Tag Archive | التوحيد

الإنسان أولا..!

.

الإنسان أولا..!

 

    فلنسأل بادئ ذي بدء: ما الإنسان؟

    هل هو ذلك الكائن الحيّ الذي تطوّر عن خليّة نشأت مصادفة قبل ملايين السنين بل ربما مليارات السنين؟

    أم هو ذلك الكائن المكرّم الذي خلقه الله سبحانه وكرّمه وأعطاه نعمة الوعي والإرادة والحريّة بخلاف سائر الكائنات؟

    إنّ قناعتنا المطلقة بإحدى هاتين الرؤيتين حول نشأة الإنسان هي المنطلق الذي تتحدّد بناء عليه نظرتنا لكلٍّ من:

-       غاية وجود الإنسان.

-       وظيفته في هذه الحياة.

-       مصيره بعد الممات.

    ففي الرؤية الأولى ليس ثمّة غاية لهذا الكائن الذي تولّد عبر سياق طويل من تاريخ الحياة على الأرض! إنّه تلك الذرّة التائهة في هذا العالم الواسع.. لا يعلم لنشأته غاية؛ لأنّ “الصدفة” كانت هي سبب هذه النشأة!

    وإذا كانت “الصدفة” قد تمخّضت عن ذلك الكائن الممتلئ بالشهوات، والذي يعيش ويأكل ويشرب، ويستمتع منذ لحظات الطفولة حتى نهاية عمره بما يجلب له اللّذة والسعادة في هذا العالم.. وإذا كان يعتقد يقينًا أنّ حياته لا بدّ أن تفنى، وأنّ أنفاسه لا بدّ أن تخبو، وأنّه ميّت لا محالة، وأنّ بعد هذا الممات ليس ثمّة حياة أخرى..

إذا كانت حياته – وفق تلك الرؤية – تقع بين اعتقاد “المصادفة” واعتقاد “الفناء” المطلق الذي لا حياة بعده، فإن وظيفته ستنحصر ولا بدّ في تحصيل أكبر قدر من “السعادة” في هذه الحياة الدنيا.

    إنّ “الغاية” المرسومة قبل النشأة مفقودة في حسّه، وإنّ “المصير” المحتوم في نظره هو الفناء المطلق، فلا بعث ولا حياة أخرى.. وبين تلك “الغاية” وذاك “المصير” تتحدّد “الوظيفة” وهي: جلب أكبر قدر من “السعادة”، منذ لحظة الولادة حتى لحظة الممات.. لحظة الفناء المطلق في حسّه!

    ستكون وظيفة الإنسان وفق هذه الرؤية هي العمل على “تحسين” أساليب الحياة بأكبر قدر ممكن في جميع الميادين، حتى تتحقّق “السعادة” بأكبر قدرٍ ممكن، ومن هذه الرؤية انطلقت حضارة “الاستهلاك” التي نبصرها في عالم الناس اليوم، في أوروبّا وأمريكا وسائر البلاد التي يؤمن الناس فيها بأنّ مهمّة الإنسان هي تحقيق أكبر قدر من السعادة في حياته!

    وأما في الرؤية الأخرى فالإنسان يعلم حقيقة “نشأته”، إنّه من خلق الله عزّ وجلّ:

    ((وإذ قالَ ربّكَ للملائكة إنّي خالقٌ بشرًا من طين * فإذا سوّيته ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين)) (ص: 71 – 72).

    وبعد علمه هذا، فإنّه يحسم “الغاية” من وجوده، كما حدّدها كتاب الله خالقه سبحانه وتعالى، وكما جاءت على لسان رسله، إنها إفراد الله تعالى بالعبادة:

    ((وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلا ليعبدون)) (الذاريات: 56)

    ((وما أرسلنا من رسول إلا نوحي إليه أنّه لا إله إلا أنا فاعبدون)) (الأنبياء: 25).

    ويعلم – بناء عليها – “وظيفته” في هذه الحياة، و”المنهج” الذي يحقّق عن طريقه هذه الوظيفة..

    فأمّا “الوظيفة” فهي عمارة الأرض:

    ((هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)) (هود: 61).

    ولكن بمقتضى “المنهج الرباني”:

    ((قلنا اهبطوا منها جميعًا فإمّا يأتينّكم منّي هدًى فمن تبع هدايَ فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)) (البقرة: 38 – 39).

    وهو وفق هذه الرؤية يعلم يقينا أنّ “المصير” بعد الموت هو الدار الآخرة؛ فإمّا جنّة ونعيم، وإمّا نار وعذاب، وليس الفناء المطلق بعد الممات هو مصيره المحتوم كما يعتقد صاحب رؤية “الصدفة”:

    ((قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدوّ فإمّا يأتينّكم منّي هدًى فَمَنِ اتّبعَ هدايَ فلا يضلُّ ولا يشقى * ومن أعرضَ عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا ونحشرهُ يومَ القيامةِ أعمى)) (طه: 123 – 124).

    ((إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقّا إنّه يبدأ الخلق ثمّ يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون)) (يونس: 4).

    فالمنشأ في هذه الرؤية: من عند الله.

    والغاية: إفراد الله بالعبادة.

    والوظيفة: عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني.

    والمصير: الدار الآخرة؛ إمّا جنّة ونعيم، وإمّا نار وعذاب.

    إذا سألتَ مسلما: أيّ الرؤيتين تحمل؟

    فإنّه سوف يجيبك لا محالة أنّه يحمل الرؤية الأخرى، فرؤية المصادفة وإنكار البعث وحصر وظيفة الإنسان في تحقيق السعادة هي الكفر بعينه!

    والإسلام بحدّ ذاته هو الإجابات السليمة على الأسئلة الفطرية التي ذكرناها سابقا..

    ولكنّ نظرة عميقة بعض الشيء إلى واقع بعض فصائل العمل الدعوي ترشدنا إلى تساؤل يدور في فلك “الإنسان أوّلا”؛ هل حقّا تجتهد هذه الفصائل لتؤدّي دورها المطلوب في تحقيق مصالح الإنسان الكبرى؟

    إنّ مصالح الإنسان الكبرى في هذه الحياة هي ما يرشده إلى تحقيق غاية وجوده فيها، وهي العبادة كما ذكرنا؛ فهي القيمة الأكبر لنشاطه الإنساني، الأكبر لأنّها الأثقلُ وزنا في مجرى حياته المديدة، أعني: حياته الكاملة (في الدنيا والآخرة)؛ لأنّ الرؤية الإسلامية تعطي معنى مختلفا للحياة عن أيّة رؤية جاهلية أخرى، وهو المعنى المديد الذي يرى في الحياة الآخرة أنّها هي الحياة الحقيقية الخالدة، ويرى الحياة الدنيا دارَ اختبار وابتلاء:

((وما هذه الحياة الدنيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنّ الدارَ الآخرةَ لهي الْحَيَوانُ لو كانوا يعلَمون)) (العنكبوت: 64، والحيَوان: الحياة الدائمة الخالدة).

    ((وهو الذي جعلكم خلائفَ الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجاتٍ ليبلُوَكُمْ في ما آتاكُمْ إنّ ربّكَ سريع العِقابِ وإنّه لغفورٌ رحيمٌ)) (الأنعام: 165).

    والطريق إلى تحقيق مصالح الإنسان في الحياة الأخرى المديدة الخالدة ينبغي أن يكون هو الطريق المؤدّي إلى الجنّة، وبداهة هو هكذا؛ فلا مصلحة متحقّقة في سلوك الطريق إلى جهنّم والعياذ بالله!

    بل الطريق إلى تحقيق مصلحة الإنسان في هذه الدنيا (فضلا عن الآخرة دار الخلود) هو كذلك الطريق المؤدي إلى الجنّة، أعني العبادة:

    ((ولوْ أنّ أهلَ القُرى آمنوا واتّقَوْا لفتحنا عليهمْ بركاتٍ مِنَ السّماء والأرض ولكن كذّبوا فَأَخَذْْناهُمْ بما كانوا يكْسِبون)) (الأعراف: 96).

    وبناء على ذلك كلّه فإنّ الأولويّة التي ينبغي أن يضعها كلّ مسلم نصب عينيه في هذه الحياة هي تحقيق العبادة لله عزّ وجل؛ غاية وجوده الإنساني. وتكون – بداهةً – هي الأولوية التي ينبغي أن تضعها فصائل العمل الإسلامي في قائمة نشاطاتها الدعوية والخيرية والاجتماعية والثقافية.

    وبديهيّ أيضا أن يكون تحقيق “أصل” العبادة، متقدّما على تحقيق “فروعها”. ونعني بالأصل ما تُنقض بنقضه العبادة كلّها، وهو “التوحيد”، وهو ضدّ الشرك.

    والحفاظ على توحيد المسلم من الشرك هو أصل هذا الدين، ولعلّ قائلا هنا يقول: وهل المسلمون اليومَ مشركون أو كفّارٌ حتى يكون دور العمل الإسلامي تحقيق هذا التوحيد؟

    وهو سؤال ينبع من جهالة علقتْ في أذهان بعض الناس مُذْ رسختْ المفاهيمُ المغلوطة حول الإيمان والإسلام في عصور الانحطاط الأخيرة للمسلمين. فهل كان ابنُ لقمان الحكيم مشركًا بالله إذ قال له أبوه وهو يعظه: ((يا بُنيّ لا تشركْ بالله إنَّ الشركَ لظلمٌ عظيم)) (لقمان: 13)؟! وهل كان الصحابة – خير القرون – مشركينَ أو كفّارًا حين خاطبهم الله تعالى في كتابه وقال لهم: ((يا أيّها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّلَ على رسولهِ والكتاب الذي أنزلَ من قَبْلُ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخرِ فقد ضلّ ضلالا بعيدًا)) (النساء: 136)؟!

    الخطاب المبيّن لمفاهيم الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والمذكّر بها هو خطابٌ له ما يبرّره في طبيعة النفس، وفي طبيعة التغيّرات الاجتماعية، ولا ريب أن يكون كذلك وهو خطاب الحكيم العليم! فالنفس التي خلقها الله سبحانه وتعالى تنسى، ولقد نسي أبونا آدم من قبل:

    ((ولقد عهدنا إلى آدم من قَبْلُ فنَسِيَ ولم نجدْ له عَزْمًا)) (طه: 115).

    وعلاجُ النسيان – الذي هو فطرة في البشر – التذكير، والتذكير بالإيمان وحقيقة التوحيد – كما ذكّر لقمان ابنه، وكما خاطب الله المؤمنين في المدينة بحقائق الإيمان الأساسية – ليس محصورا في فاقد الإيمان:

    ((وذكّرْ فإنَّ الذكرى تنفعُ المؤمنين)) (الذاريات: 55).

    والمشكلة تكمن في ذلك الفكر الذي عشّش على مدى قرون طويلة في عقول أبناء الأمة بفعل عوامل يصعب حصرها في هذا المقام[1]، وأبرز محاور هذا الفكر في صدد حديثنا:

-       حصر معنى الإيمان في التصديق والإقرار.

-       حصر التوحيد في توحيد الله في ذاته وصفاته وأفعاله (التوحيد الخبري العلمي المعرفي باصطلاح الإمام ابن القيّم).

    ففي معنى الإيمان المنحرف في هذا الفكر يكون “الكافر” هو من يكذّب ما أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام، أو الذي يجحده على أبعد تقدير. ويكون المسلم الذي يصدّق ما أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام من قرآن وسنّة مؤمنًا صحيح الإيمان، حتى لو لم يعمل عملا واحدا زائدا على التصديق والإقرار!

    وفي معنى التوحيد المنحرف في هذا الفكر يكون المشرك هو من يؤمن بتعدد الآلهة، أو الذي يرى خالقا أو مريدا غير الله عز وجلّ، أو ما يدور في فلك توحيد ذاته وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى فقط!

    وإذا أسقطنا هذا الفهم المنحرف للإيمان والتوحيد على أحوال المسلمين المعاصرة، وجدنا شبه انعدام لما ينقض الإيمان أو يضفي الغبش على حقيقته؛ فمعظم المسلمين يصدّقون بوجود الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه، وسائر ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام في الكتاب والسنة. ووجدنا كذلك شبه انعدام لظواهر الشرك في مجتمعات المسلمين؛ فلا أحد يرى تعدّد الآلهة أو تعدد ذات الإله من المسلمين، ولا أحد يرى خالقا أو مريدا غير الله سبحانه وتعالى..

    وهكذا يقول أصحاب هذا الفهم المنحرف للإيمان والتوحيد إنّ أحوال الأمة العقديّة بخير وعافية؛ فمعظم المسلمين محقّقون لأصل إيمانهم وتوحيدهم، ولا غبش على هذه الحقائق في حسّهم، وإنّما المشكلة في تقصيرهم في أداء الفرائض والواجبات والعبادات، وكذلك في فقدان التنمية والرعاية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لأحوالهم الحياتية. وبناءً على ذلك يكون واجب العمل الإسلامي حثّ المسلمين على التمسّك بالإسلام وأداء الفرائض والواجبات والعبادات، وكذلك تحسين أحوالهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في جميع مناحي الحياة..

    ونحن في هذا المقال نحبّ أن نؤكّد على نقاط عدّة قبل الاستمرار في الحديث حتى لا يساء فهمنا:

-       لا نعترض أبدا على العمل المبارك الذي تؤدّيه فصائل العمل الإسلامي في حثّ المسلمين على التمسّك بالإسلام، وعلى أداء الفرائض والواجبات والعبادات، ولا نعترض على العمل في تحسين أحوالهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في هذه الحياة الدنيا. بل نرى الخير في هذا العمل، ونسأل له السداد، ونقتدي به إذ نراه متمثّلا في روّاد خاضوا غمار التجربة الدعوية لخير الناس أجمعين.

-       وإنّما نرى (إلى جانب هذا العمل المبارك) ضرورة إعادة الفهم الصحيح لأصل هذا الدين في أفهام المسلمين وسلوكهم، لأنّ كل الأعمال داخلة في مجال “العبادة” كما ذكرنا، وتحقيق الأصل متقدّم على تحقيق الفروع، وأصل العبادة هو تحقيق التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة، وفروعه الواجبة هي التزام الواجبات والانتهاء عن المحرّمات، وكمالاته فعل المندوبات واتّقاء المكروهات. فالدعوة إلى التزام الواجبات والانتهاء عن المحرّمات هي دعوة طيّبة مباركة، ولكن لا ينبغي أن تكون على حساب الدعوة إلى تصحيح المفاهيم حول الإيمان والتوحيد إنْ كان فيها غبشٌ وانحراف في حسّ الكثير من المسلمين في أيّامنا (وهي كذلك فعلا، وسنتحدّث عن ذلك بعد قليل)، بل تكون معها جنبا إلى جنب، بل منبثقة عنها ومرتبطة بها أشدّ ما يكون الارتباط.

-       العمل في رعاية أحوال المسلمين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لا ينبغي أن يكون على حساب المفاهيم الأصيلة لهذا الدين، فلا يجوز أن يكون هذا العمل سببا في إحداث الغبش في مفاهيم التوحيد، والأوجب تنقية هذا العمل مما يلبّس على المسلمين عقيدتهم، فإنْ لم تكن التنقية ممكنة فالأوجب طرح هذا العمل جانبا.

-       لا نهدف إلى إصدار أيّ حكم بالكفر أو الشرك على أفراد المسلمين في قولنا (الذي سوف نفصّله في ثنايا المقال) بأنّ الانحراف في الإيمان والتوحيد قد أصاب أحوال المسلمين المعاصرة؛ فالإقرار بوجود ظواهر الانحراف عن الإيمان وظواهر الشرك وما يغبّش على التوحيد (نظرا لوضوح علاماتها في المجتمعات)، ثم العمل على بيان المفاهيم الصحيحة لها، إنّ هذا الإقرار والبيان لا يعنيان إطلاقًا القولَ بكفر أفراد المجتمع أو شركهم، وإنّما نحن نهدف إلى “البيان” ولا نهدف إلى “الحكم” على المسلمين بالكفر أو الشرك، بل نحكم بالإسلام عليهم، وبيان حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر وحقيقة التوحيد وحقيقة الشرك من أهمّ الواجبات الدعوية على مختلف العصور، تماما كما كان هذا الواجب الدعويّ متمثّلا في موعظة لقمان الحكيم لابنه المؤمن كما مرّ معنا، وكما تمثّل في خطاب الله لعباده المؤمنين في كتابه في مواضع كثيرة ومتعدّدة. فالهدف هو بيان هذه الحقائق والتذكير بها حتى يُعمل بها، ولتكون فيها النجاة في اليوم الآخر، وليس مرادنا الحكم بالكفر أو الشرك على أحد من المسلمين.

    ونحن لا زلنا في صدد الحديث عن “الإنسان أوّلا”، ولعلّ أبرز ما يمكن أن تتمثّله هذه العبارة المستحدثة من رصيد شرعيّ هو وصايا لقمان الحكيم لابنه المؤمن، فكم كانت واضحةً أشدّ الوضوح تلك الأولويّة التي أعطاها لقمان الحكيم للحقيقة الأولى في هذا الدين خلال خطابه لابنه الانسان؛ لقد كانت هي الوصيّة الأولى بين الوصايا العديدة! وهذه الحقيقة هي حقيقة التوحيد: ((يا بُنيّ لا تُشركْ بالله إنّ الشركَ لظلمٌ عظيم)). والشرك ضدّ التوحيد، وهو الذي ينقضه أو يحدث الغبش فيه.

    فما هو التوحيد؟ وما هو الشرك؟

    ولا أهدف في هذا المقال إلى البيان المفصّل الجامع لهذه الحقائق الأساسية[2]، وإنّما أريد أن ألقيَ الضوء على عدّة نقاط تخصّ موضوعنا “الإنسان أوّلا”:

-       خطأ الفهم المنحرف الذي ذكرناه سابقا للإيمان والتوحيد عند الكثير من المعاصرين.

-       بيان بعض ظواهر الانحراف بين المسلمين وفي العمل الإسلامي فيما يخصّ هذه الأولويّات العقديّة، ممّا يستدعي مزيدًا من الاهتمام بها.

-       بيان واجب الدعوة المعاصر حيال “الإنسان أولا”، وبكلمات أيسر: ما الذي يجب أن نركّز عليه في عملنا الدعوي حتى يكون حقّا “الإنسان أولا”؟

    وسيكون هذا – بإذن الله وحده – في الجزء الثاني من المقال فتابعونا..

.

 (تابع مدونة أضواء على الفيس بوك: هنـا)

10.11.2011

عكا

شريف محمد جابر


[1]  راجع فصل “خطّ الانحراف” من كتاب “واقعنا المعاصر” للأستاذ محمد قطب.

[2]  راجع – إن شئت – كتاب “أصل الدين: عند الأئمة وسلف الأمة” للشيخ عبد المجيد الشاذلي، والكتاب يجمع أقوال السلف في بيان هذه الحقائق بأسلوب علمي يغلب عليه التكرار والاستفاضة بهدف تأكيد هذه الحقائق وبيان وضوحها في الكتاب والسنة ومصنّفات الأئمة وأقوال سلف الأمة.

أزمة العقل المسلم في الداخل الفلسطيني

(في الصورة: مسجد الجزار في مدينة عكا في الشمال الفلسطيني عام 1937)

.

أزمة العقل المسلم في الداخل الفلسطيني

 .

    تشكّلت العقلية المسلمة في الداخل الفلسطيني في ظروف صعبة وقاسية خاصة، لا أظنّها تخفى عن مسلم في الأرض، أو على الأقل عن المهتمين في الشأن الفلسطيني والإسلامي بشكل عام، وبخاصة المسلمين الواعين منهم، لأن المسلم الفاهم لدينه يدرك عمق القطيعة التي وقعت بين هذه العقلية المسلمة وبين المفاهيم الصحيحة النقية لدين الله عز وجل، القطيعة التي بدأت – كحال معظم المسلمين – منذ أن بدأ الانحراف يطرأ على حياتهم في المفاهيم والسلوك على السواء، ومنذ أن بدأ التأخر والانحطاط ينخر في جسد هذه الأمة، فكان العهد المملوكي بسوءاته، ثم العهد العثماني – الذي شمل فلسطين منذ القرن السادس عشر – انتكاسة تدريجية لهذه الأمة في مجال “فهم الإسلام” وتطبيقه الحضاري الشامل كما أنزله الله تعالى لتكون “خير أمة أخرجت للناس”. وكان أهل فلسطين المسلمون جزءًا من هذه الأمة سادته هذه الانتكاسة كما سادت غيره. ثم جاءت هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، وتمخّضت عن اقتطاع أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي وضمّها إلى الهيمنة الصليبية، وكانت “فلسطين” من نصيب دولة “بريطانيا العظمى”، فازداد الأمر سوءًا على سوئه الذي كان، وما لبثت أن أُهديت هذه الأرض المباركة إلى اليهود، وتمّ ذلك فعليا عام 1948، وهُجّر معظم أهل فلسطين من الأراضي التي احتلتها القوات اليهودية، بقيت بعدها فئة سكانية قليلة العدد من سكان البلاد الأصليين، ومنهم هذه الفئة المسلمة التي نحن بصدد الحديث عنها: “مسلمو الداخل الفلسطيني”.

 .

    كان من نصيب هذه الفئة المسلمة في بداية الأمر انقطاع عن العالم العربي والإسلامي، يُضاف إليه خلوّها من النخب العلمية والشرعية التي تستطيع التوجيه وبث الوعي الحقيقي، وقبل ذلك عمقُ الجهالة التي كان عليها مسلمو هذه البلاد في مفاهيم الإسلام الرئيسية، ثم تولّي قيادات عربية علمانية مراكز التوجيه لهذه الشريحة دمجا لها مع غيرها من سكان البلاد الأصليين من النصارى على وجه الخصوص، أدّت هذه الظروف والعوامل الجديدة مجتمعة – في ظلّ المؤسسة الإسرائيلية – إلى تفاقم الأزمة التي تعانيها هذه الفئة المسلمة فيما يتعلّق بتشكيل عقليّتها، تشكيلا إسلاميا مرجعيّته الكتاب والسنة وما بُنيَ عليهما بطرق الاجتهاد الشرعية.

.

    ولكن الله سبحانه هو مقدّر الأمور، وهو القادر على كل شيء، فبعث لهذه الأمة هذه الصحوة الإسلامية المباركة، التي بدأت جولتها الثانية في السبعينيات من القرن المنصرم، وكان لها تأثير طيّب في نشوء “الحركة الإسلامية” في الداخل الفلسطيني، تدعو الناس إلى العودة لدين الله عز وجل، وتسري في صفوف مسلمي الداخل فتعيد لهم ثقتهم بالإسلام، وتحثهم على الالتزام والتماسك الاجتماعي، وعلى حماية المقدسات الإسلامية وعمل الخير والاعتزاز بدين الله عز وجل.

 .

    واليوم، استقرّ حال هذه الشريحة المجتمعية المسلمة بأن تتجاذبها تيارات فاعلة شتى تموج في كيانها وتقودها إلى أهدافها.

.

    فها هو “الحزب الشيوعي الإسرائيلي” وربيبته “الجبهة الديمقراطية” يقودان قطعانا هائمة من المسلمين مع غيرهم من النصارى واليهود في تجمّع حزبيّ لا تنطبق الشرعية الإسلامية على أيّ جزئيّة فيه، بالإضافة إلى سقف طموحات يعمل من أجله لا يتعدّى أن يكون هو مشروع “الأسرلة” بعينه، فكأنّما شعار القوم هو: “أن تكون إسرائيليّا”!

.

    وها هو “التجمّع العربي الديمقراطي العلماني”، يقود قطعانا أخرى إلى ذات المصير في قوالب مختلفة من صيغ الكلام وديباج الشعارات! “دولة جميع مواطنيها”، أو دولة “المجتمع المدني” لا تعني شيئا سوى تلك المطالبة الفجّة بأن يتساوى “العرب” في إسرائيل مع اليهود في الحقوق، وباعتبار أنهم أقلية “عرقية”. فالتجمّع كذلك لا يمتلك أدنى شروط الشرعية الإسلامية ولا يحقق تطلعات المسلم ولا يقوده إلا إلى وبال عظيم.

 .

    وكذلك هو حال “حركة أبناء البلد” العلمانية، والجمعيات العلمانية المختلفة التي تبث الثقافة التغريبية في عقول مسلمي البلاد، وبخاصة الجمعيات النسوية[1] منها، التي تركّز على المرأة وتحاول إفسادها لتنشّئ جيلا من المسلمين مبتعدا عن دينه، نافرا عن قيمه.

 .

    هذا هو حال التجمّعات العلمانية التي لا تقود المسلمين – إن هم تابعوها – إلا إلى الخسران المبين، والفساد والتحلل في هذه الجاهلية العميّة. فلا يجوز لمسلم أن يتابعها ويعمل معها لأنه بذلك – أولا – يضفي الشرعية على كيانات مخالفة للشرع ومحاربة للدين، ولأنه – ثانيا – يكون قد أفسد دينه وأوشك أن يخسر آخرته بخسران الالتزام بقيم أساسية في دينه الحنيف، إذ لا يجوز إعطاء الولاء والتبعية لكيان جاهلي قائم على غير الإسلام، فكل ما عدا الإسلام والاعتصام به والدعوة إليه هو “جاهلية”، وقد يكون هذا الكلام مستغربا على بعض المسلمين من المتّبعين لهذه التجمّعات، إذ يدّعي العلمانيون أن مشاركة المسلمين لهم لا تعني فساد دينهم، بل هم قادرون على الالتزام بالإسلام والعمل مع تلك الجمعيات العلمانية، وهو وهم يكذبه واقع تلك الجماعات المخالف للشرع، وكذلك واقع الإسلام كدين يقرّر القيم الجماعية وينظّمها كما يقرّر القيم الفردية وينظّمها على السواء. وقد كتبتُ سابقا مقال “المسلم والأحزاب العلمانية” في بيان تهافت هذا الزعم، وحرمة الانتساب إلى هذه التجمعات العلمانية ومشاركتها أو متابعتها.

 .

    وفي المقابل هناك التجمّعات الإسلامية التي تمثّل الحاجز المنيع والحصن الآمن في مواجهة ما تبثّه تلك التجمّعات العلمانية في عقول المسلمين من سموم فتاكة تأكل فطرتهم السليمة وتتلفها. وأبرز هذه التجمّعات وأكبرها هو “الحركة الإسلامية”، فقد ساهمت – كما أسلفنا – في بث روح الالتزام بالإسلام بين صفوف المسلمين في هذه البلاد، وفي الحفاظ على الإنسان المسلم، وعلى المقدسات الإسلامية، والأخلاق الإسلامية. ولكنّنا – وفي صدد الحديث عن تشكل العقل المسلم – نفتقد بشدة المفاهيمَ الصحيحة لرفض القيم العلمانية.

 .

    إن التجمّعات العلمانية تعتمد – إلى جانب بثّ التحلّل الأخلاقي – على بثّ المفاهيم العلمانية وإفساد العقل المسلم بها، وقد ساعد على انتشار هذه المفاهيم بين المسلمين عوامل عدة أبرزها:

.

1)    أن هذه المفاهيم هي “إرث غربي مهيمن” يجد قبوله عند الأمم المستضعفة إن لم تكن تملك الحصانة الفكرية اللازمة، وغزوٌ فكريٌّ شامل يدخل إلى عقول المسلمين من خلال ما يتلقّونه يوميّا في الإعلام ومناهج التربية والتعليم وغيرها.

2)    أنّ لها في الجذور التاريخية للأمة تربة خصبة من المفاهيم المنحرفة عن الإسلام ساعدت في تقبلها والغفلة عن مخالفتها للشرع، أبرزها “الإرجاء”: الذي ترك أثرًا سيّئا على تصور كثير من المسلمين لحقيقة الإيمان، فقد ابتدع المرجئة القول بخروج الأعمال من حقيقة الإيمان؛ وعليه: بات يكتفي المسلم في الإيمان بتصديق وقول – على اختلاف بينهم – ومن ثم كثرت الأعمال التي لا تنسب إلى الإيمان (وهي تشمل الحياة كلها)، وبتعبير آخر: اتسعت المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها العصيان والتبديل والانحراف بأمان تاركًا الإيمان قابعا في زاوية ضيقة تسمى القول أو التصديق القلبي أو كليهما[2]، ممّا فتح المجال للقيم العلمانية أن تجد في هذه المساحة (الخالية من تفعيل مقتضيات الإسلام) ملعبا حرّا في ظلّ غياب التوجيه الإسلامي عنها. وكذلك الأمر في الإرث الصوفي الذي حرّف مفهوم العبادة وجعله مقصورا على الشعائر التعبّدية والذكر والانعزال عن واقع الحياة، وحرّف مفهوم القضاء والقدر فجعله تواكلا سلبيّا يعطل أهداف الحياة، وحرّف مفهوم الدنيا والآخرة فجعلهما ضدّين متنافرين لا لقاء بينهما! فطريق الآخرة ترك الدنيا، وخوض غمار الحياة الدنيا بمشكلاتها ومتاعبها ومغرياتها خطر على الدين في هذا التصور المنحرف! ومن ثم تُرك تنظيم الحياة الدنيا إلى “الفاسدين” ما دام “الصالحون” سينعزلون في دور العبادة والذكر وطلب العلم.. بل يتم الرضى بهذا الفساد حينها بدعوى “التسليم” بقضاء الله وقدره![3]

.

    ومن ثمّ – بعد اتضاح طبيعة التوجيه العلماني الفكرية وطبيعة الانحراف في المفاهيم عند المسلمين – لم يعد يكفي لمواجهة نشاط هذه المفاهيم العلمانية وحماية المسلمين منها مجرد الوعظ والإرشاد والحثّ على الالتزام وعمل الخير من دون تصحيح مفاهيم الإسلام الرئيسية المنبثقة عن “التوحيد” وإحيائها، وتشكيل العقلية الإسلامية بها، بالإضافة إلى إحياء مفاهيم رفض العلمانية ورفع الالتباس بينها وبين الإسلام. تلك حقيقة هامّة ينبغي أن نلتفت إليها، فرفض العلمانية وإن كان موجودا عند معظم الملتزمين من المسلمين، ولكن ثمّة فرق كبير بين مجرد الرفض، وبين الرفض المبني على مفاهيم عميقة واضحة عند المسلم، تجعله يميّز بين القيم العلمانية المرفوضة والقيم الإسلامية، ويستطيع مواجهتها بخطاب موضوعي علمي لا تصمد أمامه الجدليات الفارغة التي تمارسها الفئات العلمانية.

 .

    إن رفض العلمانية من دون امتلاك المفاهيم الإسلامية الصحيحة ومن دون امتلاك مفاهيم رفض العلمانية جعل الكثير من أبناء المسلمين يتبنّون قيما ومفاهيم علمانية من دون أن يشعروا أنها كذلك! إنهم يكرهون العلمانية، ولكن كرههم المجرد من المفاهيم الواضحة يجعل هذا الرفض رفضا سطحيا، يتوجّه بشكل مباشر إلى الأجسام والكيانات العلمانية بأعيانها، وإلى ممارساتها الواضحة البطلان بما شاع من توجيه وبيان شرعي، دون القدرة على دحضها وتفنيدها بقوة التأصيل العلمي والشرعي. بالإضافة إلى أنّ قيما كثيرة تجد طريقها – للأسف – إلى عقول المسلمين من دون أن يدركوا مرجعيتها العلمانية، وأنها تغريب لعقليتهم وخطر على دينهم وقيمهم!

 .

    إن مفاهيم الوطنية التي تجعل الولاء والانتماء منعقدا على الوطن، وتجعل عند المسلم مصدرية أخرى للقيم غير الإسلام مشتركة مع أبناء الوطن الواحد.. هذه المفاهيم المخالفة للإسلام[4] أليست موجودة عند الكثير من المسلمين؟!

 .

    وكذلك الأمر مع مفاهيم العلمانية الأخرى؛ مفاهيم الانتماء القومي، والهوية القومية[5] أو الوطنية، وإقصاء الدين عن السياسة وعن النشاطات الاجتماعية والفكرية والثقافية، وجعله مجرد علاقة بين العبد والربّ وأما قضايا الحياة فتترك للعقل البشري.. إلخ.. كلّ هذه المفاهيم تتسلّل إلى العقلية المسلمة بدرجات متفاوتة بسبب عدم وضوح المفاهيم الإسلامية وخفوت فاعليتها.

.

    علينا أن نكون صرحاء مع أنفسنا ونقول: إننا نحتاج إلى فهم الإسلام فهمًا شموليّا عميقا، ثم ممارسة هذا الفهم الشموليّ في التصوّر والسلوك. إذ ليس “الشمول” مجرد شعار نردّده ونتغنّى به وهو مجرد عن فاعليته في جوانب من حياتنا! إنّه لأمر يحزن القلب أن نرى الاستعلاء الذي يشعر به الشاب العلماني ظنّا منه أن المسلم الملتزم الذي يعتبر الإسلام نظام حياة شاملة هو شخص بسيط، لا يملك القدرة على النقاش الموضوعي العلمي، ولا يملك القدرة على الحوار المنضبط من دون أن يسفه ويشتم! فلا يكفي إلغاء الآخر من دون إقامة الحجة عليه، ومحاورته وبيان تهافت الفكر الذي يستند إليه.. ومن ناحية أخرى يحزن القلب أيضا أن نرى هذه الأنفس الشاردة عن جادة الحق من أبناء المسلمين تؤيّد وتتابع وتغذّي بطاقاتها تلك التجمّعات والأحزاب العلمانية. فنحن على يقين أن طريقها ضلال مبين.. وظلام دامس لن يبدّده إلا الضياء في طريق الله عز وجل: “وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله” (الأنعام: 153).

 .

    إن مواجهة العلمانية ورفضها واجب شرعي تنبع ضرورته من خطورة هذه المفاهيم وتسبّبها في إتلاف عقيدة المسلم وأصل دينه، فإذا كان الإسلام يعني الاستسلام المطلق لما أنزل الله في جميع نواحي الحياة، فإن العلمانية تريد قصر هذا الدين على العقيدة المستسرّة في الضمير والشعائر وبعض الأخلاقيات والفضائل الفردية، وتستأثر هي بما تبقّى من مجالات الحياة وشؤونها؛ من قضايا الهوية والانتماء والتجمع والسياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها.. إنها قضية تنقية طريقنا إلى الجنة من كل الشوائب التي تعيق المضيّ فيه.. وإنها قضيّة اتقاء الفتنة التي تصيبنا نحن إن تخلّفنا عن الدعوة والبيان: “وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (الأنفال: 25). وحتى لا نكون كالذين قيل فيهم: “كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ” (المائدة: 79).

 .

    ولمواجهة هذه العلمانية ومفاهيمها وقيمها.. ولعزل من يدعو إليها عن التأثير والتوجيه في الشريحة المسلمة في الداخل الفلسطيني نحن بحاجة إلى تصحيح بعض المفاهيم الرئيسية التي أفسدها ما شابَ العقلَ المسلمَ من لوثاتٍ رسبت عبر التاريخ القديم للأمة كالإرجاء والصوفية والاعتزال، ومن الغزو الفكري الذي أدخل العلمانية ومفاهيمها إلى عقول المسلمين:

.

    مفهوم التوحيد.. مفهوم الإيمان والإسلام.. مفهوم العبادة.. مفهوم سيادة الشريعة.. مفهوم الولاء والبراء.. مفهوم الدنيا والآخرة.. مفهوم القضاء والقدر.. الهوية الإسلامية وغيرها من المفاهيم.

.

    نحتاج إلى تصحيح المفاهيم بالإضافة إلى قوة الشعور الديني وحسن الصلة بالله عز وجل وتوقير رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ومتابعته، مع الوعي بالواقع وترسيخ القيم الإسلامية حتى تصير فعّالة ومؤثرة في حياة المسلمين.

 .

    ونحتاج إلى “رفع الالتباس” عن العلمانية، وبيان أنها لا تلتقي مع الإسلام لا من قريب ولا من بعيد، وإظهارها على حقيقتها بأنها “شرك” و “كفر” بالله عز وجل! وتعرية الرداء الزائف الذي تتستّر به التجمّعات المنادية بالعلمانية تحت شعارات شتى: المجتمع المدني.. المساواة.. مساواة المرأة بالرجل.. الانفتاح.. الولاء للوطن.. المواطنة.. القومية.. إلخ.. فالخلاف بينها وبين الإسلام خلاف عميق لا لقاء فيه! ولا يمكن التوفيق بينهما.. على اعتبار مضمون العلمانية الجاهلي.. وملابسات نشوئها المختلفة أشدّ الاختلاف عن ملابسات الأمة الإسلامية.

.

    وأحبّ أن أقول في الختام: إنها ليست قضية دعوة إلى مشاركة الحركة الإسلامية ومعاونتها بقدر ما هي قضية كل مسلم في الداخل الفلسطيني، بل في كل العالم! إنها مسؤولية شرعية منوطة بكل مسلم حتى لو لم يكن مشاركا ومتابعا للحركة الإسلامية أو غيرها من التجمعات الإسلامية.. لأن القضية الرئيسية لكل مسلم هي تجريد التوحيد لله عز وجل ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل مفهوم أو قيمة أو سلوك يحيد به عن تحقيق هذه القضية هو في حقيقته حياد عن الطريق إلى الجنة.. الطريق إلى الله..

 .

    وفي الحديث الذي رواه حذيفة بن اليمان: “كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في الجاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، صفهم لنا؟ فقال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك” (رواه البخاري).

 .

    واليوم ليس للمسلمين جماعة ولا إمام، والآيات والأحاديث الأخرى تدل على أن الواجب – إلى جانب اعتزال تلك الفرق المخالفة للإسلام – هو الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإصلاح ما أفسد الناس، فذلك ممّا كُلّفَ به كلّ مسلم عاقل وليس وظيفة خاصة بالحركات الإسلامية فحسب.. فالقضية قضية كل مسلم.. وليست قضية الحركة الإسلامية وحدها!

 .

3.5.2011

حيفا

شريف محمد جابر



[1]  معظم هذه الجمعيات تتلقى تمويلا من الخارج ومن جهات غربية، مما يستدعي النظر في أهدافها المعلنة الحقيقية.

[2]  من مبحث دور الأمة في مواجهة العلمانية للأستاذ محمد المصري (بتصرف).

[3]  يُرجى مراجعة كتاب “مفاهيم ينبغي أن تصحح” للاطلاع على المفهوم الإسلامي لها.

[4]  أنظر بحثنا حول الوطنية ورفضها بمفهومها المعاصر في هذا الرابط: http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-12401

[5]  يُرجى مراجعة مقال “حول الهوية الإسلامية” ومقال “اللغة الهجينة: أسباب الولادة وعوامل الإجهاض”.

.

(لنشر المقال عن طريق الشبكات الاجتماعية “فيس بوك” أو “تويتر” أو غيرها أرجو الضغط على الأيقونات في الأسفل)

الإسلام موقف..!

.

(حول الشعار في الصورة: هذا مراد العلمانيين.. أن لا يكون الإسلام فاعلا في قضايا الإنسان المصيرية.. وإنما يريدونه مجرد علاقة شخصية بين العبد والرب.. لا دخل لها بقضايا السياسة والهوية والانتماء والنهضة..  ومن ثمّ تبقى أهم القضايا موكولة لعقول البشر.. أي “للعلمانيين”!)

.

الإسلام موقف!

.

(من سلسلة: أن تكون مسلما في أيامنا)

 .

    العلمانيون من جهة، والجهلة من أبناء المسلمين من جهة أخرى، يتفقون على مغالطة كبيرة تمسّ أصلا من أصول الدين، ينبغي لكل مسلم أن يكون واعيا لها، عالما بالمفهوم الصحيح لموضوعها، مدركا لمقتضى ضبطه على الوجه الصحيح، وللآثار السيئة الناتجة عن تحريفه من قِبل أولئك العلمانيين أو جهلة المسلمين على السواء.

    هذه المغالطة هي قولهم بأن الدين – كل دين – هو أمر وراثي، لا يختاره المرء، لأنه يولد على دين أبويه جبرا لا اختيارا. ويكفي في الردّ على هذا القول التذكيرُ بأن هناك ما يقارب خمسة آلاف بريطاني يدخلون في الإسلام – طواعية واختيارا – كل عام! وقد ولدوا إما على النصرانية أو على الإلحاد! فالأمر إذن ليس وراثيّا، وليس جبريا كما يدّعون.

    بيدَ أنّي أحببتُ في مقالي هذا أن أبيّن أمرا ربّما غاب – للأسف – عن أذهان الكثيرين ممّن ولدوا بأسماء إسلامية، ولأبوين مسلمين! وهو أن الإسلام قضية اختيارية بالدرجة الأولى، فهو إلى جانب كونه “دين الفطرة” لا يجوز الإيمان به دون علم وبرهان، حتى لو كان أبسط البراهين كما عند البسطاء من بدو البادية، فكلّ وفق مستواه الفكري، ولكن الشرط أن يكون اعتناقه للإسلام مبنيّا على برهان علمي وقناعة عقلية، لا بمجرّد التقليد للآباء أو الهوى والظن، وحشدٌ هائل من آيات كتاب الله العزيز يقرّ هذه الحقيقة المطلقة، فلنا أن نحيا مع معاني كتاب الله، فقد أنزله الله ليكون هاديا لنا، لا مجرّد ترتيل يُتلى، أو تعويذة توضع في العربات والبيوت!:

    في ذمّ من اتبع المألوف والموروث والظن دون تمحيص العقل والعلم:

    “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ” (البقرة: 170).

    “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ” (لقمان: 21).

    “وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ” (الأنعام: 116).

    “إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى” (النجم: 23)

    “وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا” (النجم: 28).

    فإذا كان الله – سبحانه – يذمّ الكفار على اتباعهم لدينهم بمجرد التقليد لما ورثوه وألفوه من الآباء، وينسب اتباعهم هذا إلى “الجهل” (لا يعقلون) و“الضلال” (لا يهتدون، يضلّوك عن سبيل الله) و“الظنّ” و“الخرص” و“الهوى”، فهل يمكن أن يكون دينه المنزل دون براهين علمية وموضوعية ينفي بها الجهل والهوى والظن والخرص والضلال عن أن تنسب إليه؟! وهل يمكن بعد هذا البيان أن نقول: إننا مسلمون لأنّنا ولدنا مسلمين؟! وبأن الدين أمر “وراثي”، والإيمان “لا يوجد دليل علمي عليه”! هل يُعقل هذا في دين الله؟! كلاّ والله! بل نزيد في البيان، ونستفيض في البلاغ، حتى يستقرّ الحق في تلك النفوس!:

    يصف الله سبحانه وتعالى دينه بالـ “علم”، ويذمّ اتباع الهوى دون علم:

    “وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ” (البقرة: 120).

    ويذمّ – سبحانه – الذين يجادلون بدون دليل علمي:

    “ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير” (الحج: 8).

    ويحرّم البتّ في أمر دون علم به:

    “ولا تقفُ ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا” (الإسراء: 36).

    ويطالب الكفارَ – أصحابَ المعتقدات الفاسدة – أن يأتوه بعلم أو برهان على ما يقولون:

    “نبئوني بعلم إن كنتم صادقين” (الأنعام: 143).

    “قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا” (الأنعام: 148).

    “أإله مع الله؟ قل هاتو برهانكم إن كنتم صادقين” (النمل: 64).

    ويذمّ – سبحانه – اتباع الظنّ والأهواء والخرص دون دليل علمي:

    “ما لهم به من علم إلا اتباع الظنّ” (النساء: 157).

    “بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم” (الروم: 29).

    “ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون” (الزخرف: 20).

    “وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنّون” (الجاثية: 24).

    وبعد هذا البيان من كتاب الله العزيز لا يكون للقارئ المنصف إلا التسليم بتلك الحقيقة؛ أن دين الإسلام لا يقبل من المسلم إيمانا مبنيّا على الظن والتقليد للموروث دون دليل علميّ، وأنّ كون التوحيد شيئًا مكنونًا في الفطرة ليس دليلا على جبريّته، بل إن هذا – خلافا لذلك – عاملٌ رئيسيٌّ في سلامة الاختيار، إذ تدفع الفطرةُ الإنسانَ إلى اختيار الدين الحق المنزّل من عند خالق الفطرة، فحينها يكون الاطمئنان الناتج عن توافق المنهج مع الفطرة، إذ كلاهما من مصدر واحد، فيكون التلاقي الفطريّ بين حقائق ثلاث: “الكون العابد لله” و”الفطرة السليمة” و”المنهج الرباني”، التلاقي الذي يؤكّد سلامة الاختيار بعد أن تناسقت تلك الحقائق الثلاث. وحقيقة كون الإيمان (بمعنى الهداية) من عند الله ولا يحصل بمجرد العلم والتصديق لا تنفي قيام هذا الإيمان على أساس علميّ يقينيّ، لا مجال للتشكيك به. فقد ثبت إذًا أن دين الله عزّ وجلّ ليس موروثا يتلقّاه الأبناء دون تمحيص العقل وأدوات العلم الموضوعية، ولإن كانت بعض خلائف المسلمين اليوم ترثُ دين الله كما كانت يهودُ ترثُ الكتاب دون علم ولا قناعة واختيار فهذا الوضع ليس حجّة على الإسلام، إنما الإسلام بنصوصه الحاسمة المحكمة حجّة على هؤلاء!

    ومن هذا المنطلق نقول إن دين الله عزّ وجل “موقف”، نعم.. الإسلام موقف! موقف اختياريّ من قبل الإنسان المسلم، يتجلّى – أولا – في إفراد الله تعالى بالعبادة مع البراءة من الشرك، ثم ما ينبثق عن هذه الحقيقة الاختيارية من “أقوال” و”أفكار” و”أعمال”، فكان الإيمان كما عبّرت عنه الأجيال الأولى من المسلمين: قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل الجوارح. إنّه موقف يبدأ من إيمان الإنسان بحقيقة وجود الله ووحدانيته، وبأنّه “الربّ”، أي: المربّي بالنعم. ثم ما تقتضيه هذه الحقيقة من إفراده – سبحانه – بالعبادة.

    فالمسلم قد وحّد الربّ بذاته وصفاته وأفعاله، وهو توحيد الربوبية، أو التوحيد الخبري. ثم عبده بتوجيه شعائر التعبّد له وحده، وتحكيم شريعته في حياته كلها، وولائه له وتولّيه المؤمنينَ وبراءته من الكافرين، وهو توحيد العبادة، أو توحيد الألوهية. ثمّ عمل بالتكاليف الشرعية، وتخلّق بأخلاق الإسلام.

    هذه بمجموعها هي الإسلام، وهي مواقف كلها تنبثق عن الموقف الأكبر وهو “الإسلام”، بمعنى: الاستسلام التام لله. فهو استسلام وخضوع اختياري لله عز وجل، بعد أن أدرك أنّه الحق، وأن عبادته – تعالى – هي غاية وجوده الإنساني: “وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلا ليعبدون” (الذاريات: 56)، وأن طريقة تحقيق هذه الغاية تكون باتباع ما أنزل الله: “اتبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتّبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكّرون” (الأعراف: 3). وليس هناك موقف أضخم وأعظم من الإسلام، فبه تتعلق أضخم حقيقة واقعية بالنسبة لكل إنسان، وهي مكانته في الآخرة، التي هي الحياة الحقيقية الجديرة بالاهتمام وما الدنيا إلا طريق لها محفوف بالابتلاءات: “وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ” (العنكبوت: 64). فالآخرة إذن أثقل واقع في حسّ المسلم، ومن الجدير بالاهتمام أن هذا الكمّ الهائل من الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر في كتاب الله لم يرد – حاشا لله – اعتباطا، إنما حتى يكون المسلم في تذكّر دائم لهذه الحقيقة العظيمة، وإنّه ليراها في كتاب الله أحيانا – حين يحيا به أثناء تلاوته – أقربَ إليه من دنياه التي يعيشها.. بل يكاد يشعر حين يعيش تلك الآيات أن الدنيا شيء مضى.. وأن الدار الآخرة هي الواقع الآنيّ المعاش!

    ألا يكون مجرما – شديد الإجرام – هذا الإنسان الذي يتنكّب عن طاعة الله؟ أو ذلك الذي لا يُعمل عقلَه ويفّكر في غاية حياته وما قبلها وما بعدها؟ أليس هذا التعطيل للتفكير في أهمّ قضايا الوجود الإنساني “موقفًا” يجب أن يؤخذ بالحسبان حين نقيّم البشر؟ نعم، تعطيل التفكير بأهم قضايا الإنسان موقف، ورفض عبادة الله موقف، ومن خلال تلك المواقف الكبرى يقيّم المسلم “الأشخاص” (المقصود: “كيانهم الاختياري” الذي هو: “الأفكار” و“الأعمال”)، بمدى ارتباط هذا الكيان بالحقيقة الكبرى (الإسلام) وانبثاقه عنها، ومدى موافقته لمقتضياتها، وهذا هو محكّ القضية.

    قضية “الإسلام موقف” ستجعلنا نحمل معيارا دقيقا لقياس الكثير من المسائل التي تعرض لنا في حياتنا، منها ما يتعلق بالانتماء والهوية، ومنها ما يتعلق بموقفنا من الأشخاص وتقييمنا لهم.

    حين يقول المسلم الجاهل بدينه: “إن جيفارا رجل صاحب مواقف بطولية رائعة، بغض النظر عن دينه!” أيكون قد فهم أن الإسلام موقف، وأن الكفر موقف، والشيوعية موقف، وأنّ مدح مواقف معيّنة لرجل كافر فيه تزيين لأعمال لا تحمل أدنى شروط الشرعية في الإسلام! فلا يرضاها الله لأنها لم تكن خالصة لوجهه ولا مبنية على أساس اعتقادي صحيح، ولم تكن موافقة للكتاب والسنة، فهذان هما شرطا قبول العمل؛ أن يكون خالصا صوابا، وإذا افتقد العمل الإخلاص لله وحده فلن يُقبل حتى لو كان صحيحا على الكتاب والسنة، فكيف نصف أعمال رجل كافر ملحد لا يؤمن بآيات الله بأنها إيجابية أو نشيد بها ونمدح الرجل بسببها؟!


    يقول تعالى في سورة الكهف: “قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا” (الكهف: 103 – 105).

    ويقول: “وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ” (الأعراف: 147).

    ويقول: “وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا” (الفرقان: 23).

    ويقول في سورة الزمر: “وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (الزمر: 65).


    أيكون هذا المسلم قد فهم أنه يُثني على مواقف كفر وضلال؟! حبطتْ عند الله وجُعلتْ هباء منثورا! فضلا عن إغفاله لذكر “أبطال” مسلمين معاصرين ينبغي أن يعتزّ بهم، ويثني على مواقفهم في جهاد الباطل ورفع راية الحق بدلا من الثناء على ” تشي جيفارا”!

    وحين يقول المسلم الجاهل بدينه: “إن النصارى المسالمين لنا هم إخواننا في الوطن، وإننا وإياهم سواء، ولا فرق بيننا، فهم أهل كتاب، ونحن مسلمون”! هل يكون هذا المسلم قد فهم أن “الإسلام موقف”؟ وأن النصراني هذا مرتكب لجريمة كبرى حين عطّل التفكير للوصول إلى الحق في أهم قضية في الوجود (عبادة الله) أو تنكّر للحق وجحده ورفض اتباعه.. أيكون المسلم قد أدرك ذلك؟! أم إنه لا يدرك أن معاملة النصراني هذا بالحسنى ومشاركته في بعض القضايا لا تعني المساواة بينه وبين المسلم العابد لله، ولا تعني وحدة الهوية والانتماء معه! فبيان حقيقة النظرة إليه من قبل المسلمين شيء ضروريّ حتّى يُدركَ عظم الجريمة التي يرتكبها في رفض طاعة الله والإسلام له! وإلا كنّا – برضانا عنه ومساواته مع المسلم – صادّين عن سبيل الله، فما الذي سيدفعه – من قبل المسلم – إلى البحث عن الحق والإقبال عليه ما دام المسلمون يعتبرونه مثلهم تماما؟! وحتى لا يُفهم الكلام أنه دعوة إلى العنف مع النصارى أو إلى منابذتهم وشتمهم وتعنيفهم أورد كلاما لي كنتُ قد كتبتُه في مقال سابق دفعا لشبهة “الطائفية” التي يهوى العلمانيون قذف الآخر بها!:

    “وأما الآخرون الذي رفضوا عبادة الله عن طريق المنهج الذي ارتضاه لكل البشر (الإسلام)، فالمسلم يتعامل معهم بأخلاق دينه الحنيف، فيشعر بالرحمة تجاههم اقتداءً بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: “وما أرسلناكَ إلا رحمة للعالمين” (الأنبياء: 107). ويعاملهم بالبر والعدل طالما كانوا مسالمين ولم يكيدوا له ويحاربوه في عرضه ودينه: “لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الممتحنة:  8). هذا بالنسبة للتعامل، أما بالنسبة للانتماء فهم قد رفضوا الانتماء إلى الله بعبادته وحده، لأنهم رفضوا اتباع منهجه للحياة، فالمسلم أمام حقيقة موضوعية تتمثّل في رفض هؤلاء الانتماء إلى ما ينتمي إليه فكيف ينتمي إليهم؟! إنهم في حسّه مرتكبون لجريمة كبرى، وأية جريمة أكبر من التنكّب عن طاعة الله عزّ وجل الخالق الكريم المنعم المتفضّل على البشر بنعمة الخلق والإيجاد والرعاية؟! “وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون” (الأنعام: 124).  إنها الغاية العظمى للبشر في تلك الحياة، أي إنها أخطر قضية في الوجود وأهم قضية! وكما تُقيَّم الجريمة في عرف القانون بحسب خطرها وعظم أمرها، فإن الجريمة الكبرى التي يمكن أن يرتكبها بشر على الإطلاق هي رفض طاعة الله والاستكبار عن اتباع رسله، وهي المسماة في الشرع: “الكفر”. والنظرة الموضوعية لمدلول كلمة “الكفر”، هذه النظرة المتجاوزة لمجرد الفزع من وقع جَرْسها كفيلةٌ بتصور قضية الكفر دون إنشاء الخوف والاضطراب والتوجّس في النفس. فاعتباري غير المسلم “كافرًا” لا يعني أنني سأشتمه أو أعنّفه أو أسيء إليه! إنما هو موقف “شعوري” أتّخِذه (ومن حقّي) – كمسلم عابد لله عزّ وجل – تجاه من استكبر عن عبادة الله ورفض اتباع رسوله، باعتبار أن ذلك هو غاية وجوده الإنساني! وأما التعامل فكما بيّنتُ يكون بالأخلاق الإسلامية، وبالبر والقسط، وبشعور الرحمة تجاه جميع البشر! والمسلم بعد ذلك يدعو هؤلاء إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، يدعوهم إلى الانتماء إلى الله عن طريق عبادته وحده دون شريك من الأهواء أو الأصنام أو المعتقدات الفاسدة، يدعوهم بشعور الرحمة والإشفاق من تبديد هذا الكيان الإنساني الكريم – وهو قادر “مخيّر” في أن يكون كريمًا مرتفعًا – إلى عبادة الله وحده بالمنهج الذي ارتضاه للبشر.. بهذا الشعور النبيل يتوجه المسلم إلى غير المسلمين، بحيوية وإشراق، وبشعور الرحمة والعطف، ولسان حاله يقول: “إنتماؤكَ إلى الله ارتفاعٌ إليه”! فأيّة رفعة وأيّ سموق وأيّة كرامة تلك التي يمتلكها المسلم بين جنبيه ويريد للبشرية – بشعور الشفقة والعطف – أن تمتلكها هي أيضًا!”. (حول الهوية الإسلامية؛ من سلسلة: أن تكون مسلما في أيامنا، بتصرّف).

    العلمانيون اللّبراليّون اليومَ يريدون تحريفَ هذه القضيّة، بدعوى “عدم الأدلجة” حينا (من كلمة “أيديولوجية”)، وبدعوى “نسبية الحقائق” حينا آخر. فأما رغبتهم في تحييد “الأيديولوجية” فهي تكمن في أن النقاش الموضوعي محسوم فيها لصالح الإسلام، لأنه المبدأ الوحيد المنزّه عن الخطأ، والذي ترشد إليه كل الحقائق الفطرية والكونية صارخة بأحقّيّته! وأما قولهم بنسبية الحقائق فهو راجع لرغبتهم في إخفاء الأرضية الثابتة من “المشترك الإنساني”، لتكون الأمور كلها “مائعة” بعد ذلك، لا يمكن الجزم بصحّتها كما لا يمكن الجزم ببطلانها! فتضيع الطاسة بضياع “المشترك الإنساني” الذي يشكّلُ بديهياتٍ وأدواتٍ تتفق عليها العقول السليمة (بغضّ النظر عن دين أصحابها) تصلحُ أن تكون أرضية خصبة للنقاش الموضوعي الموصل إلى الحق.. بيدَ أنهم لا يريدون هذا الحق! “يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون * هوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ” (الصف: 8 – 9).

    ولو كره العلمانيون.. ولو كره العلمانيون.. ولو كره العلمانيون!

__________________________________________

 لقراءة مقال “الحقيقة الإلهية” في موضوع “حقيقة وجود الله ووحدانيته” كنموذج للأدلة العقلية على عقيدة الإسلام أرجو الضغط: هنـا

.

19.4.2011

عكا

شريف محمد جابر

.

آخر تعديل: 20.4.2011

.

(لنشر المقال عن طريق الشبكات الاجتماعية “فيس بوك” أو “تويتر” أو غيرها أرجو الضغط على الأيقونات في الأسفل)

لماذا نرفض الديمقراطية؟

 

الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية ومن المنادين بالديمقراطية

.

 

لماذا نرفض الديمقراطية؟

.

(من سلسلة: أن تكون مسلما في أيامنا)

.

ربما يكون السؤال الأصح هو: لماذا نقبل الديمقراطية؟

سنحاول في هذا المقال طرح الموضوع من كل جوانبه، ولأن هناك أقواما من المسلمين ممن لا زالوا مخدوعين بدعوى الديمقراطية والدعوة إلى أخذ “آلياتها” أو استخدام “الاصطلاح” في وصف النظام السياسي الإسلامي دون أخذ “فلسفتها” أو جذورها الفكرية. لهؤلاء أكتب هذا المقال، فهم – وإن كانوا قد فهموا مخالفة الأصول الفكرية للديمقراطية الغربية للإسلام – فلا زالوا في تخبّط حين يتم الحديث عن “آليات الديمقراطية”، وبأن هذه الآليات لا تخالف الإسلام لأنها لن تخالف الشريعة في شيء.

بداية نحب أن نبين مخالفة أصول النظام الديمقراطي للإسلام، بكلمات أخرى مخالفة “الفلسفة” التي تقوم عليها الديمقراطية للإسلام. وهو أمر لا يغفل عنه مسلم مثقف ولكن سير البحث يحتاج منّا ذكر ذلك، حتى تتبين ثماره من خلال النقاط الأخرى في المقال.

الديمقراطية في أوجز تعريفاتها هي حكم الشعب لنفسه، ولا يختلف اثنان على أن الديمقراطية – كفلسفة ونظام – نشأت في أوروبا خلال ظروف وملابسات خاصة وقعت فيها الشعوب هناك، أهمّها طغيان الكنيسة والملوك على الشعوب الأوربية وممارسة الظلم والحجر على التفكير والحرية بشكل لا يطاق وكل ذلك باسم الكنيسة وإله الكنيسة، وباسم التفويض الإلهي لهؤلاء الملوك وإعطائهم “السيادة” التامة والسلطان الكامل في تسيير حياة الناس والحكم بينهم، مما جعل الكثير من الناقمين من المثقفين يفكرون في طريقة يسلبون بها سيادة الملوك وسلطانهم. ولم يكن أمامهم سوى حلّ واحد بطبيعة الحال، لأن السيادة تكون لأحد ثلاثة:

1 – للملوك وأهوائهم ورغباتهم، وهذا ما رفضه الناس لأنهم ذاقوا منه الطغيان والظلم.

2- للدين، وهذا أيضا لم يفكر به الناقمون لأنّ الملوك كانوا يحكمون ويتجبرون باسم الدين والتفويض الإلهي لهم، فتحولت النقمة على جعل الدين سيّدا على منهج حياة الناس، وأنه ينبغي أن يكون مجرد أمر شخصي في الضمير وشعائر الفرد وأخلاقه، لا يتعداها لتنظيم حياة الجماعة البشرية، ونشأ هذا الاستنتاج عند القوم لأنهم جرّبوا الدين الكنسي “المحرّف” الذي حكم باسمه الملوكُ والبابواتُ الشعوبَ المغلوبةَ على أمرها، وقد كان هذا الدين خاليا من الشريعة التي يمكن أن يحكم بها شعب! لأنه كان عقيدة روحية وتوجيهات خلقية فحسب، فأدى ذلك إلى سيطرة أهواء الملوك والبابوات على مهمة التشريع وتعبيد الناس لرغباتهم وما يرون هم، فنشأ الاستبداد باسم الدين، ونشأ الطغيان باسم الدين، والدين الحقّ منه براء!

3 – وكان الخيار الثالث الذي لا مفرّ منه هو أن يكون السلطان والسيادة للشعب، لا للملوك ولا للدين، وساعد في ذلك أن البديل الحقيقي (وهو الإسلام) كان مشوّها في صورته عند الأمم الأوروبية، بسبب الحملة التي شنّتها الكنيسة لنشويه صورة الإسلام في حس الأوروبيين عن طريق خلق الأساطير والخرافات ولصقها به حتى ينفر منه الناس، الحملة التي كان دافعها ما لاقتهُ الحملات الصليبية من مواجهة من قبل المسلمين في المشرق الإسلامي وفي الأندلس، وبسبب انحسارهم أمام المسلمين الترك في القسطنطينية، فتولّد – من جراء ذلك –  ”الحقد” الكبير تجاه الإسلام والمسلمين، ممّا صرف الناس عن التفكير بأن الإسلام هو الطريق الوحيد للنجاة من هذا الطغيان.

هذه هي الملابسات التي أدّت إلى نشوء الديمقراطية بعد سلسلة من النظريات والجهود التي قام بها المفكرون الأوروبيون، ابتداء بنظرية “العقد الاجتماعي” وأشهر منظريها: جون لوك وجان جاك روسو وتوماس هويز. وانتهاء بالديمقراطية الحديثة وما يدعى بالديمقراطية الليبرالية. ولا مجال هنا للتوسع في شتى هذه الأنواع، إنما يهمّنا الأصل الذي نشأت عنه واتفقت جميعها عليه وهو: جعل السيادة المطلقة في تنظيم شؤون الحياة التشريعية والتنفيذية والقضائية لإرادة الشعب (الأكثرية من الشعب). ولا شك عندنا أن هذا – الذي هو جوهر الديمقراطية – مخالف للإسلام، ففي حياة المسلم قضية كبرى مرتبطة بأصل الإيمان وهي قضية “المعبود”، فمن هو “المعبود” على وجه الحقيقة؟ آلله أم آلهة أخرى معه أو من دونه؟ ويتفرع عنها قضية أخرى خطيرة ومرتبطة بأصل الإيمان وهي قضية “من المشرّع”؟

{وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا، ولا حرّمنا من دونه من شيء} (النحل: 35).

فمدلول الآية أن الذي جعل هؤلاء المشركين مشركين هو تشريعٌ شرعوه من دون الله، أباحوا فيه شيئا حرّمه الله، أو حرّموا شيئا أحلّه الله، وهذا كفر مخرج من الملّة كما هو معلوم من الدين بالضرورة! وهو ذاته الذي يريده النظام الديمقراطي القائم – أساسا – على جعل مهمة التشريع ووضع منهج الحياة في يد البشر (الشعب). فجوهر الديمقراطية إذًا مخالف لأصل الإسلام وحقيقته!

ويقول تعالى: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (الأعراف: 54).

فالله خالق البشر ومدبر أمرهم له الحق – وحده – في وضع منهج حياتهم، وهو – وحده – العالم بما يصلح لهم من تشريع {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟!} (الملك: 14).

نكتفي بهذا القدر لبيان مخالفة أصل النظام الديمقراطي للإسلام، وقبل أن نجيء إلى قضية “آليات الديمقراطية” التي يثيرها فريق من المسلمين، نحبّ أن نبيّن ركيزة هامة من ركائز الديمقراطية لا يمكن أن تدعى “ديمقراطية” من دونها، وهي “الحرية الشخصية”، والتي كانت الدافع الأكبر للتمرد على سلطان الكنيسة ونشوء “العلمانية” ونظامها السياسي الذي هو “الديمقراطية”. وككلّ ردّة فعل في التاريخ إن حدثَ إصلاحٌ في جانب يحدثُ انحراف في جانب آخر، والذي حدث في الديمقراطية هو توسيع دائرة “الحرية الشخصية” حتى شملت حق العبادة وما يتضمّنه من حق الإلحاد وحق الانحلال الخلقي، كمقابل للكبت الذي ساد الحياة الأوروبية في العصور المظلمة. وأصبح ذلك من مميزات الديمقراطية الرئيسية التي لا تنفصل عنها إلا بزوال وصف “ديمقراطية” عن النظام الذي يضع قيودا للحريات استنادا على “نصّ ديني” خارج نطاق إرادة الشعب! وتشمل هذه الحرية – فيما تشمل – حرية التعبير ولو كانت بالتعرض للذات الإلهية، أو أحد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. ومن هنا ندخل إلى نقاش القوم الذين يقولون: نأخذ بآليات الديمقراطية ولا نأخذ بفلسفتها وجذورها الفكرية، لأنها آليات موجودة في الإسلام ولا تخالفه، ولا مشاحة في الاصطلاح على حدّ قولهم!

يريدون أن يصفوا النظام الإسلامي بأنه “نظام ديمقراطي”، بسبب تشابه بعض آليات الديمقراطية وضماناتها مع آليات الإسلام وضماناته كنظام. وهذا الادعاء فيه حشد من المغالطات يحسن أن نبسطها للقارئ الكريم حتى يتبيّن الرشد من الغيّ.

المغالطة الأولى: وصف الإسلام بأنه نظام ديمقراطي مع التخلي عن أهم خصائص الديمقراطية من تشريع بغير ما أنزل الله، ومن إباحة الحرية الشخصية في العبادة والتعبير وغيرها من ركائز الديمقراطية.. وصف الإسلام بالديمقراطي بعد إفراغ المصطلح من ركائزه الأساسية هو نوع من “التعسّف” الذي لا سند له ولا حاجة له أصلا! يقول هؤلاء الدعاة: إننا نقصد بذلك الوصف “الشورى الإسلامية”، الملتزمة بالكتاب والسنة، والتي تجتهد في المصالح المرسلة ملتزمة بمقاصد الشريعة. وقد صدقوا! ولكن هذا الذي يريدون ليس هو الديمقراطية، إنما هو الإسلام! ولنسأل أي ديمقراطي أصيل ولنقل له: إنّ نظامنا “ديمقراطي” ولكنه يحرّم الخمر، ويقيم الحدّ على المرتدّ، ويحرّم الزنا، ويلتزم بنصوص دينية من عند الله، فلا يحلّ الحرية المطلقة إنما يقيّدها بما أنزل الله.. سيقول لك على الفور: “إن هذا نظام يتدخّل في الحرية الشخصية وهذا ما أتت الديمقراطية أصلا لمحوه! إنه لا إلزام في الديمقراطية إلا لإرادة الشعب، ولا تملك أن تفرض على الشعب شيئًا بغير رضاهم”! وسبحان القائل: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} (الأنعام: 116). فلا يمكن بحال من الأحوال فصل آليات الديمقراطية عن أصل النظام وتسمية هذه الآليات “نظامًا ديمقراطيًّا”، فهذا أشبه بنزع “مقود” سيارة و”عجلاتها” وعرضها للناس – وحدها – على أنها “سيارة”!

ومثال آخر: في فرنسا اليوم دعوات لأخذ “آليات” من الاقتصاد الإسلامي لمعالجة المشكلات الاقتصادية التي تمر بها فرنسا ويمر بها العالم كلّه على وجه العموم. وقد بادر فعلا بعض الباحثين والمؤسسات إلى أخذ هذه الآليات، فهل يصح أن يسمى نظامهم الاقتصادي – بعد أخذهم لبعض الأحكام – نظاما إسلاميا؟ إنه فضلا عن تركه لبقية أركان الإسلام وأحكامه، قد توجّه إلى تطبيق بعض الأحكام توجّها “نفعيًّا” وليس توجّها “خالصا” لله عز وجل، ولا يغيب عن مسلم أن “الإخلاص” أحد شروط قبول العمل، فهم كما قال الله عز وجل: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا} (الفرقان: 23). فلا يقبل هذا العمل ولا يوصف بأنه “إسلام” أو “إسلامي”، لأنه لم يلتزم “بجوهر” الإسلام الذي يشترط أمورا أخرى غير مجرد التطبيق الجزئي لبعض الأحكام!

المغالطة الثانية: هي عودة إلى ما بدأنا به المقال: لماذا نقبل الديمقراطية؟ هل نحتاج كي نصوغ نظامنا السياسي في الإسلام إلى وصفه بالـ “ديمقراطي”؟ وهل هذه الآليات تتوفر بمعطياتها في الديمقراطية ولا تتوفر في الإسلام؟ لقد أقر القائلون بالديمقراطية أن ما يجدونه فيها هو موجود أصلا في الإسلام! وأهم تلك الآليات هي الشورى ومشاركة الأمة للحاكم والضمانات في ردعه إن طغى. فإذا كانت موجودة أصلا في الإسلام وفي تطبيقه الواقعي في فترات من التاريخ، فما الداعي لاستعمال المصطلح ووصفها بالديمقراطية؟!

إن الإسلام لم يترك بابا من الخير إلا ودلّنا عليه، ولا بابا من الشر إلا وحذّرنا منه: “إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلّ أمته على خير ما يعلمه وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم” (مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص). ولقد علّمنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم آداب قضاء الحاجة، فهذا الدين الذي تعرّض لأصغر الأمور وبيّنها، أيكون قد غفل عن الهداية في مجال النظام السياسي للأمة وهو من أهم نشاطات البشر وأخطرها؟! كلا! فوجود النظام السياسي الحامي والمنظم لشؤون الأمة والذي يكفل الخير والعدل هو مقصد أساسي من مقاصد الشريعة الإسلامية، فهل يصحّ قول القائل أن الله تعالى أو رسوله عليه الصلاة والسلام لم يبيّن كل ما يلزم من أمور لبناء الكيان السياسي للأمة المسلمة ونحن في حاجة إذًا إلى استيرادها من الأمم الجاهلية التي كانت أنظمتها ردّة فعل عن طغيان لم يحدث أصلا عندنا؟! بل بيّن الإسلام الضمانات التي تكفل حق مشاركة الأمة عن طريق الشورى، وجعل ذلك من ركائز النظام السياسي للأمة، بل وجعل تأطيرَ الحاكم على الحق والعدل من التكاليف التي تؤثم الأمة بمجموعها إن لم تقم بها:

{والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} (الشورى: 38).

أنظر إلى وضع الشورى في الآية بين فريضتين (الصلاة والزكاة) مما يدلّنا على مكانتها كفريضة ربانية!

“إذا رأيتم أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودّع منها” (رواه الحاكم في المستدرك).

“الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم” (رواه مسلم).

“إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع” (رواه مسلم). (أي من رضي بالمنكر وتابع فيه فلا برئ ولا سلم).

روى البزار والطبراني عن أبي هريرة: “أتى الحارث ُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ناصِفْنا تمر المدينة وإلا ملأناها عليك خيلاً ورجالاً قال: “لا حتى أستأمر السعود ([1])، فكلهم قالوا: والله ما أعطينا الدنية في أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الإسلام، فأخبر الحارث فقال: غدرت يا محمد.

واستشارهم في ( أُحُد ) بعد أن أخبرهم برؤياه التي تُنبئ بأن المدينة درع حصين ويعرض لهم رأيه أنهم لا يخرجون من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن أقام المشركون بمقامهم أقاموا بشر مقام وبغير جدوى، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت – وكان هذا هو الرأي – ولكن أشار عليه الكثير من المسلمين بخلاف ذلك فاستجاب لرأيهم([2]).

وتعلّم أصحابه رضوان الله عليهم منه صلى الله عليه وسلم هذا الأمر. يروي لنا التاريخ في غزوة مؤتة ما فعل أصحابه صلى الله عليه وسلم حين واجهوا – وهم ثلاثة آلاف مقاتل – جيشًا قوامه مائتا ألف فجعلوا يتشاورون حتى شجعهم عبد الله بن رواحة – رضي الله عنه – بقوله: انطلقوا فإنما هي إحدى الحُسْنَيَيْن: إما ظهور وإما شهادة، فاستقر الرأي إلى ما دعا إليه عبد الله بن رواحة رضي الله عنه([3]).

وقد أكثرتُ من الأمثلة لمعايشة النصوص والروايات حتى لا يكون حديثنا ناشئًا من فراغ، وحتى يكون هناك مجال للفكر أن يلمس واقعية ما نقول.

المغالطة الثالثة: وهي تتمثل في وصف السابق باللاحق، بكلمات أخرى: من هو السابق واللاحق هنا؟ النظام السياسي الإسلامي أم النظام الديمقراطي؟ لا مجال للشك بأن النظام السياسي الإسلامي سابق بقرون طويلة على الديمقراطية وتشكلاتها المختلفة. وفي عُرف التاريخ – كما هو معلوم لكل دارس للتاريخ – أن القياس بين المبادئ والنظم يكون بقياس اللاحق – زمنيا – على السابق، فيقال – مثلا – : الديمقراطية نظام متأثر بالإسلام وتطبيقِه العمليّ لقرون في الأندلس وفي المشرق الإسلامي، وهو قول حقّ لا شائبة تشوبه، لأن الأوروبيين ما أحسّوا بفظاعة الظلم الواقع عليهم ولا بالجهل والضلالة التي يعيشون فيها إلا حينما احتكّوا بالعالم الإسلامي ولمسوا الحياة السياسية والاجتماعية والتطور العلمي والحضاري الذي وصل إليه المسلمون، فكان ذلك هو دافعهم إلى التفكير في النهوض (لتفصيل ذلك إقرأ رسالة العلامة محمود شاكر “في الطريق إلى ثقافتنا”). فكيف يكون من الصواب أن نُلحق الإسلام بالديمقراطية ونصفه بأنه “نظام ديمقراطي”، وكأن الديمقراطية هذه شيء أصيل في الحياة، أو سابق للإسلام فيوصف به!

المغالطة الرابعة: أمرنا في ديننا الحنيف باتقاء الشبهات، فأي تطبيق لهذا التكليف يكون حين نصف الإسلام بنظام جاهلي مبنيّ على تحكيم أهواء الناس وإعطائهم مهمة التشريع من دون الله؟! هذا إِنْ فرضنا أن وصف النظام الإسلامي بأنه ديمقراطي هو مجرد “شبهة” وليس خطأ شرعيًّا ومعصية تتمثل في وصف النظام “الرباني” بنظام “جاهلي”! وقد اشتهر مصطلح الديمقراطية بمعناه المعروف في الغرب، بما بحمل في طيّاته من جاهلية وانحراف عن منهج الله، فلا يصح أن نصف به دين الله عزّ وجلّ.

ونختم المقال بكلام قيم للأستاذ سيد قطب – رحمه الله – في كتاب “العدالة الاجتماعية في الإسلام” إذ يقول:

“كذلك لم أستسغ حديث من يتحدثون عن “اشتراكية الإسلام” و “ديمقراطية الإسلام”.. وما إلى ذلك من الخلط بين نظام من صنع الله – سبحانه – وأنظمة من صنع البشر، تحمل طابع البشر وخصائص البشر من النقص والكمال، والخطأ والصواب، والضعف والقوة، والهوى والحق.. بينما نظام الإسلام الرباني بريء من هذه الخصائص، كامل شامل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

“إن الإسلام يقدم حلولا مستقلة لمشكلات الإنسانية، يستمدها من تصوره الخاص، ومن منهجه الذاتي، ومن أسسه الأصيلة، ومن وسائله المتميّزة؛ وعلينا حين نناقشه ألا نكله إلى مذاهب ونظريات أخرى تفسره، أو تضيف إليه؛ فهو منهج متكامل، ووحدة متجانسة؛ وإدخال أي عنصر غريب فيه كفيل بأن يفسده، كالجهاز الدقيق الكامل، أية قطعة غريبة عنه تعطل الجهاز كله، وتظهر كأنها رقعة فيه!

“وأنا أدلي بهذه الكلمة المجملة هنا، لأن كثيرا ممن اندست في ثقافتهم وأفكارهم قطع غريبة من أجهزة النظم الأجنبية، يحسبون أنهم يكسبون الإسلام قوة جديدة، إذا هم طعّموه بتلك النظم. وهو وهم خاطئ يفسد الإسلام؛ ويعطّل روحه عن العمل؛ وهو في الوقت ذاته إحساس خفي بالهزيمة، ولو لم يعترفوا صراحة بالهزيمة!” (سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 78).

ومن النقطة التي انتهى منها الأستاذ سيد قطب نختم بالمغالطة الخامسة والأخيرة: فالهزيمة النفسية الخفية هي الدافع الأول لهذا التوجه، الذي أراد أن يصف الإسلام بأسماء النظم الجاهلية التي تقوم على قاعدة عزل منهج الله عن التشريع وعن صياغة حياة البشر.. إنهم – وإن لم يعترفوا بذلك – مهزومون أمام السطوة والعربدة التي تمارسها الحضارة الغربية، فهي عندهم محور الاهتمام والتطلع، ومقاييسها ومعاييرها هي المقاييس والمعايير التي ينظرون منها إلى الأشياء! وتلك نقطة على غاية من الأهمية، فإنه فضلا على ضرورة التخلي عن الهزيمة النفسية عند المسلم فوجود هذا الشعور “السلبي” يجعل المسلم دائما في قافلة “التبعية”، ومن أهم شروط النهضة للأمة الإسلامية هو التخلي عن التبعية، والاستعلاء على كل القيم الجاهلية مهما انتفشت وبرزت في العالم.. والثقة بالنفس وبالرصيد الذي يملكه المسلم من القيم والمعايير شرطٌ أساسي في نهوضه لا يمكن أن يجتمع بحال مع الهزيمة النفسية ومع التبعية لمعايير الحضارة الغربية والنظر إليها على أنها هي محور الأشياء في العالم! وإن استعمال هذه المصطلحات المناقضة في معانيها للإسلام من شأنه أن يوحي لعامة المسلمين أنه لا تناقض بين ما تحمله هذه المصطلحات من “قيم” وبين الإسلام.. مما يسهم في إضفاء الشرعية على الممارسات العلمانية التي تجري مباضعها في عقول المسلمين وأرواحهم وتعزل شيئا فشيئا مفاهيم الإسلام عن فاعليّتها في واقع الحياة!

.

8.1.2011

عكا

شريف محمد جابر


([1]) سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وسعد بن خيثمة، وسعد بن الربيع، وسعد بن مسعود.

([2]) صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم ص241.

([3]) المصدر السابق، ص 375-376.

______________________________

المراجع:

1)    كتاب “حقيقة الديمقراطية” للأستاذ محمد بن شاكر الشريف.

2)    كتاب “العدالة الاجتماعية في الإسلام” للأستاذ سيد قطب رحمه الله.

3)    كتاب “الطريق إلى الجنة”، للشيخ عبد المجيد الشاذلي.

معالم النهضة الإسلامية

 

 

.

.

معالم النهضة الإسلامية

 


مفهوم النهضة:

حينما نتحدّث عن النهضة لا بدّ وأن نحدّد أولاً أننا نتحدث عن المعنى “الاصطلاحي” لها الذي برزَ وتبلوَرَ بعد “النهضة الأوروبيّة”، ولن نتحدّث عن المعنى اللغوي، رغم وقوع المعنى الاصطلاحي في عموم المعنى اللغوي. ونحن نريد في هذا المقال أن نحدد معنى “النهضة” عند الأمة الإسلامية، وقبل ذلك فلنبدأ بالتعريف.

في المعجم الوسيط: “النهضة: الطاقة والقوة. والوثبة في سبيل التقدم الاجتماعي أو غيره. ويقال: كان من فلانٍ نهضة إلى كذا: حركة. وهو كثير النهضات”. ويقول الدكتور جاسم سلطان (بعد مسحه لتعريفات مختلفة للنهضة بعدد من الأبعاد) في مقال له بعنوان “مقاربة في تعريف النهضة”: “ومن كل ذلك نستنتج بأن جوهر الموضوع المطروح هو أن النهضة في الحالة الأوروبية هي عملية خروج من نسق فكري مقيد للعقل (مثلته الروح الكنسية بمستواها الثقافي والمادي المتحكم في الحياة الأوروبية) إلى نسق آخر يسمح للعقل بالانطلاق ليقوم بوظيفته في الإبداع وإعمار الحياة. وأن جوهر الانطلاق كان من خلال الثقافة الأوربية ذاتها بتجاوز انغلاق فترة زمنية محددة وهي العصور الوسيطة، وبالتالي تم التأسيس على قاعدة معرفية موجودة في المخيال الأوروبي وليست خارج أنساقه المعرفية. فهي عملية تنشيط لمخزون موجود وتطويره ليصبح زادا لمرحلة قادمة بمعنى أنها ليست عملية اجتثاث للتراث بل هي إعادة غربلة للتراث واستبقاء النافع منه وطرح الضار”. ويقول بعد ذلك: “وبالتالي فالنهضة في جوهرها: هي عملية حياة فكرية جديدة تتجاوز انغلاق فترة زمنية سابقة وقيودها المعيقة. وهي مؤسّسة على المراجعة والتقويم وليست مبنيّة على الاجتثاث والقطيعة. وهي عملية متصلة بالذات وليست غريبة عنها. وهي مقدمة لإعمال العقل وليست نهايات عمله”. انتهى الاقتباس.

وخلاصة المعطيات الهامة التي تحويها هذه النقول وبدمجها مع معطيات التاريخ الأوروبي نستنتج:

1)     أننا لن نبحث عن المعنى اللغوي حين نتحدث عن الكيفية التي تنهض بها الأمة الإسلامية. إنما نتحدث عن المعنى الاصطلاحي الذي نشأ في أوروبا وكانت له آثاره الواقعية.

2)     أن النهضة الأوربية قامت على إلغاء الهيمنة الكنسية وطغيانها الروحي والفكري والمادي والعودة إلى جذور معرفية كانت قبل عهد الكنيسة تتمثل بالفترة الإغريقيّة، أي بفصل الدين (الكنسي) عن الحياة وإعطاء العقل كامل الحرية في الإبداع والنمو والتطوير والتعمير دون أي قيد.

3)     أن التغيير الأساسي في النهضة الأوروبية هو في حصر “مصدر المعرفة” في “العقل” البشري بعد أن كانت “الكنيسة” تأخذ نصيب الأسد في تشكيل الفكر الأوروبي.

4)     أن عملية التقويم والمراجعة لا بدّ منها حين نبتغي تحديد عوامل تخلّف أمة معينة وأسباب نهوضها.

5)     أنه لا يمكن فصل النهضة الأوروبية عن ملابساتها التاريخية، وبالتالي لا يمكن نقل التجربة الأوروبية في النهضة إلى أمة أخرى كانت لها ملابسات مختلفة تمامًا كالأمة الإسلامية. (لم يكن عند الأمة الإسلامية دين كنسي محرّف، ولم يكن عندها شيء اسمه رجال دين يتحكمون بأرواح الناس ويمسكون بمفاتيح المعرفة كلها، الدينية والكونية!).

6)     أن النهضة بمفهومها العام هي: عملية تحرّر من حالة راهنة غير مرضية إلى حالة منشودة وفق مفاهيم الأمة التي تطلب النهوض[1].

.

المسلمون والنهضة:

بعد أن تحدثنا عن مفهوم النهضة العام وعن الحالة الأوروبيّة بشكل موجز نريد أن نلتفت إلى “الأمة الإسلامية” مادة هذا البحث، ونسأل ابتداءً: هل هي أمة ناهضة؟ والجواب واضح لا يختلف عليه اثنان، فالأمة في حالة غير مرضية لمجموع أبنائها، والتبعية للغرب وهيمنته على أوضاعها السياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية أوضح من أن يشير إليها بنان! والسؤال الآخر الذي نسأله بعد ذلك: هل كانت الأمة في يوم من الأيام أمةً ناهضة؟ والجواب هنا واضح كذلك، فالحديث عن أمجاد هذه الأمة منذ عهد النبوة والخلافة الراشدة إلى عهود ليست ببعيدة هو حديث ذو شجن يملأ الكتب والصحف والمواقع الإلكترونية والبرامج التلفزيونية التي أنشئ بعضها خصيصًا ليعرض للمسلمين هذا الوجه المشرق من تاريخ الأمة[2]، بل ولا نحتاج إلى إثبات ذلك لدرجة أن الغرب هو أول من يعترف للأمة بأنها كانت الأمة الرائدة الأولى في العالم[3]!

إذًا فنحن أمام أمة كانت ناهضة لفترة طويلة ثم تخلّفت.. فكيف نهضت؟ وكيف تخلّفت بعد ذلك؟

فلننظر إلى نشأة هذه الأمة وإلى “العنصر” الذي أدى إلى انطلاقها لتكون الأمة الرائدة والأمة العالمة في الأرض.. ما هو هذا العنصر؟

.

النهضة الأولى:

لقد كان القوم الذين شكلوا “القاعدة البشرية” الأولى للأمة الإسلامية هم العرب الذين يسكنون في شبه الجزيرة العربية. وكانت هنالك عناصر عديدة تجمعهم منها: وحدة الأرض، وحدة التاريخ، وحدة اللغة، وحدة العادات والتقاليد.. وغيرها.. ولكنّ أيًّا من هذه العناصر لم يُسهم في إنشاء “أمة” من أولئك القوم، ولم يطرأ على العرب في جزيرتهم أي تغيير مناخي أو تطوّر اقتصادي أو تقدم علمي أو اكتشاف حتى يحدث فيهم هذا التغيير المتمثّل بتشكل أمة مجتمعة من فلولهم وانطلاقها في الأرض لتفتح البلاد وتنشئ وتعمّر وتبني مجدها العلمي والحضاري.. فما هو العنصر الذي دفعها لكل ذلك؟

لقد كان “التوحيد” بمقتضياته هو العنصر الوحيد الذي دخل على العرب، فغيّرهم تغييرًا شاملاً لا في الأجسام والأشكال إنما بإعادة الإنسان العربيّ إلى الوضع السويّ الذي ينبغي أن يكون عليه فكرًا ووجدانًا وسلوكًا، كما يُعيد المغنطيس ترتيب الذرات في الحديد رغم عدم تغيّر شكل الحديد! كانت للعرب آلهة شتى توجّه “أفكارهم” و”وجداناتهم” و”سلوكهم” لا تقتصر على “الأصنام” فحسب، إنما تتجاوز ذلك إلى أشياء أخرى:

كان الهوى إلهًا معبودًا: “أفرأيتَ من اتخذ إلهه هواه”؟ (الجاثية: 23).

وكانت القبيلة إلهًا معبودًا، يقول الشاعر العربي دريد بن الصمّة وهو يصف تبعيته وطاعته لقبيلته في الرشد والغي على السواء:

وما أنا إلا من غزيّة إن غَوَتْ      غَوَيْتُ وإن ترشد غزيّةُ أرشدِ!

وكان عرف الآباء والأجداد إلهًا معبودًا: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ”. (البقرة: 170).

والإله هو المعبود، أي المُطاع. ولمّا كانت تلك الأمور كلها مطاعةً في حياة العرب كانت تمثّل الآلهة التي تُشتّت طاقاتهم وتمنع نهضتهم بما كانت تحوي من ضلالات وتفاهات حتى جاء الرسول صلى الله عليه وسلّم بالتوحيد يدعوهم إليه، فتركّزت طاقتهم في اتجاه واحد، وفي هدف واضح لا تبدده مشاغل الأرض التافهة ولا ضلالات الجاهلية.

كان التوحيد بمقتضياته (التي تمثّل كل الدين) يملأ عليهم حياتهم.. وكانوا يتلقّون حقائق هذا التوحيد ومقتضياته من مصدر واحد فحسب، وهو الوحي المنزل من عند الله المتمثّل بكل ما يأتي عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم قرآنًا كان أو سنة. وكانوا يتلقون ما يأتيهم عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم بمنهج “التلقي للتنفيذ”[4]، أي يعتبرون هذا القرآن وهذه السنّة “منهج حياة” بالنسبة لهم، فيتعرفون على شرع الله كي يطبقوا ذلك في حياتهم كلّها، وكان الأصل في أعمالهم أن تكون كلّها لله، وأن يلتزموا فيها بما جاء من عند الله.. وبهذا المنهج “الجدي” في التعامل و “الواقعي” في التطبيق كانوا يتعاملون مع دين الله عزّ وجلّ.

وإذا قارنّا حال الأمة “المتخلف” اليوم بحال الأمة في أيام نشأتها وعزها ندرك الفرق الجوهري في هاتين النقطتين: “مصدر التلقي” و “منهج التلقي”.

.

مصدر التلقي.. ومنهج التلقي:

فأمّا “مصدر التلقي” عند الأمة في أيام نهضتها فقد كان في أمور الفكر والعقيدة والتصورات ومنهج الحياة والتشريعات والقوانين هو “الوحي المنزل” فحسب دون غيره، بينما نجد أن الأمة في عهد انحطاطها الحاضر قد اختلطت عندها مصادر التلقي، فقد تأخذ من الوحي أمور عقيدتها الأساسية وشعائرها التعبّدية وبعض التكاليف الشرعية الفردية والأخلاق، ولكنّها في الكثير من أمور “الفكر” تأخذ من مصادر “جاهليّة” تخالف في أصولها المعرفية أصول الدين المنزل من عند الله. وتَحكمُ الكثيرَ من مناهج حياتها “قيمُ” الغرب الجاهلية التي تخالف “القيم الإسلامية”، وتأخذ في تشريعاتها التي تَحكُمُ عامة شعوبها من تشريعات الغرب وقوانينه ودساتيره التي تناقض أصول التشريع الإسلامي المستمد من الإسلام.

وأمّا “منهج التلقي” فقد بيّنا كيف كان التعامل الجدي مع دين الله عزّ وجلّ عند الأجيال الأولى من المسلمين، وكيف كانوا يتعرفون على شرع الله تعالى لا ليزدادوا من زاد الثقافة والمعرفة كما تفعل الأجيال الحاضرة! إنما ليطبقوه في حياتهم الواقعية. وكانت قضية الإسلام هي القضية الأولى التي تملأ حياتهم تفكيرًا وعملاً فقد وعوا قول الله تعالى: “وما خلقتُ الجنّ والإنس إلا ليعبدون” (الذاريات: 56). بينما نجد أن قضية فهم الإسلام ودراسته وتطبيقه في جميع مجالات الحياة هي آخر ما يشغل هذه الأمة في حاضرها، تشغلها عن ذلك هموم الدنيا ورغباتها وزينتها مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عنه الصحابي الجليل مولاهُ ثوبان: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله! فمن قلة يومئذ؟ قال لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب عدوكم؛ لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت”. (المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الجامع). وهذا الحديث الشريف ينفي بشكل قاطع أن يكون تأخّر الأمة اليوم وانهزامها بسبب تآمر الأعداء وتكالبهم فحسب، إنما يفسّر لنا بشكل واضح وحاسم سبب هذا التآمر والتكالب، وأنه نتيجة لانحراف هذه الأمة ذاتها عن المنهج الرباني، وذلك بالضعف العقدي الذي طرأ عليها والذي عبّر عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ قال: “يجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب عدوكم؛ لحبّكم الدنيا وكراهيتكم الموت”.

.

انحراف المفاهيم:

لقد أدى اختلاط مصادر التلقي منذ فترة طويلة في حياة هذه الأمة إلى دخول مفاهيم مغلوطة حول الدين وحول الحياة، منذ تأثر المسلمين بثقافات البلاد التي فتحوها وثقافات البلاد التي وراءها وعلى وجه الخصوص “الفلسفة”. وكان من أخطر المفاهيم التي تسربت في كيان الأمة الفهم الخاطئ للتوحيد الذي يفرغه من محتواه الفاعل في واقع الحياة ويجعله متحقّقًا بالنطق والتصديق فحسب! والفهم الذي جَعَلَ مفهوم العبادة مجرّدًا من شموله لكل مناحي الحياة حتى اقتصر على “الشعائر” كالصلاة والصيام والزكاة والحج وبعض الفضائل. والفهم الخاطئ لقدر الله بحيث أصبح تواكلاً واستسلامًا للواقع السيّء على اعتبار أنّه قدر الله الذي لا تبدّله إرادة الإنسان! والفهم الذي فصل “الآخرة” عن “الدنيا”، وجعل من يريد الآخرة يعتزل الدنيا، ومن يريد الدنيا يهمل أمور آخرته، كتفسير خاطئ للآيات والأحاديث النبوية التي تذم الدنيا[5]. ويضاف إلى هذه المفاهيم الخاطئة الاستبداد السياسي الذي ساد الأمة الإسلامية منذ فترة مبكّرة مما أدى إلى انعزال الأمة عن “الممارسة السياسية” وعن تأطير الحاكم على الحق والعدل. كان من جراء كل تلك الانحرافات أنْ بدأت تنحسر تدريجيًّا فاعليّة التوحيد ومقتضياته في حياة الأمة الإسلامية حتى وصلت إلى الحالة الراهنة التي اتسمت الأمة فيها بالتخلف الفكري والسياسي والاقتصادي والعلمي والحضاري.

.

كيف يؤدي انحراف “المفاهيم” إلى “التخلف” في جميع هذه المجالات؟

من المعروف بداهة أن “المفاهيم” تحكُمُ “السلوك”، وأن أيّ تغيير يطرأ على فهم إنسان لعملية ما يؤدي إلى تغير سلوكه في هذه العملية. ولمّا كانت التكاليف الإسلامية كلّها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتوحيد ومنبثقة عنه، كان من البديهي أن وضوحه وصفاءه وقوة فاعليته في حياة الأمة ستؤدي إلى تطبيق التكاليف بشكل أتمّ وبعزيمة أكبر، لأنها حينئذ ستكون مرتبطة بأصل الإيمان.

الممارسة السياسية وتأطير الحاكم على الحق والعدل من التكاليف التي أمرت بها هذه الأمة، وكان التفريط بها جراء ضعف ربطها بعقيدة التوحيد قد أدى إلى تفشي الاستبداد السياسي عند ولاة الأمر. “إذا رأيتم أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودّع منها” (رواه الإمام أحمد في مسنده). “إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع” (رواه مسلم).

والسعي في مناكب الأرض واستغلال خيراتها وتعميرها بمقتضى المنهج الرباني وتطويرها من التكاليف التي كُلّفت بها الأمة الإسلامية، وكان التفريط بها جراء ضعف ربطها بعقيدة التوحيد قد أدى إلى خمول الأمة الإسلامية وخفوت تطورها الاقتصادي رغم كون الأرض الإسلامية أغنى بقاع الأرض بالخامات الطبيعيّة! وتلك الغفلة هي التي جلبت الحملات البرتغالية ثم بقية الحملات الأوروبيّة إلى العالم الإسلامي لاستعماره واستلاب خيراته، وهذا كلّه حصل بسبب الانحراف في مفاهيم الدنيا والآخرة والتوكل والرزق والحضارة. يقول تعالى: “هو الذي جعَلَ لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه..” (الملك: 15). ويقول: “وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه”. ويقول: “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها” (هود: 61). وغيرها من التوجيهات الواضحة في دفع الأمة إلى الإنشاء والتعمير في الأرض بمقتضى المنهج الرباني.

وإعداد القوة العسكرية كان من التكاليف التي أُمرت بها الأمة: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم” (الأنفال: 60). وكان تفريط الأمة بهذا التكليف نتيجة لضعف ارتباطها بالتوجيه الرباني الذي هو أحد مقتضيات كلمة التوحيد.

والتطور العلمي كان كذلك من التكاليف التي كُلّفتْ بها الأمة، وإذا نظرنا إلى التكليف بالإعداد العسكري في الآية السابقة نتساءل: هل يمكن أن يتم هذا الإعداد من دون “علم” يشمل علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والميكانيكا وغيرها من العلوم؟ ويقول تعالى: “ولا تقفُ ما ليسَ لكَ به علم” (الإسراء: 36). وبمثل هذا التوجيه وغيره علّم المسلمون البشريّة “المنهج التجريبي” في البحث العلمي حينما كانوا ملتزمين بهذه التوجيهات على اعتبار أنها من مقتضيات إيمانهم. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم” (سنن ابن ماجة). ولا يخفى على أحد وضوح هذا التوجيه، حتى إن علماء المسلمين جعلوا طلب العلوم الدنيوية واجبًا كفائيًّا تأثم الأمة بمجموعها إن لم يقم أحد به[6]!

قد اتضح لنا إذًا أن التخلف الثقافي والتخلف السياسي والتخلف العسكري والتخلف الاقتصادي والتخلف العلمي هي “مظاهر” للانحطاط وليست أسبابًا له، إنما “أسبابه” هي الانحراف عن مفاهيم الإسلام جراء اختلاط مصادر التلقي في أمور العقيدة والفكر والتشريع ومنهج الحياة. فهل يكون من الحقّ في شيء أن يكون طريق النهضة هو الإصلاح الاقتصادي أو التطور العسكري أو تطوير العلوم والتكنولوجيا؟ إن هذه كلّها مطلوبة للأمة ولكنّها ليست “أسبابًا” أو “عوامل” للنهضة، إنما هي “مظاهر” لها. ولذلك كان التخلف في جميع هذه المجالات بمثابة “أعراض” للمرض الرئيسي الذي ألمّ بالأمة وهو الانحراف في فهم الإسلام وفي تطبيقه، وكان من السذاجة أن يتوجه المفكرون في النهضة إلى هذه “الأعراض” لعلاجها وإغفال أصل المرض كلّه! وأنا أقول هذا الكلام قاصدًا، لأنّ هناك من يزعم أن سر نهضة الأمة الإسلامية في السابق كامن في “إحسان” المسلمين في مختلف المجالات: في الكيمياء.. في الفيزياء.. في التعامل مع مياه الأمطار.. في المساجد.. في الشوارع.. في المدن[7]! وهو قول يفتقد إلى الموضوعية وإلى البحث العلمي الجاد، لأن هذا الإحسان هو “نتيجة” للنهضة وليس “سرًّا” لها! وتجد من يدعو إلى إيجاد المخترعين في الأمة والاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا والأسلحة والعمران، ويغفل في نفس الوقت أن المخاطب المسؤول عن كل ذلك هو الحكومات التي تدين بالولاء والتبعيّة والخضوع للغرب، ولا تملك في نفسها شيئًا فضلاً عن أن تملك عمل أي مشروع في سبيل نهضة علمية أو اقتصادية أو عسكرية! بل إن الواقع الذي نراه أنّ من هذه الدول العربية ما قد وصلت نسبة المتعلمين فيها إلى درجة عالية، ووصل الرخاء الاقتصادي إلى قمم مرتفعة! ورغم ذلك فهي دول لا توصف بأنها ناهضة في حال من الأحوال والقاصي والداني يعلم ذلك!

وربما يظنّ ظانّ أنّني لا أحبّ أن يتوجّه أبناء الأمة إلى التفرد في العلوم والتكنولوجيا والاختراعات وغيرها، وهذا غير صحيح، إنما الذي أقوله إن الاعتقاد السائد بأن ذلك هو طريق نهضة المسلمين هو اعتقاد خاطئ، لدلالة التاريخ ودلالة الحاضر كما بينّا. ولكن من الذي يمانع أن يتواجدَ المخترعون والمبدعون والمستثمرون المستقلون بين أبناء الأمة؟ وهل كلامنا عن طريق النهضة الحقيقي يمنع من تواجد هؤلاء؟ إنها تمامًا كأنْ أقول لأحدهم: إنّ اقتناءك للسيارة ليس هو الذي يمنع خطر دخول اللصوص إلى منزلك، بل يجب عليك أن تحكم إغلاق المنزل قبل الخروج.. هل كلامي هذا يعني أنّني أعارض اقتناءه للسيارة؟! إنما أقصد أنّه لكي تكون نهضة فلا بدّ لها من شروط.. وليس التطور العلمي ولا التطور الاقتصادي هو من شروط النهضة، بل من مظاهرها العديدة، التي تظهر تباعًا بعد تحقق الشروط. والدليل على ذلك هو نهضة هذه الأمة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يكن في دولة الرسول صلى الله عليه وسلم “حركة علمية” أو “حركة حضارية” ولم يبرز ذلك إلا بعد فترة طويلة من انطلاق النهضة الإسلامية التي ارتكزت على “تصحيح المفاهيم” و “تربية الأمة” على تطبيق هذه المفاهيم.

.

طريق النهضة:

لا بدّ من تصحيح مفاهيم هذه الأمة حول الدين باعتباره “منهج حياة” لا مجرد علاقة فردية بين العبد والرب، ومفاهيم العبادة والقدر والدنيا والآخرة والتوكل والرزق وغيرها من المفاهيم، ثم أن تتربى الأمة على هذه المفاهيم ومقتضياتها، ولها في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في منهجه التغييري، إذ عمل على نشر الفهم الصحيح بين أصحابه وعلى ترسيخ هذا الفهم وتطبيقه في نفوسهم عن طريق “التربية”[8]، وبهذه القاعدة البشرية المؤمنة العاملة بهذا الدين استطاع أن ينشئ نواة الأمة الإسلامية التي أصبحت بعد ذلك مركز الحضارة والعلم في العالم أجمع لفترة طويلة امتدت لقرون.

إن طريق النهضة واضح جليّ.. فإذا كانت النهضة هي: عملية تحرّر من حالة راهنة غير مرضية إلى حالة منشودة وفق مفاهيم الأمة التي تطلب النهوض.. إذا كان هذا هو المفهوم العام للنهضة فما هي مفاهيم الأمة الإسلامية الخاصة بها للنهوض؟ نعود إلى كتاب الله فماذا نجد:

“وعدَ الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا” (النور: 55).

الشرط واضح: الإيمان وعمل الصالحات.. عبادة الله دون شريك.. أي: التوحيد ومقتضياته. إنه العودة إلى فهم التوحيد والتلقي في مقتضيات هذا التوحيد في حياة الأمة عن المصدر الوحيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه “القرآن الكريم” و “السنة النبوية الشريفة”.

والنتيجة بعد القيام بالشرط واضحة كذلك: إنها الاستخلاف والتمكين والتأمين.. وتلك هي “معايير” نهضة هذه الأمة! فمتى كانت مستخلفةً ممكّنةً ومأمّنةً كانت أمة ناهضة.. وما لم تعمل “بشروط” النهضة فلا استخلاف ولا تمكين ولا تأمين لها.. لأنّ سنّة الله تعالى لا تحابي أحدًا من خلقه: “هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا” (فاطر: 43).

.


18.8.2010

عكا

شريف محمد جابر

 

 


 

[1] هذا هو تعريفي للنهضة.

[2] أنظر على سبيل المثال برنامج “خواطر 6″ لرجل الأعمال السعودي أحمد الشقيري.

[3] أنظر على سبيل المثال كتاب “حضارة الإسلام” لفون جرونيباوم.

[4] أنظر فصل “جيل قرآني فريد” من كتاب “معالم في الطريق” للأستاذ سيد قطب.

[5] إقرأ – إن شئت – فصل “مفهوم الدنيا والآخرة” من كتاب “مفاهيم ينبغي أن تصحح” للأستاذ محمد قطب.

[6] أنظر على سبيل المثال كلام الإمام الغزالي في “الإحياء”، كتاب العلم.

[7] أنظر برنامج “خواطر 6″ لأحمد الشقيري الحلقة الأولى.

[8] التربية هي: الجهد المبذول لتحويل المفاهيم إلى سلوك واقعي في واقع الحياة.