Tag Archive | الجاهلية

أختاه.. ماذا عن الحجاب؟

.

.

أختاه.. ماذا عن الحجاب؟

.

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الأحزاب: 59).

{وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور: 31).

أختي المسلمة.. هذا هو خطاب الله تعالى إليك ولكل المسلمين، يأمر فيه النساء بارتداء الحجاب الشرعي، فما لكِ لا تستجيبين لأمر الله العليّ الكبير؟

وأنا أعلم أن قضية الحجاب تكاد تكون من أعقد القضايا التي تواجهينها في حياتك، وفي طريقك إلى الله.. فلقد عملتْ شياطين الأرض لفترة طويلة على الحيلولة دون التزام هذا الحكم الشرعي القطعي في الإسلام. ولقد بثّوا سمومهم الفتّاكة في قلوب فتيات المسلمين، حتى غدا الحجاب مسألة معقدة تحتاج معها الفتاة إلى التفكير الطويل والجهد الكبير!

إنها – بدايةً – ليست قضية رجل يريد فرض رؤيته على المرأة الضعيفة كما يروّج بعض أعداء هذا الدين! إنما هي من عند الله سبحانه.. من عند خالق الرجل والمرأة.. الخالق المنعم المتفضل الذي يعلمُ ما يصلح للبشر في منهج حياتهم.

إن قاعدة الإسلام الأولى هي تصديق خبر الرسول صلى الله عليه وسلم جملةً وعلى الغيب، وقبول الشرع جملةً وعلى الغيب. ومن ثمّ فإنه من البديهي أن يكون مقتضى قبولنا بفرضية الحجاب التزاما به على الوجه الشرعي الذي أراد الله للمرأة. فإن تصديقنا بشرعية أمر ما وقبولنا لتطبيقه لا معنى لهما إن لم يتحققا في الواقع! وتلك هي حقيقة الإسلام، إذ إن العمل هو المطلوب في النهاية: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاعَ بإذن الله} (النساء: 64). ولا قيمة لقناعة لم تنتج سلوكا مطابقا لما تقتضي.. ولا قيمة للأحلام والأمانيّ والخيالات ما لم تتجسّد في واقع.. فالحجاب إذا طاعة لله عزّ وجلّ مرتبطة بالإيمان أشدّ الارتباط.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: “يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}. شققنَ مروطهنَّ فاختمرنَ بها” (رواه البخاري).

إنه مشهد نديّ بديع.. مشهد أولئك النسوة من الرهط الأول.. وهنّ يستجبن إلى أمر الله عزّ وجلّ حين نزل.. بسرعة عجيبة.. وبقبول فريد!

وأتصوّر نفسي وأنا عائدٌ في مجاهيل التاريخ.. أربعة عشر قرنا إلى الوراء.. أطلّ عليهن وهنّ يتلقّين هذا الأمر الربانيّ.. مدركاتٍ أنّ السعادة والأنس والراحة في الاستجابة على الفور.. لا يتلكّأنَ ولا يتردّدنَ للحظة بعد سماع الأمر.. فما بال فتياتنا والقرآن حاضر بين أيديهنّ وريح الجنة فائح في ظلاله.. ما بالهنّ يستنكفنّ عن تلبية هذا النداء الأنيس الفريد؟!

إن الواقع الجاهليّ الذي نعيش في كنفه واقعٌ ضخم في الحقيقة.. إنه ثقيل على كل مسلم.. وعلى الفتيات المسلمات على وجه الخصوص.. ثقيل على النفس.. ثقيل على الأعصاب.. ثقيل على الرغبات والأحاسيس.. وشياطين الأرض من الإنس يتولّون مهمة تزيينه في العقول والأرواح.. ويتولّون في ذات الوقت تشويه صورة الحق.. حتى يتبدّى الحق نشازا في جوقة الفجور الضالة المعربدة!

ولكننا نمتلك الزاد.. الزاد الذي يجعلنا نرتفع فوق هذا الواقع.. نرتفع بأرواحنا وعقولنا وأحاسيسنا وضمائرنا.. نرتفع فوقه لأننا نعلم أنه وحل.. وأنه جاهلية.. وأنه حياد عن منهج الله الذي ارتضاه للبشر.. إن معنى أن نلتزم بأوامر الله هو أن نكون مع الله في كل حين.. فمتى يكون الالتزام نابعا من شعور عميق بتلك القربى من الله العليّ الكبير تكون الفرحة الغامرة في قبول شرعه ومتابعة أمره ونهيه.. وما أجملها من لحظات.. وما أبهجها من لحظات.. تلك التي يكون المرء فيها شاهدا بسلوكه الحيّ على قبول شرع الله.. مدركا أن الله يراه في كل لحظة ويرى أنه ملتزم بأمره حبّا في طاعته وإيمانا بمنهجه.. وذلك هو حالك اختاه حين تلتزمين بالحجاب الشرعي.. إنك تشعرين إذ ذاك أنك مع الله.. فلا يعنيكِ من بهرج الجاهلية الضاغطة ومن فتنتها العارية أي سوء حين ترتضين حمى الله.. حين تدركين في نفسك أنك حقّقتِ انتصارا عليها، لأنك استطعتِ أن ترتفعي فوقها.. لتحلّقي في ذرى المجد والإيمان!

إنّكِ إذ ذاك تشعرين بالتناسق العجيب مع الكون من حولك.. الكون العابد لله.. فحين يخضع كيانك الاختياري لأمر الله ونهيه يتحقّق هذا التوافق الجميل الشفيف:

{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (فصلت: 11).

{إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} (مريم: 93).

{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} (آل عمران: 83).

{وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} (الروم: 26).

إن هذا الكون هو من خلق الله تعالى، وهذه الفطرة البشرية كذلك. فإذا كان الكون مقهورا على طاعة الله عزّ وجلّ، فإن الله قد وهب الإنسان خصالا كرّمه بها وفضّله على جميع من خلق:

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء: 70).

لقد كرّمه إذ أعطاه خصالا تميّزه عن بقية الخلق، أعطاه الإرادة والوعي وحرية الإختيار. ومقتضى هذا التكريم والتفضيل من الله العليّ العزيز أن يطيع الإنسانُ ربّه ويلتزم شرعه. دون تلكؤ ولا تحجّج بهذا الواقع. فإذا كان واقع الجاهلية البشرية ضاغط إلى الأسفل أفلا يكون واقع هذا الكون العابد لله كلّه أثقل في حسّه ليرتفع معه في طريق الله؟! أفلا يحسّ الإنسان بالوجود الحقيقي حين يشعر بتلك الوشيجة الحيّة التي تربطه بهذا الكون العابد وكلّ ما فيه من عوالم الجماد والحيوان والنبات؟!

إن معنى حجابك أختي الكريمة أن تكوني على صلة بمنهج الله.. وأن تكوني حيّة في معيّة الله.. وأن تكوني جزءًا من ذلك الرهط الكريم المبتدئ بسيدنا آدم عليه السلام.. مرورا بنوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى عليهم السلام.. ونبيّنا المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.. امتدادا له ما دمتِ على اتصال بالمنهل الذي تلقّوا جميعا منه.. الوحي الرباني.. تسيرين في طريق الله واثقة الخطى.. مترفّعةً عن كل ما تتوهّمينه من ضغط أو تخلّف عن ركب الناس.. فهو ركب التائهين.. وذاك ركب المكرمين فأي الركبين أحق بالمتابعة؟!

وسوف تصادفين في طريق الله ابتلاءاتٍ كثيرة.. ولكن ثقي دوما أن الله إذا أحبّ عبدًا ابتلاه.. وسوف ينفثُ شياطينُ الإنس والجنّ في روعكِ أنْ أعرضي عن منهج الله.. ولكن تذكّري دوما أن الشيطان {ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون} (النحل: 99).

.

4.3.2011

عكا

شريف محمد جابر

أن تكون مسلما في أيامنا (المسلم والواقع)

.

 

.

.

المسلم والواقع


(من سلسلة “أن تكون مسلما في أيامنا“)

.

في عالم الواقع يواجه المسلم قضية على غاية من الأهمية، هي قضية “الواقعية”. وقد يعبر عنها أحيانا “بمسايرة الواقع” أو “بالانطلاق من واقع الناس” في الحياة. وتلك من المشكلات التي نحتاج إلى بيان خطرها وبيان المفهوم الصحيح للتعامل مع الواقع عند المسلم.

إنّ الواقع الذي نعيشه اليوم هو واقع “جاهلي” في غالبية جوانبه.. فواقع المجتمع أنه مجتمع جاهلي، لأنّه يُحكم بأنظمة جاهلية وتسوده العلاقات الجاهلية وتهيمن عليه مفاهيم الجاهلية. وأقصد بالجاهلية: الجهل بحقيقة الألوهية واتباع غير ما أنزل الله. أقول إنّ الواقع في “غالبية” جوانبه واقعٌ جاهلي وليس كلّه لأنّ هنالك أفرادًا رحمهم الله وهداهم للإسلام فعرفوه حقّ معرفته واتبعوا ما أنزل إليهم في تسليم تام. ولكنّ واقع الفرد “المسلم” لا بدّ وأن يلقى الصعاب ويواجه المتاعب لأنه يعيش في واقع كبير “جاهليّ”.. وهنا تكمن المشكلة!

إنّ الفرد المسلم الخاضع لله خضوعًا مطلقًا مكلّفٌ أن يحقق إسلامه على أرض الواقع، ولكن ثمّة فجوة عميقة تحول بين “الواقع المنشود” و”الواقع الموجود”. والمسلم مطالب بسدّ هذه الفجوة بقدر “الاستطاعة”. يقول الإمام الطبري في معرض تفسيره للمقطع الأول من الآية رقم 16 في سورة التغابن: “وقوله: { فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ } يقول تعالى ذكره: واحذروا الله أيها المؤمنون وخافوا عقابه، وتجنبوا عذابه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، والعمل بما يقرّب إليه ما أطقتم وبلَغه وسعكم”. وبناء على هذا الكلام فالمسلم مطالب بالتزام الأحكام الشرعية في أعماله قدر طاقته وما بلغه الوسع. فإذا كانت له أعمالٌ ينوي القيام بها فعليه أن يسأل نفسه: هل هذه الأعمال ترضي الله بأن تكون ملتزمة بشريعته؟ وإن كانت الأعمال مخالفة للمنهج الرباني فإنه يحرم عليه أن يقوم بها مهما توهّم من ذرائع خارجة عن نطاق الحكم الشرعي. فكان التذرع “بالواقع” غير مقبول حين يقوم بالعمل، لأن الأصل أن يستمد المسلم منهجه في الحياة من “الإسلام” ويحاول – قدر الاستطاعة – أن يطبّقه في”الواقع”. واتخاذ الواقع منطلقًا في تحديد الأعمال مخالفةٌ عظيمة لأساسيات الدين الحنيف! فهذا الواقع هو محلّ تنفيذ أوامر الله سواء كان واقع المجتمع أو واقع الضمير أو واقع الأفكار.. ليس بمعنى إجبار الناس من قبل المسلم على تطبيق الإسلام بالقوة مهما كانت الأوضاع، إنما بيان للأصل الذي يجب أن يكون وهو هيمنة المنهج الرباني على واقع الناس حتى يكون طائعًا لله كما هو واقع السماوات والأرض: “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَللأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ” (فصلت: 11).

إنّ جعل الواقع هو الموجه لسلوك المسلم أمر خطير يخالف – كما أسلفتُ – أساسيات هذا الدين. ونحن حين نريد أن ندعو الناس إلى الله لا نجعل الواقع حكمًا في منهج دعوتنا، وقد يقال هنا: إنّ دعوتنا في البلاد مثلا ليست كدعوة المسلم في البلاد المسلمة أو كدعوة المسلم في بلاد الغرب لغير المسلمين، فالذي يحدد منهج الدعوة هو الواقع!! وهذا الكلام باطلٌ لأنّ الذي يحدد منهج الدعوة ليس هو الواقع إنما الحكم الشرعي الذي هو: خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد. وحتى لو كان الواقع غير مذكور بشكل محدّد في كتاب الله أو سنة رسوله أو في الإجماع فإنّ هنالك ما يسمى “الفتوى” التي هي تطبيق الحكم الشرعي على الواقع، وهي بذلك حكم شرعي يجب اتباعه فيكون الحكم الشرعي هو الموجّه للسلوك وليس الواقع. يقول الإمام ابن القيّم: “ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبّق أحدهما على الآخر” (إعلام الموقعين، 1/87). وخلاصة كلامه أن الواقع ليس هو الذي يوجه سلوك المسلم إنما هو الحكم الشرعي في هذا الواقع الذي يستنبطه المجتهد بعد فهم الواقع وفهم حكم الله فيه.

إننا حين ندعو الناس لا ينبغي لنا أن ننظر إلى شيء غير مرضاة الله، حتى إذا قيل إنّ علينا أن نكون حكيمين في الدعوة، فإنّنا ننتهج الحكمة في الدعوة تقرّبًا إلى الله باتباع أوامره فقد أمرنا بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، فهي حكمٌ شرعي. ولن ينظر المسلم إلى واقع الناس كي يتحرّى “المطلوب” عندهم ثم يرفع عليه لافتة دعوته! فيكون بذلك قد غفل عن أهم خصائص الدعوة الإسلامية بأنّها دعوة تغيّر واقع الناس أفرادًا وجماعاتٍ حتى يكون واقعًا إسلاميًّا ولا تربّت على الواقع المخالف أو تتخذ منه منهجًا في التغيير! لأنه حين يبحث له في الواقع عن منطلق لدعوته لن يغيّر شيئًا، فالواقع هو الواقع والناس هم الناس، وإذا جئنا إلى بئر ملوّثة وسحبنا منها الماء ثمّ سكبناه في البئر مرة أخرى فلن نغيّر من “واقع” ماء البئر شيئًا!

ولن تكون “المصلحة” هي التي توجه سلوكنا في الدعوة لأنّها ليست حكمًا شرعيًّا. ثمّ إنّ شرع الله يحوي كلّ المصلحة للبشر ولا يمكن لإنسان أن يزعم أن مصلحته تكون في مخالفة حكم الله أو في الإعراض عن اتباع منهج الله: “قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ”؟ (البقرة: 140). ومن ثمّ تكون القاعدة في صياغتها الأدق: “أينما يكون شرع الله فثمّ المصلحة” وليس عكس ذلك!

.

22.7.2010

حيفا

شريف محمد جابر

المنطلقات الفكرية للإسلام

.

المنطلقات الفكرية للإسلام


المنطلقات الفكرية للإسلام هي تلك الإجابات التي يجيب بها الإسلام على “أسئلة الفطرة”. وهي أسئلة تصدر من كل إنسان سويّ على وجه الأرض – بوعي منه أو بغير وعي – بغض النظر عن دينه أو عرقه أو موطنه الجغرافي، ويجيب عليها بوعي منه أو بغير وعي كذلك.

من أين جئنا؟

ولماذا نعيش؟ (أي ما هدف الوجود الإنساني)

وماذا بعد الموت؟

وكيف نعيش؟ (أي على أيّ منهج نعيش).

يزعم بعض الناس أن تلك الأسئلة ليست أصيلة في كيان الإنسان، وأن “الديانات” هي التي أتت بها من عندها، ومن ثمّ فإنه من العبث أن نفترض صدورها من كل إنسان سويّ! ولن أناقش كثيرًا عند هذه النقطة بالتحديد، لأنني سوف أعرض لكل سؤال وما يتعلق به من خلال المقال، وفي نهاية المقال سيتضح أن كل إنسان يجيب على هذه الأسئلة ويتشكّل سلوكه في الحياة بناء على تلك الإجابات، ومن البديهي أن الإجابة يسبقها تساؤل.. بوعي أو بغير وعي!

السؤال الأول: من أين جئنا؟ وهو تساؤل فطري حول قضية “المنشأ”، منشأ هذا الإنسان.. وقد تكون الإجابة على هذا السؤال أنه ليس هنالك إله خلق هذا الكون والكائنات الحية فيه، وأن تفسير وجود الكائنات الحية بما فيها الإنسان هو “التفسير الحيواني للإنسان”، وأعني به “نظرية التطور” التي أتى بها تشارلس دارون (ت 1882) ثم طوّرها فيما بعد غيره من العلماء والتي تتمحور حول نشأة الأنواع الحية وتطورها عن طريق الانتخاب الطبيعي، أي استحداث صفات جديدة في الأنواع أو ظهور أنواع جديدة بفعل التغيرات التي تحدث في “الطبيعة” خلال ملايين السنين من عمر الحياة على سطح الأرض. ومن خلال هذه العملية التي سُمّيتْ عملية “التطور” سارت الحياة في سلسلة طويلة من الرقي التدريجي بدأت بالكائن الوحيد الخلية وانتهت بالإنسان! وقد قال دارون في أحد كتبه: “إن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق”، وقال: “إن الطبيعة تخبط خبط عشواء”. فهو ينفي يد الله من عملية الخلق كله، كما ينفي الغاية والقصد، لأنه يقرر أن الحياة وجدت على الأرض بالصدفة في ظروف معينة!

وبناء على هذا التوجه الذي ينفي وجود قوة “غيبية” تؤثر في عملية الخلق تتحدد الإجابة على بقية الأسئلة؛ فبالنسبة لسؤال “الغاية” من الوجود الإنساني (لماذا نعيش؟) فلا غاية.. لأن الحياة وجدت بالصدفة وتشكّلت من خلال عملية التطور! وبالنسبة للسؤال حول “المصير” بعد الموت (إلى أين؟) فكذلك تتضح الإجابة أنه ليس هنالك يوم آخر كما تؤمن “الديانات” ولا حساب ولا جزاء ولا جنة ولا نار.. لأن نفي الإله يقتضي نفي كل ما يتعلق به من “غيبيات”، فقضية “الإنسان” سوف تنتهي بعد أن يموت.. بمجرد أن يفقد الحياة ويوارى في التراب!

وقبل الوصول إلى الإجابة على السؤال الأخير بالنسبة لأصحاب هذا التصور أحبّ أن أرد على شبهة “اللاأدريين” الذين يقولون إنّ قضية وجود الله وأصل الكون لا يمكن معرفتها، أي لا يمكن إثبات وجود الله الخالق – بنظرهم – ولا يمكن إثبات عدم وجوده! وبذلك يزعمون أنهم لا يجيبون نفس إجابات منكري وجود الله. ولكن الحقيقة الواقعية البعيدة عن الجدل “الفلسفي” النظري تقول إن ذلك لا يفرق بين الاتجاهين في شيء من حيث التطبيق العملي، ذلك أن كلا الاتجاهين متفق في “عدم القدرة على إثبات وجود إله” أي كلاهما لا يؤمن بوجود إله مدبر حكيم والبديل هو واحد عند الفريقين، أعني الإجابة على السؤال الأخير “كيف نعيش”؟ (أي على أي منهج نعيش) وعلى أي شيءٍ نحتكم في اختياراتنا في جميع أمور الحياة؟ فبعد عدم الاعتراف بوجود خالق بالنسبة لهم، وبعد انتفاء “الغاية” وانتفاء فكرة البعث ووجود حياة أخرى بعد الموت كيف سيكون نهجهم في الحياة حينها؟

سوف تتمحور الإجابة حول الكيفية التي تتحقق بها “سعادة” هذا الإنسان على الأرض في رحلته القصيرة بين “المنشأ” و “الممات”. فليس ثمّة غاية.. وليس ثمّة حياة أخرى تتعلق بأعمال الإنسان واعتقاده في الحياة الدنيا.. فإذًا سيكون مفهوم “السعادة” هو تحقيق الاستمتاع في الأرض بأعلى قدر ممكن بعد تحقيق الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب وأمن واستقرار وطمأنينة. وسينشغل الإنسان بإشباع رغباته مع التفنن في هذا الإشباع عن طريق تحسين الحياة وتطويرها، فهي حياة قصيرة لا وجود لكيانه بعد انتهائها! فلِمَ لا يسعد بأكبر قدر ممكن؟ بهذا المفهوم الدنيوي للسعادة! وسيكون “العقل” أو “الهوى” هو المحكم في أمور الحياة.. هو واضع منهج الحياة!

هذه “المنطلقات الفكرية” التي هي عبارة عن إجابات على أسئلة الفطرة الأربعة هي “الأساس” الذي تنبثق عنه الصورة الواقعية لوجود الإنسان على سطح الأرض، سواء وجوده المادي أو وجوده المعنوي، وسواء وجوده السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. ومرة أخرى أقول: ليس من الضروري أن يكون كل إنسان واعيًا لتلك المنطلقات الفكرية، فقد يعيش بناءً عليها على غير وعيٍ كامل أو ربط مباشر لسلوكه بها، وقد يكون مقلّدًا للآخرين.. ولكن هذا كله لا يغيّر الحقيقة الواقعة، وهي أنّ أفكاره ومشاعره ومنهج حياته وأنماط سلوكه وعلاقاته بالكون والحياة والإنسان ستكون كلّها مرتبطة بمنطلقات فكرية معينة تتمثل بالإجابات على الأسئلة الأربعة.. أسئلة الفطرة. وقبل أن ننتقل إلى الإجابات الإسلامية على تلك الأسئلة سنأخذ مثالاً واقعيًا من الحياة حتى تتضح الصورة بشكل أكبر:

إنسانٌ لا يؤمن بوجود الله تعالى ولا يؤمن بغاية محددة لوجوده ولا يؤمن بيوم آخر! لا يهمّه بعد ذلك أن يذهب كلّ يوم إلى ارتكاب جريمة الزنا وارتياد الخمارات إذا كان ذلك يتوافق مع رغباته وأهوائه. وبالنسبة لديه لا يوجد خالق أنزل له منهجًا يحرّم عليه هذه الأعمال. فبناءً على نفيه لفكرة “الخالق” وفكرة “الشريعة الربانية” يتحدد “سلوكه” في واقع الحياة. وللدقة نقول: يتحدد سلوكه – مع الاستحلال – لتلك الأعمال، أي مع نفي حق هذا الخالق (غير الموجود برأيه) بتحريم أو تحليل عمل من الأعمال وإعطاء هذا الحق للعقل والأهواء. أما الذي يؤمن بخالق وشريعة تحرم تلك الأعمال ويقوم بها على الرغم من إيمانه هذا فهو في اضطراب وصراع نفسي دائم لا يخرج منه إلا بأحد طريقين: إما أن يرفض فكرة الشريعة الربانية الواجب اتباعها، وحينها سيطرأ تغيّر في “المنطلق الفكري” يتمثل بالتحديد في “القيام بالأعمال المحرمة في الشريعة مع استحلالها” أي مع اعتبارها غير محرمة، وبذلك ينتقل تحديد مصدر “المنهج” من “الخالق” إلى “العقل” أو “الهوى”، وهو تغيّر في “المنطلق الفكري” (كما أسلفنا) ينبني عليه سلوك في واقع الحياة. والطريق الثاني هو أن يمتنع فعلا عن ارتكاب تلك الأعمال كما ينبغي للإنسان المؤمن لاعتبارها محرمة في الشريعة الربانية التي تتمثل عند المسلم (مثلا) في القرآن والسنة، وهذا الامتناع عنها هو من مقتضيات إيمانه بالله الخالق “ألا له الخلق والأمر” (الأعراف: 54).

بعد هذا المثال الموضح نكون قد دخلنا في حقيقة “المنطلقات الفكرية للإسلام”. وأحبّ قبل ذلك أن أقول: إن الإسلام في إجاباته يقف على الوجه المقابل للجاهلية المعاصرة التي يتمثل موقفها في أبيات الشاعر “الجاهلي” المعاصر إيليا أبي ماضي:

جئت لا أعلم من أينَ ولكنّي أتيتُ

ولقد أبصرتُ قدّامي طريقًا فمشيتُ

وسأبقى ماشيًا إن شئتُ هذا أم أبيتُ

كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟

لستُ أدري!

إنه لا يعلم من أين أتى ولا كيف أتى.. ومن ثمّ يهيم على وجهه كالسائمة التي تمشي في الطريق! وتلك هي حقيقة الجاهلية المعاصرة التي نفت تدخّل الله الخالق في شؤون الحياة كلّها وجعلت ذلك من صلاحية “العقل” الذي يكون مسخّرًا لتحقيق مطالب “الشهوات” و “الأهواء”.. والفرق بين الإنسان وبين السائمة في تلك الحالة أنها لا تملك العقل، أي لا تملك حرية الاختيار والوعي والإرادة، بل تحركها رغباتها وفق نظام محكم لا يتغير، ولا تحتاج إلى المنهج الضابط لسلوكها. أما الإنسان فلا يمكن أن يستغني عن المنهج الضابط لأفكاره وسلوكه: “أفمن يمشي مكبًّا على وجهه أهْدى أمَّن يمشي سويًّا على صراط مستقيم؟” (الملك: 22). “أولئك كالأنعامِ بل هم أضلُّ، أولئك هم الغافلون!” (الأعراف: 179).

الإسلام هو وحده الذي يجيب على أسئلة الفطرة الإجابة التي تطمئن لها القلوب: “الذين آمنوا وتطمئنُّ قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئنُّ القلوب” (الرعد: 28).

من أين جئنا؟ من عند الله: “والله خلقكم من ترابٍ ثمّ من نطفة ثمّ جعلكم أزواجًا” (فاطر: 11). خلق اللهُ الإنسانَ من طين وكرمه أفضل تكريم: “وإذ قال ربّك للملائكة إني خالقٌ بشرًا من طين. فإذا سوّيتُهُ ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين” (ص: 71 – 72).

ولماذا نعيش؟ لنعبد الله وحده بلا شريك، بمفهوم العبادة الواسع الذي يشمل كل مناحي الحياة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والأخلاقية وعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني: “وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلا ليعبدونِ” (الذاريات: 56). “قُلْ إنَّ صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي لله ربِّ العالمين. لا شريك له وبذلك أمرتُ وأنا أول المسلمين” (الأنعام: 162 – 163). “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها” (هود: 61).

وماذا بعد الموت؟ إلى أين؟ إلى الله.. بعث ونشور وحساب وجزاء: “أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثًا وأنّكم إلينا لا تُرجعون؟” (المؤمنون: الآية 115). “قل إن الموت الذي تفرّون منه فانه مُلاقيكُمْ ثمَّ تُرَدّون إلى عالِمِ الغيبِ والشهادة فَيُنَبِّئُكُمْ بما كنتمْ تعملون” (الجمعة: 8).

والسؤال الأخير: كيف نعيش؟ على أيّ منهج؟ على المنهج الرباني، باتباع ما أنزل الله: “اتّبعوا ما أُنزلَ إليكُمْ من ربّكُمْ ولا تَتَّبِعوا من دونِهِ أولياء” (الأعراف: 3). وكذلك باتباع سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم: “وما آتاكُمُ الرّسول فَخُذوهُ وما نهاكُمْ عَنْهُ فانتهوا” (الحشر: 7).

تلك هي المنطلقات الفكرية للإسلام، ومتى رَسَخَتْ هذه المنطلقات في نفس الإنسان عن يقين جازم وتمثلت في سلوك واقعيّ كانَ التحوّل الجذريّ في أفكاره ومشاعره وسلوكه، التحوّل الذي يميّز سيرَهُ وأهدافَهُ وطموحاتِهِ في هذه الحياة عن غيره من أصحاب المنطلقات الأخرى: “ولو أنَّ أهل القرى آمنوا واتَّقَوْا لفتحْنا عليهمْ بركاتٍ مِنَ السّماء والأرض”. ويميّز موقفه كذلك في الحياة الآخرة: “فأمّا من طغى. وآثرَ الحياة الدُّنيا. فإنّ الجحيمَ هي المأوى. وأمّا من خاف مقام ربِّهِ ونهى النّفسَ عن الهوى. فإنَّ الجنّةَ هي المأوى” (النازعات: 37 – 41).

وتبيان أدلة هذه المنطلقات وبراهينها العقلية التي تقنع العقل البشري بضرورة الإيمان بها واتباع الدين الحق.. تبيان ذلك كلّه سيكون – إن شاء الله – في مقالات قادمة، فلا يتّسع المقام هنا لإيرادها كاملةً وإلا لتضخم المقال!

25.6.2010

(آخر تعديل: 27.6.2010 الساعة: 17:30)

شريف محمد جابر

عكا