّ الحقيقة الإلهيّة أكبر من أن يحتاج أيّ إنسانٍ إلى إثباتها! ذلك أنّ الإيمان بها مودَعٌ في أصل الفطرة البشريّة، فالإنسان مفطور على الإيمان بالله وتوحيده، ولكنّ المشكلة تحدث حينما تغشّي الغواشي على هذه الفطرة ويغطّيها الركام فتُحجب عن الحقّ إمّا بعبادة الله على ضلالة أو أن تزعم لنفسها أنْ لا إله!
يقول تعالى: “فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون” (الروم: 30)، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمةَ هل ترى فيها جدعاء؟” (فتح الباري شرح صحيح البخاري). وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: “ألا إن ربّي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم ممّا علمني يومي هذا كل مال نحلته عبدا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلّهم وإنّهم أتتهمُ الشياطين فاجتالتهم…” (صحيح مسلم). ولستُ أسوقُ الآيات والأحاديث إلا لبيان التفات “المنهج” الإسلامي إلى تلك الحقيقة.. حقيقة أنّ الذي يحجب القلب عن الإيمان هو الركام الذي يغشى الفطرة، ويكون دور الدعوة هنا هو استنقاذ الفطرة من تحت هذا الركام.. لأن قضيّة وجوده – سبحانه – بدهيّة لا تحتاج إلى إثباتها! أمّا ما يخوض فيه العلماء في الدلالة على وجود الله فالأصح أن نقول إنّه إزالة الركام عن الفطرة حتى ترى الحقَّ واضحًا لا تغشاه غاشية.
“وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون”؟ (الذاريات: 20، 21).
“أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقون”؟ (الطور: 35).
حقيقتان يلفت القرآنُ الإنسانَ للنظر والتفكّر فيهما.. حقيقة الكون (والأرض جزءٌ منه) وحقيقته هو ذاته (الإنسان). كلّ واحدة منهما لها وجود محسوس لدى الإنسان لا يجادل فيه، ولا يفهم الإنسان شيئًا موجودًا بدون موجِد.. ولا حدثًا بدون مُحدِث.. فهو ينظر إلى هذه الأرض وإلى الكون ويرى عنصر “الحركة” فيه ويربط كل حركة بمسبباتها. هكذا يعمل عقل كلِّ إنسان. ولكنّه لا يلبث إلا أن يصل إلى مصدر واحد لكلّ الأسباب التي يراها! ثمّ ينظر إلى نفسه.. ويرى أنّه مركّب بطريقة تبعث على محاولة استكناه الغاية من وجود هذا الخلق الكريم، إنّه لا بدّ من غاية! وإلا فلِمَ تلك الاستمرارية في الوجود على سطح الأرض؟ لِمَ تلك القدرة على التزاوج والنسل؟ لِمَ توفّر الطعام والماء والمناخ في الأرض الضرورية كلّها لحياة الإنسان؟ لماذا أعيشُ وأتكاثر؟! وحين يدرك الإنسان وجود تلك “الغاية” ويدرك هذا التسخير الكريم العجيب للكون ليكون الملعب الذي يتكيّف فيه الإنسان أكلاً وشربًا وتكاثرًا.. حين يدرك كل ذلك يتساءل: من أوجَدَ كلّ هذا؟ ولماذا؟
ثم إنّه ينظر في “النظام” الدقيق لهذا الكون، المتمثّل في دورة الشمس والقمر والنجوم وغيرها.. والمتمثل في الطبيعة المتنوعة المظاهر. وينظر في “الجمال” المبثوث في هذا الكون.. إنّه جمال مقصود.. إنّه ليسَ عشوائيًا! ثم ينتقل إلى “حقيقة الحياة”.. فيرى “الدقة” في كل بيئة تعيش فيها الكائنات المختلفة وفي كل حيّ منها! ويرى “الجمال” الخلاب المتنوع في الأحياء.. في الورود والأشجار والأسماك والحيوانات والطيور. ثمّ يعود فينظر إلى نفسه وإلى الدقة في تكوينه ويبصر القصد كذلك، ويبصر العلاقة الجميلة التي تجري بين تلك الحقائق الثلاث: “الإنسان” و “الكون” و “الحياة”، لا يمكن أن يعيش هو لو فقدت الحياة على وجه الأرض! ولا يمكن أن يعيش دون هذا الكون.. تلك حقيقة واضحة دامغة! ثمّ إنّه يلاحظ ذلك النظام وتلك الدقة المعجزة في العلاقات التي تجري بين الحقائق الثلاث، فيدرك “التدبير” المحكم فلا بدّ من مدبّر حكيم، ويدرك “الغاية” الواضحة فتنتفي العبثيّة من حسّه، وأولا وآخِرًا يدرك الوجود فلا بدّ من موجِد!
“أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقون؟” (الطور: 35).
“والأرض مددناها وألقَيْنا فيها رواسيَ وأنبتنا فيها من كلّ شيءٍ موزون” (الحجر: 19).
“وقدّر فيها أقواتها” (فصلت: 10).
وتتبجّح الجاهلية المعاصرة اليوم فتزعم أنّه ليس ثمّة خالق حكيم مدبّر خبير خَلَقَ كلّ هذا! وحينما نسأل أولئك العلماء الجاهليّين المعاصرين: من الذي يُجري ويدبّر كل ما يحدُثُ في هذا الكون العريض؟ يجيبون: إنّها الطبيعة! وما هي الطبيعة؟ يجيبون: إنها قوةٌ خفيةٌ ليس لها حدود، ولكن لها مظاهر يمكن أن تدركها الحواس! أو لسنا ندرك حقيقة وجود الخالق – سبحانه – من مظاهر خلقِه التي تدركها حواسّنا؟! فلماذا الإصرار باستبدال كلمة “الله” بكلمة “الطبيعة”؟
نحن نفهم أسباب إصرار الجاهلية الغربية المعاصرة على نفي وجود الخالق وعلى نفي تدخّله في منهج الحياة. تلك أسباب تعود للعصور الوسطى المظلمة من تاريخها.. حين كان “الدين” هو العنصر الظالم الكابت لقدرات الإنسان.. الذي يقتل آباءُ الكنيسة باسمه العلماءَ! نحن نفهم إصرار الجاهلية على ذلك.. ولكنْ أن تستبدل به إله أصمّ لا يسمع ولا نعرف عنه شيئًا سوى أنّه قوة خفيّة ليس لها حدود! إنّ هذه القولة تحمل في طياتها المفتاح الأول لإيضاح حقيقة وجود الخالق، إنّ الإنسان يعرفُ أنّ الذي يتغيّر وينقص ويزداد هو شيء يفتقر إلى صانع، ويعلم أن الدقة المعجزة تحتاج إلى حكمة وخبرة، ويعلم أن الشيء الجميل لا بدّ له من صانع أحسن في الصنعة، ويعلم بعد كلّ ذلك أن الوظائف المتنوعة والعلاقات المتشابكة الدقيقة في ثنايا هذا الكون تنبئ عن غاية من إيجادها كلّها!
فلينثر الإنسانُ كلّ ما يغشّي على بصيرته ولينظر في هذا الكون!
“قل: انظروا ماذا في السماواتِ والأرضِ وما تُغني الآياتُ والنُّذُرُ عن قومٍ لا يؤمنون”! (يونس: 101).
وحين ينظر الإنسان إلى هذا الكون ويسلّم بتلك الحقيقة الدامغة التي تفسّر له أصل هذا الكون وتفسّر له أصل الإنسان وأصل الحياة.. حين يدرك أنّه لا بدّ من خالق حكيم مدبّر أحسنَ خلقَه لا يمكن بعد ذلك أن يعتقد وجود أكثر من خالق وأكثر من مدبّر! ولكنّ بعض الجاهليات قديمًا (وحديثًا!) عانت من ضلالة تعدد الآلهة!
“لو كان فيهِما آلهةٌ إلا اللهُ لفسَدَتا فسبحان اللهِ ربِّ العرشِ عمّا يصفون”! (الأنبياء: 22)
ألا يخلُق كلّ إله بمفردِهِ ما يشاء وكيف يشاء؟ فكيف يمكن أن يتطابق الخلق الصادر عن كل إله من تلك الآلهة بكلّ أنواعِه وألوانِه من جبال وأنهار وحيوانات وطيور وبحار..إلخ؟ كيف تنتظم دورة الفلك إذا أنشأها إلاهان مختلفان وأشرفا على شؤونها؟ كيف يمكن لها أن تنتظم إذا تعدّدت الإرادة التي تهيمن عليها وتسيّرها؟ ألا يحدث أن يريد أحد تلك الآلهة المزعومة للشمس أن تشرق من الغرب ويريد الآخر لها أن تشرق من الشرق؟ فكيف تصير الأمور؟! هل يمكن أن تنتظم أمور الكون حينئذٍ؟ أم يصبح كل ما في هذا الكون فوضى فتتصادم الإرادات وتتعارض فيفسد كل شيء؟!
“لو كان فيهِما آلهةٌ إلا اللهُ لفَسَدَتا”!
وإن زعم زاعمٌ أنّ تلك الآلهة “متعددة” ولكنّ إرادتها واحدة وتدبيرها واحد لا يتعارض فلماذا لا تكون إله واحدًا إذا انسجمت في كلّ شيء؟ وكيف تكون إحداها بصفة “إله” إن لم تكن إرادتها حرّة غير مرتبطة بغيرها؟ ثمّ إنّ زعْمَ وجودِ آلهة متعدّدة زعمٌ لا يوجد عليه دليل ولا برهان:
“أمِ اتَّخذوا من دونِهِ آلهةً قُل هاتوا برهانكم”! (الأنبياء: 24).
إنّ الأمر ليس فوضى كلٌّ يقول فيه بهواه! لا بدّ من برهان على زعمهم بأنّ الكون – بهذا النظام المحكم – له أكثر من إرادة تسيطر عليه! فإذا انتفى البرهان سقطَ هذا الزعم المتهافت!
“ما اتّخذ اللهُ من ولدٍ وما كانَ معَهُ من إلهٍ إذًا لذهبَ كلُّ إلهٍ بما خلقَ ولعلا بعضُهُمْ على بعضٍ سبحانَ اللهِ عمّا يصفون” (المؤمنون: 91).
هل يمكن أن يتنازل كلّ إله عن خلقهِ لإله آخر؟ أم سوف يحدث بينهم نزاع على السيطرة المطلقة على كل الخلق؟ ومن ثمّ يُطلق كل إله الأوامر المختلفة عن أوامر غيره من الآلهة فتتباين الأوامر وتتضاد! فهل يستقرّ حال الكون حينها وهل ينتظم؟ كلا! إنّ الكون الذي يظهر عليه الاتساق الكامل والانضباط يدلّ على وحدة السيطرة ووحدة التدبير!
وبعد أن ناقشنا “المشركين” وبيّنا تهافت زعمهم وتفاهته نعود لأولئك الذين يتبجحون بإنكار وجود الله تعالى.
“أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هُمُ الخالقون”؟
إنّ هذه الآية تحمل أكبر تحدٍّ للعقل البشريّ الذي ينكر وجود الله الخالق.. كيف يمكن لهذا العقل أن ينكر وجود الله والكونُ من حولِه يحاصره ويرشده إلى حقيقة وجوده تعالى؟ وإذا لم يقرّ بوجود الله فكيف يواجه أمر هذا الخلق الذي تدركه حواس الإنسان والذي لا سبيل إلى إنكاره؟ كيف تمّ؟ أمن دون خالق أم من العدم؟ وبعد ذلك كيف انتظم بتلك الدقة المعجزة على مرور الملايين من السنين دون خلل ولا اضطراب؟
هنالك ثلاثة احتمالات لا رابع لها حول تفسير وجود الكون وما فيه (والآية الكريمة أعلاه أشارت إلى احتمالين منهما ببلاغة وإيجاز):
1) أن يوجدَ من العدم. 2) أن يوجِدَهُ الإنسان. 3) أن يوجِدَهُ خالق حكيم مدبّر.
وهل العدم يستطيع أن يوجِدَ شيئًا بذاته؟ علماء الفيزياء أنفسهم ينفون ذلك لأنّه قانونٌ عندهم! وهل يمكِنُ لهذا الإنسان الضعيف أن ينشئ الكون العريض ويشرف على تدبيره؟ تلك مقولة لا تصدر إلا عن ساذج! فماذا بقيَ؟ هل هناك احتمال رابع؟ أم إنّه احتمال أخير وحيد بأن الله الواحد هو الذي خلقَ هذا الكون وما فيه وهو الذي يدبّر أمره؟! هل أتى أحد باحتمال رابع سوى أن قال المتبجحون المعاصرون إنها “الطبيعة”! حتى قال قائلهم: إنّ الطبيعة تخلق كلّ شيءٍ ولا حدّ لقدرتها! (تشارلز دارون) أليس هذا هو الله الذي خلق كلّ شيء ولا حدّ لقدرته على الخلق! فلماذا يبدّلون التسمية وأي منطقٍ يعوزهم لذلك إلا أن يكون هو الهوى والاستكبار عن الاعتراف بالحق رغم توصّلهم إليه ومعرفتهم بأدلة العقل أنه لا بدّ من خالق:
“وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعُلُوًّا” (النمل: 14).
وبعدُ.. فلم يبقَ بعد ذلك إلا أن نعرف من هو الله؟ وما هي صفاته؟ وماذا يريد منّا؟ وبكلمات أخرى فإنّ هنالك الكثير من المذاهب والديانات تزعم أنها الحقّ وأنّ دينها يمثّل دين الله الذي ارتضاه للإنسان، فأيها أحقّ بالتصديق والاتباع؟ لا بدّ لنا إذًا – ونحن نتحدث عن “المنطلقات الفكرية للإسلام” – أن ننظر للكتاب الذي يقول المسلمون إنّ الله أنزله على رسوله محمّد – صلى الله عليه وسلّم – حتى نتيقّن أولاً من كونه من عند الله بالبراهين والأدلة ونتعرف ثانيًا على الله والغيب المجهول وعلى الغاية التي أوجدَنا من أجلها وعلى المنهج الذي يريد منّا أن نتبعه. ومن دون أن نسلم بالحقيقة الأولى بأن هذا القرآن من عند الله كاملٌ صحيحٌ لا نستطيع أن نصدّق أيّ شيءٍ مما يرد فيه! وفي المقال القادم سوف نعرض – بإذن الله – لتلك الحقيقة الأولى ونبرهنها، حقيقة كون القرآن من عند الله.
المنطلقات الفكرية للإسلام هي تلك الإجابات التي يجيب بها الإسلام على “أسئلة الفطرة”. وهي أسئلة تصدر من كل إنسان سويّ على وجه الأرض – بوعي منه أو بغير وعي – بغض النظر عن دينه أو عرقه أو موطنه الجغرافي، ويجيب عليها بوعي منه أو بغير وعي كذلك.
من أين جئنا؟
ولماذا نعيش؟ (أي ما هدف الوجود الإنساني)
وماذا بعد الموت؟
وكيف نعيش؟ (أي على أيّ منهج نعيش).
يزعم بعض الناس أن تلك الأسئلة ليست أصيلة في كيان الإنسان، وأن “الديانات” هي التي أتت بها من عندها، ومن ثمّ فإنه من العبث أن نفترض صدورها من كل إنسان سويّ! ولن أناقش كثيرًا عند هذه النقطة بالتحديد، لأنني سوف أعرض لكل سؤال وما يتعلق به من خلال المقال، وفي نهاية المقال سيتضح أن كل إنسان يجيب على هذه الأسئلة ويتشكّل سلوكه في الحياة بناء على تلك الإجابات، ومن البديهي أن الإجابة يسبقها تساؤل.. بوعي أو بغير وعي!
السؤال الأول: من أين جئنا؟ وهو تساؤل فطري حول قضية “المنشأ”، منشأ هذا الإنسان.. وقد تكون الإجابة على هذا السؤال أنه ليس هنالك إله خلق هذا الكون والكائنات الحية فيه، وأن تفسير وجود الكائنات الحية بما فيها الإنسان هو “التفسير الحيواني للإنسان”، وأعني به “نظرية التطور” التي أتى بها تشارلس دارون (ت 1882) ثم طوّرها فيما بعد غيره من العلماء والتي تتمحور حول نشأة الأنواع الحية وتطورها عن طريق الانتخاب الطبيعي، أي استحداث صفات جديدة في الأنواع أو ظهور أنواع جديدة بفعل التغيرات التي تحدث في “الطبيعة” خلال ملايين السنين من عمر الحياة على سطح الأرض. ومن خلال هذه العملية التي سُمّيتْ عملية “التطور” سارت الحياة في سلسلة طويلة من الرقي التدريجي بدأت بالكائن الوحيد الخلية وانتهت بالإنسان! وقد قال دارون في أحد كتبه: “إن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق”، وقال: “إن الطبيعة تخبط خبط عشواء”. فهو ينفي يد الله من عملية الخلق كله، كما ينفي الغاية والقصد، لأنه يقرر أن الحياة وجدت على الأرض بالصدفة في ظروف معينة!
وبناء على هذا التوجه الذي ينفي وجود قوة “غيبية” تؤثر في عملية الخلق تتحدد الإجابة على بقية الأسئلة؛ فبالنسبة لسؤال “الغاية” من الوجود الإنساني (لماذا نعيش؟) فلا غاية.. لأن الحياة وجدت بالصدفة وتشكّلت من خلال عملية التطور! وبالنسبة للسؤال حول “المصير” بعد الموت (إلى أين؟) فكذلك تتضح الإجابة أنه ليس هنالك يوم آخر كما تؤمن “الديانات” ولا حساب ولا جزاء ولا جنة ولا نار.. لأن نفي الإله يقتضي نفي كل ما يتعلق به من “غيبيات”، فقضية “الإنسان” سوف تنتهي بعد أن يموت.. بمجرد أن يفقد الحياة ويوارى في التراب!
وقبل الوصول إلى الإجابة على السؤال الأخير بالنسبة لأصحاب هذا التصور أحبّ أن أرد على شبهة “اللاأدريين” الذين يقولون إنّ قضية وجود الله وأصل الكون لا يمكن معرفتها، أي لا يمكن إثبات وجود الله الخالق – بنظرهم – ولا يمكن إثبات عدم وجوده! وبذلك يزعمون أنهم لا يجيبون نفس إجابات منكري وجود الله. ولكن الحقيقة الواقعية البعيدة عن الجدل “الفلسفي” النظري تقول إن ذلك لا يفرق بين الاتجاهين في شيء من حيث التطبيق العملي، ذلك أن كلا الاتجاهين متفق في “عدم القدرة على إثبات وجود إله” أي كلاهما لا يؤمن بوجود إله مدبر حكيم والبديل هو واحد عند الفريقين، أعني الإجابة على السؤال الأخير “كيف نعيش”؟ (أي على أي منهج نعيش) وعلى أي شيءٍ نحتكم في اختياراتنا في جميع أمور الحياة؟ فبعد عدم الاعتراف بوجود خالق بالنسبة لهم، وبعد انتفاء “الغاية” وانتفاء فكرة البعث ووجود حياة أخرى بعد الموت كيف سيكون نهجهم في الحياة حينها؟
سوف تتمحور الإجابة حول الكيفية التي تتحقق بها “سعادة” هذا الإنسان على الأرض في رحلته القصيرة بين “المنشأ” و “الممات”. فليس ثمّة غاية.. وليس ثمّة حياة أخرى تتعلق بأعمال الإنسان واعتقاده في الحياة الدنيا.. فإذًا سيكون مفهوم “السعادة” هو تحقيق الاستمتاع في الأرض بأعلى قدر ممكن بعد تحقيق الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب وأمن واستقرار وطمأنينة. وسينشغل الإنسان بإشباع رغباته مع التفنن في هذا الإشباع عن طريق تحسين الحياة وتطويرها، فهي حياة قصيرة لا وجود لكيانه بعد انتهائها! فلِمَ لا يسعد بأكبر قدر ممكن؟ بهذا المفهوم الدنيوي للسعادة! وسيكون “العقل” أو “الهوى” هو المحكم في أمور الحياة.. هو واضع منهج الحياة!
هذه “المنطلقات الفكرية” التي هي عبارة عن إجابات على أسئلة الفطرة الأربعة هي “الأساس” الذي تنبثق عنه الصورة الواقعية لوجود الإنسان على سطح الأرض، سواء وجوده المادي أو وجوده المعنوي، وسواء وجوده السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. ومرة أخرى أقول: ليس من الضروري أن يكون كل إنسان واعيًا لتلك المنطلقات الفكرية، فقد يعيش بناءً عليها على غير وعيٍ كامل أو ربط مباشر لسلوكه بها، وقد يكون مقلّدًا للآخرين.. ولكن هذا كله لا يغيّر الحقيقة الواقعة، وهي أنّ أفكاره ومشاعره ومنهج حياته وأنماط سلوكه وعلاقاته بالكون والحياة والإنسان ستكون كلّها مرتبطة بمنطلقات فكرية معينة تتمثل بالإجابات على الأسئلة الأربعة.. أسئلة الفطرة. وقبل أن ننتقل إلى الإجابات الإسلامية على تلك الأسئلة سنأخذ مثالاً واقعيًا من الحياة حتى تتضح الصورة بشكل أكبر:
إنسانٌ لا يؤمن بوجود الله تعالى ولا يؤمن بغاية محددة لوجوده ولا يؤمن بيوم آخر! لا يهمّه بعد ذلك أن يذهب كلّ يوم إلى ارتكاب جريمة الزنا وارتياد الخمارات إذا كان ذلك يتوافق مع رغباته وأهوائه. وبالنسبة لديه لا يوجد خالق أنزل له منهجًا يحرّم عليه هذه الأعمال. فبناءً على نفيه لفكرة “الخالق” وفكرة “الشريعة الربانية” يتحدد “سلوكه” في واقع الحياة. وللدقة نقول: يتحدد سلوكه – مع الاستحلال – لتلك الأعمال، أي مع نفي حق هذا الخالق (غير الموجود برأيه) بتحريم أو تحليل عمل من الأعمال وإعطاء هذا الحق للعقل والأهواء. أما الذي يؤمن بخالق وشريعة تحرم تلك الأعمال ويقوم بها على الرغم من إيمانه هذا فهو في اضطراب وصراع نفسي دائم لا يخرج منه إلا بأحد طريقين: إما أن يرفض فكرة الشريعة الربانية الواجب اتباعها، وحينها سيطرأ تغيّر في “المنطلق الفكري” يتمثل بالتحديد في “القيام بالأعمال المحرمة في الشريعة مع استحلالها” أي مع اعتبارها غير محرمة، وبذلك ينتقل تحديد مصدر “المنهج” من “الخالق” إلى “العقل” أو “الهوى”، وهو تغيّر في “المنطلق الفكري” (كما أسلفنا) ينبني عليه سلوك في واقع الحياة. والطريق الثاني هو أن يمتنع فعلا عن ارتكاب تلك الأعمال كما ينبغي للإنسان المؤمن لاعتبارها محرمة في الشريعة الربانية التي تتمثل عند المسلم (مثلا) في القرآن والسنة، وهذا الامتناع عنها هو من مقتضيات إيمانه بالله الخالق “ألا له الخلق والأمر” (الأعراف: 54).
بعد هذا المثال الموضح نكون قد دخلنا في حقيقة “المنطلقات الفكرية للإسلام”. وأحبّ قبل ذلك أن أقول: إن الإسلام في إجاباته يقف على الوجه المقابل للجاهلية المعاصرة التي يتمثل موقفها في أبيات الشاعر “الجاهلي” المعاصر إيليا أبي ماضي:
جئت لا أعلم من أينَ ولكنّي أتيتُ
ولقد أبصرتُ قدّامي طريقًا فمشيتُ
وسأبقى ماشيًا إن شئتُ هذا أم أبيتُ
كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟
لستُ أدري!
إنه لا يعلم من أين أتى ولا كيف أتى.. ومن ثمّ يهيم على وجهه كالسائمة التي تمشي في الطريق! وتلك هي حقيقة الجاهلية المعاصرة التي نفت تدخّل الله الخالق في شؤون الحياة كلّها وجعلت ذلك من صلاحية “العقل” الذي يكون مسخّرًا لتحقيق مطالب “الشهوات” و “الأهواء”.. والفرق بين الإنسان وبين السائمة في تلك الحالة أنها لا تملك العقل، أي لا تملك حرية الاختيار والوعي والإرادة، بل تحركها رغباتها وفق نظام محكم لا يتغير، ولا تحتاج إلى المنهج الضابط لسلوكها. أما الإنسان فلا يمكن أن يستغني عن المنهج الضابط لأفكاره وسلوكه: “أفمن يمشي مكبًّا على وجهه أهْدى أمَّن يمشي سويًّا على صراط مستقيم؟” (الملك: 22). “أولئك كالأنعامِ بل هم أضلُّ، أولئك هم الغافلون!” (الأعراف: 179).
الإسلام هو وحده الذي يجيب على أسئلة الفطرة الإجابة التي تطمئن لها القلوب: “الذين آمنوا وتطمئنُّ قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئنُّ القلوب” (الرعد: 28).
من أين جئنا؟ من عند الله: “والله خلقكم من ترابٍ ثمّ من نطفة ثمّ جعلكم أزواجًا” (فاطر: 11). خلق اللهُ الإنسانَ من طين وكرمه أفضل تكريم: “وإذ قال ربّك للملائكة إني خالقٌ بشرًا من طين. فإذا سوّيتُهُ ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين” (ص: 71 – 72).
ولماذا نعيش؟ لنعبد الله وحده بلا شريك، بمفهوم العبادة الواسع الذي يشمل كل مناحي الحياة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والأخلاقية وعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني: “وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلا ليعبدونِ” (الذاريات: 56). “قُلْ إنَّ صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي لله ربِّ العالمين. لا شريك له وبذلك أمرتُ وأنا أول المسلمين” (الأنعام: 162 – 163). “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها” (هود: 61).
وماذا بعد الموت؟ إلى أين؟ إلى الله.. بعث ونشور وحساب وجزاء: “أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثًا وأنّكم إلينا لا تُرجعون؟” (المؤمنون: الآية 115). “قل إن الموت الذي تفرّون منه فانه مُلاقيكُمْثمَّ تُرَدّون إلى عالِمِالغيبِ والشهادة فَيُنَبِّئُكُمْ بما كنتمْ تعملون” (الجمعة: 8).
والسؤال الأخير: كيف نعيش؟ على أيّ منهج؟ على المنهج الرباني، باتباع ما أنزل الله: “اتّبعوا ما أُنزلَ إليكُمْ من ربّكُمْ ولا تَتَّبِعوا من دونِهِ أولياء” (الأعراف: 3). وكذلك باتباع سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم: “وماآتاكُمُ الرّسولفَخُذوهُ وما نهاكُمْ عَنْهُ فانتهوا” (الحشر: 7).
تلك هي المنطلقات الفكرية للإسلام، ومتى رَسَخَتْ هذه المنطلقات في نفس الإنسان عن يقين جازم وتمثلت في سلوك واقعيّ كانَ التحوّل الجذريّ في أفكاره ومشاعره وسلوكه، التحوّل الذي يميّز سيرَهُ وأهدافَهُ وطموحاتِهِ في هذه الحياة عن غيره من أصحاب المنطلقات الأخرى: “ولو أنَّ أهل القرىآمنوا واتَّقَوْا لفتحْنا عليهمْ بركاتٍ مِنَ السّماء والأرض”. ويميّز موقفه كذلك في الحياة الآخرة: “فأمّا من طغى. وآثرَ الحياة الدُّنيا. فإنّ الجحيمَ هي المأوى. وأمّا من خاف مقام ربِّهِ ونهى النّفسَ عن الهوى. فإنَّ الجنّةَ هي المأوى” (النازعات: 37 – 41).
وتبيان أدلة هذه المنطلقات وبراهينها العقلية التي تقنع العقل البشري بضرورة الإيمان بها واتباع الدين الحق.. تبيان ذلك كلّه سيكون – إن شاء الله – في مقالات قادمة، فلا يتّسع المقام هنا لإيرادها كاملةً وإلا لتضخم المقال!