Tag Archive | الدين

الإنسان أولا..!

.

الإنسان أولا..!

 

    فلنسأل بادئ ذي بدء: ما الإنسان؟

    هل هو ذلك الكائن الحيّ الذي تطوّر عن خليّة نشأت مصادفة قبل ملايين السنين بل ربما مليارات السنين؟

    أم هو ذلك الكائن المكرّم الذي خلقه الله سبحانه وكرّمه وأعطاه نعمة الوعي والإرادة والحريّة بخلاف سائر الكائنات؟

    إنّ قناعتنا المطلقة بإحدى هاتين الرؤيتين حول نشأة الإنسان هي المنطلق الذي تتحدّد بناء عليه نظرتنا لكلٍّ من:

-       غاية وجود الإنسان.

-       وظيفته في هذه الحياة.

-       مصيره بعد الممات.

    ففي الرؤية الأولى ليس ثمّة غاية لهذا الكائن الذي تولّد عبر سياق طويل من تاريخ الحياة على الأرض! إنّه تلك الذرّة التائهة في هذا العالم الواسع.. لا يعلم لنشأته غاية؛ لأنّ “الصدفة” كانت هي سبب هذه النشأة!

    وإذا كانت “الصدفة” قد تمخّضت عن ذلك الكائن الممتلئ بالشهوات، والذي يعيش ويأكل ويشرب، ويستمتع منذ لحظات الطفولة حتى نهاية عمره بما يجلب له اللّذة والسعادة في هذا العالم.. وإذا كان يعتقد يقينًا أنّ حياته لا بدّ أن تفنى، وأنّ أنفاسه لا بدّ أن تخبو، وأنّه ميّت لا محالة، وأنّ بعد هذا الممات ليس ثمّة حياة أخرى..

إذا كانت حياته – وفق تلك الرؤية – تقع بين اعتقاد “المصادفة” واعتقاد “الفناء” المطلق الذي لا حياة بعده، فإن وظيفته ستنحصر ولا بدّ في تحصيل أكبر قدر من “السعادة” في هذه الحياة الدنيا.

    إنّ “الغاية” المرسومة قبل النشأة مفقودة في حسّه، وإنّ “المصير” المحتوم في نظره هو الفناء المطلق، فلا بعث ولا حياة أخرى.. وبين تلك “الغاية” وذاك “المصير” تتحدّد “الوظيفة” وهي: جلب أكبر قدر من “السعادة”، منذ لحظة الولادة حتى لحظة الممات.. لحظة الفناء المطلق في حسّه!

    ستكون وظيفة الإنسان وفق هذه الرؤية هي العمل على “تحسين” أساليب الحياة بأكبر قدر ممكن في جميع الميادين، حتى تتحقّق “السعادة” بأكبر قدرٍ ممكن، ومن هذه الرؤية انطلقت حضارة “الاستهلاك” التي نبصرها في عالم الناس اليوم، في أوروبّا وأمريكا وسائر البلاد التي يؤمن الناس فيها بأنّ مهمّة الإنسان هي تحقيق أكبر قدر من السعادة في حياته!

    وأما في الرؤية الأخرى فالإنسان يعلم حقيقة “نشأته”، إنّه من خلق الله عزّ وجلّ:

    ((وإذ قالَ ربّكَ للملائكة إنّي خالقٌ بشرًا من طين * فإذا سوّيته ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين)) (ص: 71 – 72).

    وبعد علمه هذا، فإنّه يحسم “الغاية” من وجوده، كما حدّدها كتاب الله خالقه سبحانه وتعالى، وكما جاءت على لسان رسله، إنها إفراد الله تعالى بالعبادة:

    ((وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلا ليعبدون)) (الذاريات: 56)

    ((وما أرسلنا من رسول إلا نوحي إليه أنّه لا إله إلا أنا فاعبدون)) (الأنبياء: 25).

    ويعلم – بناء عليها – “وظيفته” في هذه الحياة، و”المنهج” الذي يحقّق عن طريقه هذه الوظيفة..

    فأمّا “الوظيفة” فهي عمارة الأرض:

    ((هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)) (هود: 61).

    ولكن بمقتضى “المنهج الرباني”:

    ((قلنا اهبطوا منها جميعًا فإمّا يأتينّكم منّي هدًى فمن تبع هدايَ فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)) (البقرة: 38 – 39).

    وهو وفق هذه الرؤية يعلم يقينا أنّ “المصير” بعد الموت هو الدار الآخرة؛ فإمّا جنّة ونعيم، وإمّا نار وعذاب، وليس الفناء المطلق بعد الممات هو مصيره المحتوم كما يعتقد صاحب رؤية “الصدفة”:

    ((قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدوّ فإمّا يأتينّكم منّي هدًى فَمَنِ اتّبعَ هدايَ فلا يضلُّ ولا يشقى * ومن أعرضَ عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا ونحشرهُ يومَ القيامةِ أعمى)) (طه: 123 – 124).

    ((إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقّا إنّه يبدأ الخلق ثمّ يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون)) (يونس: 4).

    فالمنشأ في هذه الرؤية: من عند الله.

    والغاية: إفراد الله بالعبادة.

    والوظيفة: عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني.

    والمصير: الدار الآخرة؛ إمّا جنّة ونعيم، وإمّا نار وعذاب.

    إذا سألتَ مسلما: أيّ الرؤيتين تحمل؟

    فإنّه سوف يجيبك لا محالة أنّه يحمل الرؤية الأخرى، فرؤية المصادفة وإنكار البعث وحصر وظيفة الإنسان في تحقيق السعادة هي الكفر بعينه!

    والإسلام بحدّ ذاته هو الإجابات السليمة على الأسئلة الفطرية التي ذكرناها سابقا..

    ولكنّ نظرة عميقة بعض الشيء إلى واقع بعض فصائل العمل الدعوي ترشدنا إلى تساؤل يدور في فلك “الإنسان أوّلا”؛ هل حقّا تجتهد هذه الفصائل لتؤدّي دورها المطلوب في تحقيق مصالح الإنسان الكبرى؟

    إنّ مصالح الإنسان الكبرى في هذه الحياة هي ما يرشده إلى تحقيق غاية وجوده فيها، وهي العبادة كما ذكرنا؛ فهي القيمة الأكبر لنشاطه الإنساني، الأكبر لأنّها الأثقلُ وزنا في مجرى حياته المديدة، أعني: حياته الكاملة (في الدنيا والآخرة)؛ لأنّ الرؤية الإسلامية تعطي معنى مختلفا للحياة عن أيّة رؤية جاهلية أخرى، وهو المعنى المديد الذي يرى في الحياة الآخرة أنّها هي الحياة الحقيقية الخالدة، ويرى الحياة الدنيا دارَ اختبار وابتلاء:

((وما هذه الحياة الدنيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنّ الدارَ الآخرةَ لهي الْحَيَوانُ لو كانوا يعلَمون)) (العنكبوت: 64، والحيَوان: الحياة الدائمة الخالدة).

    ((وهو الذي جعلكم خلائفَ الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجاتٍ ليبلُوَكُمْ في ما آتاكُمْ إنّ ربّكَ سريع العِقابِ وإنّه لغفورٌ رحيمٌ)) (الأنعام: 165).

    والطريق إلى تحقيق مصالح الإنسان في الحياة الأخرى المديدة الخالدة ينبغي أن يكون هو الطريق المؤدّي إلى الجنّة، وبداهة هو هكذا؛ فلا مصلحة متحقّقة في سلوك الطريق إلى جهنّم والعياذ بالله!

    بل الطريق إلى تحقيق مصلحة الإنسان في هذه الدنيا (فضلا عن الآخرة دار الخلود) هو كذلك الطريق المؤدي إلى الجنّة، أعني العبادة:

    ((ولوْ أنّ أهلَ القُرى آمنوا واتّقَوْا لفتحنا عليهمْ بركاتٍ مِنَ السّماء والأرض ولكن كذّبوا فَأَخَذْْناهُمْ بما كانوا يكْسِبون)) (الأعراف: 96).

    وبناء على ذلك كلّه فإنّ الأولويّة التي ينبغي أن يضعها كلّ مسلم نصب عينيه في هذه الحياة هي تحقيق العبادة لله عزّ وجل؛ غاية وجوده الإنساني. وتكون – بداهةً – هي الأولوية التي ينبغي أن تضعها فصائل العمل الإسلامي في قائمة نشاطاتها الدعوية والخيرية والاجتماعية والثقافية.

    وبديهيّ أيضا أن يكون تحقيق “أصل” العبادة، متقدّما على تحقيق “فروعها”. ونعني بالأصل ما تُنقض بنقضه العبادة كلّها، وهو “التوحيد”، وهو ضدّ الشرك.

    والحفاظ على توحيد المسلم من الشرك هو أصل هذا الدين، ولعلّ قائلا هنا يقول: وهل المسلمون اليومَ مشركون أو كفّارٌ حتى يكون دور العمل الإسلامي تحقيق هذا التوحيد؟

    وهو سؤال ينبع من جهالة علقتْ في أذهان بعض الناس مُذْ رسختْ المفاهيمُ المغلوطة حول الإيمان والإسلام في عصور الانحطاط الأخيرة للمسلمين. فهل كان ابنُ لقمان الحكيم مشركًا بالله إذ قال له أبوه وهو يعظه: ((يا بُنيّ لا تشركْ بالله إنَّ الشركَ لظلمٌ عظيم)) (لقمان: 13)؟! وهل كان الصحابة – خير القرون – مشركينَ أو كفّارًا حين خاطبهم الله تعالى في كتابه وقال لهم: ((يا أيّها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّلَ على رسولهِ والكتاب الذي أنزلَ من قَبْلُ ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخرِ فقد ضلّ ضلالا بعيدًا)) (النساء: 136)؟!

    الخطاب المبيّن لمفاهيم الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والمذكّر بها هو خطابٌ له ما يبرّره في طبيعة النفس، وفي طبيعة التغيّرات الاجتماعية، ولا ريب أن يكون كذلك وهو خطاب الحكيم العليم! فالنفس التي خلقها الله سبحانه وتعالى تنسى، ولقد نسي أبونا آدم من قبل:

    ((ولقد عهدنا إلى آدم من قَبْلُ فنَسِيَ ولم نجدْ له عَزْمًا)) (طه: 115).

    وعلاجُ النسيان – الذي هو فطرة في البشر – التذكير، والتذكير بالإيمان وحقيقة التوحيد – كما ذكّر لقمان ابنه، وكما خاطب الله المؤمنين في المدينة بحقائق الإيمان الأساسية – ليس محصورا في فاقد الإيمان:

    ((وذكّرْ فإنَّ الذكرى تنفعُ المؤمنين)) (الذاريات: 55).

    والمشكلة تكمن في ذلك الفكر الذي عشّش على مدى قرون طويلة في عقول أبناء الأمة بفعل عوامل يصعب حصرها في هذا المقام[1]، وأبرز محاور هذا الفكر في صدد حديثنا:

-       حصر معنى الإيمان في التصديق والإقرار.

-       حصر التوحيد في توحيد الله في ذاته وصفاته وأفعاله (التوحيد الخبري العلمي المعرفي باصطلاح الإمام ابن القيّم).

    ففي معنى الإيمان المنحرف في هذا الفكر يكون “الكافر” هو من يكذّب ما أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام، أو الذي يجحده على أبعد تقدير. ويكون المسلم الذي يصدّق ما أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام من قرآن وسنّة مؤمنًا صحيح الإيمان، حتى لو لم يعمل عملا واحدا زائدا على التصديق والإقرار!

    وفي معنى التوحيد المنحرف في هذا الفكر يكون المشرك هو من يؤمن بتعدد الآلهة، أو الذي يرى خالقا أو مريدا غير الله عز وجلّ، أو ما يدور في فلك توحيد ذاته وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى فقط!

    وإذا أسقطنا هذا الفهم المنحرف للإيمان والتوحيد على أحوال المسلمين المعاصرة، وجدنا شبه انعدام لما ينقض الإيمان أو يضفي الغبش على حقيقته؛ فمعظم المسلمين يصدّقون بوجود الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه، وسائر ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام في الكتاب والسنة. ووجدنا كذلك شبه انعدام لظواهر الشرك في مجتمعات المسلمين؛ فلا أحد يرى تعدّد الآلهة أو تعدد ذات الإله من المسلمين، ولا أحد يرى خالقا أو مريدا غير الله سبحانه وتعالى..

    وهكذا يقول أصحاب هذا الفهم المنحرف للإيمان والتوحيد إنّ أحوال الأمة العقديّة بخير وعافية؛ فمعظم المسلمين محقّقون لأصل إيمانهم وتوحيدهم، ولا غبش على هذه الحقائق في حسّهم، وإنّما المشكلة في تقصيرهم في أداء الفرائض والواجبات والعبادات، وكذلك في فقدان التنمية والرعاية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لأحوالهم الحياتية. وبناءً على ذلك يكون واجب العمل الإسلامي حثّ المسلمين على التمسّك بالإسلام وأداء الفرائض والواجبات والعبادات، وكذلك تحسين أحوالهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في جميع مناحي الحياة..

    ونحن في هذا المقال نحبّ أن نؤكّد على نقاط عدّة قبل الاستمرار في الحديث حتى لا يساء فهمنا:

-       لا نعترض أبدا على العمل المبارك الذي تؤدّيه فصائل العمل الإسلامي في حثّ المسلمين على التمسّك بالإسلام، وعلى أداء الفرائض والواجبات والعبادات، ولا نعترض على العمل في تحسين أحوالهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في هذه الحياة الدنيا. بل نرى الخير في هذا العمل، ونسأل له السداد، ونقتدي به إذ نراه متمثّلا في روّاد خاضوا غمار التجربة الدعوية لخير الناس أجمعين.

-       وإنّما نرى (إلى جانب هذا العمل المبارك) ضرورة إعادة الفهم الصحيح لأصل هذا الدين في أفهام المسلمين وسلوكهم، لأنّ كل الأعمال داخلة في مجال “العبادة” كما ذكرنا، وتحقيق الأصل متقدّم على تحقيق الفروع، وأصل العبادة هو تحقيق التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة، وفروعه الواجبة هي التزام الواجبات والانتهاء عن المحرّمات، وكمالاته فعل المندوبات واتّقاء المكروهات. فالدعوة إلى التزام الواجبات والانتهاء عن المحرّمات هي دعوة طيّبة مباركة، ولكن لا ينبغي أن تكون على حساب الدعوة إلى تصحيح المفاهيم حول الإيمان والتوحيد إنْ كان فيها غبشٌ وانحراف في حسّ الكثير من المسلمين في أيّامنا (وهي كذلك فعلا، وسنتحدّث عن ذلك بعد قليل)، بل تكون معها جنبا إلى جنب، بل منبثقة عنها ومرتبطة بها أشدّ ما يكون الارتباط.

-       العمل في رعاية أحوال المسلمين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لا ينبغي أن يكون على حساب المفاهيم الأصيلة لهذا الدين، فلا يجوز أن يكون هذا العمل سببا في إحداث الغبش في مفاهيم التوحيد، والأوجب تنقية هذا العمل مما يلبّس على المسلمين عقيدتهم، فإنْ لم تكن التنقية ممكنة فالأوجب طرح هذا العمل جانبا.

-       لا نهدف إلى إصدار أيّ حكم بالكفر أو الشرك على أفراد المسلمين في قولنا (الذي سوف نفصّله في ثنايا المقال) بأنّ الانحراف في الإيمان والتوحيد قد أصاب أحوال المسلمين المعاصرة؛ فالإقرار بوجود ظواهر الانحراف عن الإيمان وظواهر الشرك وما يغبّش على التوحيد (نظرا لوضوح علاماتها في المجتمعات)، ثم العمل على بيان المفاهيم الصحيحة لها، إنّ هذا الإقرار والبيان لا يعنيان إطلاقًا القولَ بكفر أفراد المجتمع أو شركهم، وإنّما نحن نهدف إلى “البيان” ولا نهدف إلى “الحكم” على المسلمين بالكفر أو الشرك، بل نحكم بالإسلام عليهم، وبيان حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر وحقيقة التوحيد وحقيقة الشرك من أهمّ الواجبات الدعوية على مختلف العصور، تماما كما كان هذا الواجب الدعويّ متمثّلا في موعظة لقمان الحكيم لابنه المؤمن كما مرّ معنا، وكما تمثّل في خطاب الله لعباده المؤمنين في كتابه في مواضع كثيرة ومتعدّدة. فالهدف هو بيان هذه الحقائق والتذكير بها حتى يُعمل بها، ولتكون فيها النجاة في اليوم الآخر، وليس مرادنا الحكم بالكفر أو الشرك على أحد من المسلمين.

    ونحن لا زلنا في صدد الحديث عن “الإنسان أوّلا”، ولعلّ أبرز ما يمكن أن تتمثّله هذه العبارة المستحدثة من رصيد شرعيّ هو وصايا لقمان الحكيم لابنه المؤمن، فكم كانت واضحةً أشدّ الوضوح تلك الأولويّة التي أعطاها لقمان الحكيم للحقيقة الأولى في هذا الدين خلال خطابه لابنه الانسان؛ لقد كانت هي الوصيّة الأولى بين الوصايا العديدة! وهذه الحقيقة هي حقيقة التوحيد: ((يا بُنيّ لا تُشركْ بالله إنّ الشركَ لظلمٌ عظيم)). والشرك ضدّ التوحيد، وهو الذي ينقضه أو يحدث الغبش فيه.

    فما هو التوحيد؟ وما هو الشرك؟

    ولا أهدف في هذا المقال إلى البيان المفصّل الجامع لهذه الحقائق الأساسية[2]، وإنّما أريد أن ألقيَ الضوء على عدّة نقاط تخصّ موضوعنا “الإنسان أوّلا”:

-       خطأ الفهم المنحرف الذي ذكرناه سابقا للإيمان والتوحيد عند الكثير من المعاصرين.

-       بيان بعض ظواهر الانحراف بين المسلمين وفي العمل الإسلامي فيما يخصّ هذه الأولويّات العقديّة، ممّا يستدعي مزيدًا من الاهتمام بها.

-       بيان واجب الدعوة المعاصر حيال “الإنسان أولا”، وبكلمات أيسر: ما الذي يجب أن نركّز عليه في عملنا الدعوي حتى يكون حقّا “الإنسان أولا”؟

    وسيكون هذا – بإذن الله وحده – في الجزء الثاني من المقال فتابعونا..

.

 (تابع مدونة أضواء على الفيس بوك: هنـا)

10.11.2011

عكا

شريف محمد جابر


[1]  راجع فصل “خطّ الانحراف” من كتاب “واقعنا المعاصر” للأستاذ محمد قطب.

[2]  راجع – إن شئت – كتاب “أصل الدين: عند الأئمة وسلف الأمة” للشيخ عبد المجيد الشاذلي، والكتاب يجمع أقوال السلف في بيان هذه الحقائق بأسلوب علمي يغلب عليه التكرار والاستفاضة بهدف تأكيد هذه الحقائق وبيان وضوحها في الكتاب والسنة ومصنّفات الأئمة وأقوال سلف الأمة.

الدكتور عزمي بشارة يفتي: كلمة طائفة في الإسلام مذمّة!

.

الدكتور عزمي بشارة يفتي: كلمة طائفة  في الإسلام مذمّة!

 .

- الحديث يدور حول هذا المقطع، شاهدوه، ثم إقرأوا التدوينة إن شئتم!:

http://www.youtube.com/watch?v=TgN80Fwgxgk

 .

بداية: لاحظوا كيف أن الرجل غير واضح في كلامه، يعتمد في خطابه – أكثر ما يعتمد – على إثارة العواطف عن طريق حشد من المغالطات:

.

1) أول مغالطة: “ضربني وبكى سبقني واشتكى!”، فالرجل يتحدّث – باستهجان – عن إدخال كلمة “الطائفة” و “الطائفية” داخل مجتمعنا في الحراك السياسي والاجتماعي، ويتغافل عن أن الكلمة هي وليدة الأفواه العلمانية في الأصل، وما أرادوا بها إلا تشويه الهوية الإسلامية، واعتبار الاجتماع على أساس الإسلام “طائفية” بغيضة يمقتها العقل والدين! وقد بينتُ تهافت هذه الشبهة وافتقارها إلى الموضوعية في مقال من جزئين تجدونه هنا: الجزء الأول و الجزء الثاني.

.

وأعجب ما في الأمر حين يصرخ الرجل في الدقيقة 2:17 قائلا: “منين جابولي كلمة طوائف”! إسأل نفسك يا شيخ!

 .

2) يزعم الدكتور عزمي أن حزب التجمع الوطني الديمقراطي هو الحزب الوحيد الذي فيه متديّنون من كل الديانات، ولديّ تساؤل هنا: إن كان حزب التجمّع يتّسع لكل نسيج المجتمع بعكس غيره كما يزعم الدكتورفهل يتّسع للمسلم الرافض للعلمانية – بكل أشكالها – والرافض لليبيرالية والرافض للهوية القومية؟ فإن كان الجواب لا (وهو كذلك) فقد أخطأ الدكتور عزمي، وللمخطئ أجر اجتهاده كما يقولون! وإن كان الجواب نعم (ولن يكون كذلك) فأين هم هؤلاء؟ وكيف يكونون ضمن تركيبة الحزب وهم في الأصل يخالفون المبادئ التي يقوم عليها؟! ليس أسهل من أن “نزعم” ما شئنا في كلام إنشائي وسط صخب الأصحاب وهتافهم.. ولكن ما أصعب موقف هذه المزاعم حين توضع على مبضع “الموضوعية”! أنا وغيري آلاف بل عشرات الآلاف بل ربّما أكثر من ذلك من هذا المجتمع في الداخل الفلسطيني نرفض جميعنا العلمانية، ونرفض الليبيرالية، ونرفض الهوية القومية، إذ نعتبر العربية قوميّتنا ولغتنا التي نحميها ونحافظ عليها، ونعتبر فلسطين وطننا الذي نحبّه، ولدنا فيه ونشأنا على ترابه، أما هويّتنا فهي “إسلامية”.. وليست هوية قومية، إذ الهوية محور استقطاب ورابطة تجمّع، وليس غير الإسلام من يمثّل لنا هذا المعنى.

 .

3) يقول الدكتور عزمي: “إحنا ديانات مش طوائف”.. طيّب ومن قال غير ذلك يا دكتور؟ ونحن ديننا الإسلام، ونرى في الهوية الإسلامية رابطة أقوى من الهوية العربية، لأنها هوية مبدئية ترتكز على أهم ما في حياتنا، أما الهوية القومية فهي تماهٍ مع الناس وتجمّع على أساس شيء جبري في كيانهم، وكما تقول بأنه في دينك: “في آدمي وفي عاطل.. في عميل وفي وطني (لا أفهم ما معيار الوطني!).. في أزعر وفي آدمي.. بتتعصّبلهم كلهم؟!”.. فلا أدري يا شيخ كيف فاتك أنه ضمن الشريحة العربية هناك الأزعر والآدمي.. والعاطل والطيّب.. فالمقياس ذاته.. أما الفارق فهائل في الحقيقة، فالإسلام فيه منظومة من القيم التي ترشد المسلم إلى نبذ كل صفة سيئة من أولئك، والتلبّس بكل صفة إيجابية، فأين “العروبة” من منظومة القيم هذه؟ كيف نستنبط المبادئ والقيم من هذه الرابطة القومية “العصبية”؟ وما هو معيارها؟

 .

4) يقول الدكتور عزمي: “كلمة طائفة في الإسلام مذمّة”. وقد يشفع لشيخنا الدكتور عزمي أنه لم يتخصّص في الحديث حتى يُصفع بعدة روايات حول “الطائفة المنصورة”! فلم يقرأ في سنن أبي داود مثلا:  ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله”. ولم يقرأ في صحيح ابن ماجة: “ولن تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل”. أو في سنن الترمذي: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله”.. وغيرها من الروايات! ومعنى الطائفة في هذه الروايات ليس هو المعنى المراد من المصطلح السياسي “الطائفية”، وإنما أوردنا هذه الملاحظة كي يراجع الشيخ الدكتور فتواه اللامسؤولة!

 .

5) صفّق الجمهور للدكتور عزمي حين قال: “الدين تعصّب لله”.. ألا ترى يا شيخ أن كلمة “تعصّب” بحد ذاتها مذمومة مهما كانت مسوّغات استعمالها! كنت أربأ بك يا شيخ أن تسقط هذه السقطة! أنظر إلى جميل قوله تعالى: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض”.. طبعا ستقول لي: “نحن كلّنا مؤمنون، فكلّنا نؤمن بوجود الله.. “المسلمون والنصارى والدروز والـ…”.. حسبك يا شيخ: ألم تسمع قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان فقال: “الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله خيره وشره”. ربما ستقول لي: “نحن النصارى والدروز وكلنا نؤمن بالنبي محمّد.. فكلّنا “نصدّق” به كرسول”. ألا تعرف يا شيخ أن الإيمان لا يعتبر فيه “التصديق” إن لم يصحبه قبول الشرع والانقياد له؟ ألم تسمع قول الله عز وجل: “فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيتَ ويسلّموا تسليما”، وقوله تعالى: “وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللهُ ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيَرَةُ من أمرهم”.. فهذا من المعلوم من الدين بالضرورة ولا ينكره مسلم.. فإن قلتَ لي: لست مسلما، وليس كلّ الناس يؤمنون بالقرآن والسنة.. حسنا إذًا يا شيخ.. هذا إيماننا.. وهذه هويّتنا.. ونحن – رغم أنف كل رافض لذلك – أبناء هذه الأرض متأصّلون فيها.. فما لكم لا تقبلوننا بهويّتنا هذه وتصفونها بالـ“طائفية” ونحن جزء من نسيج المجتمع؟!

.

راجع فتواكَ يا دكتور.. فكما قيل: جلّ من لا يسهو!

 .

19.6.2011

عكا

شريف محمد جابر

الإسلام موقف..!

.

(حول الشعار في الصورة: هذا مراد العلمانيين.. أن لا يكون الإسلام فاعلا في قضايا الإنسان المصيرية.. وإنما يريدونه مجرد علاقة شخصية بين العبد والرب.. لا دخل لها بقضايا السياسة والهوية والانتماء والنهضة..  ومن ثمّ تبقى أهم القضايا موكولة لعقول البشر.. أي “للعلمانيين”!)

.

الإسلام موقف!

.

(من سلسلة: أن تكون مسلما في أيامنا)

 .

    العلمانيون من جهة، والجهلة من أبناء المسلمين من جهة أخرى، يتفقون على مغالطة كبيرة تمسّ أصلا من أصول الدين، ينبغي لكل مسلم أن يكون واعيا لها، عالما بالمفهوم الصحيح لموضوعها، مدركا لمقتضى ضبطه على الوجه الصحيح، وللآثار السيئة الناتجة عن تحريفه من قِبل أولئك العلمانيين أو جهلة المسلمين على السواء.

    هذه المغالطة هي قولهم بأن الدين – كل دين – هو أمر وراثي، لا يختاره المرء، لأنه يولد على دين أبويه جبرا لا اختيارا. ويكفي في الردّ على هذا القول التذكيرُ بأن هناك ما يقارب خمسة آلاف بريطاني يدخلون في الإسلام – طواعية واختيارا – كل عام! وقد ولدوا إما على النصرانية أو على الإلحاد! فالأمر إذن ليس وراثيّا، وليس جبريا كما يدّعون.

    بيدَ أنّي أحببتُ في مقالي هذا أن أبيّن أمرا ربّما غاب – للأسف – عن أذهان الكثيرين ممّن ولدوا بأسماء إسلامية، ولأبوين مسلمين! وهو أن الإسلام قضية اختيارية بالدرجة الأولى، فهو إلى جانب كونه “دين الفطرة” لا يجوز الإيمان به دون علم وبرهان، حتى لو كان أبسط البراهين كما عند البسطاء من بدو البادية، فكلّ وفق مستواه الفكري، ولكن الشرط أن يكون اعتناقه للإسلام مبنيّا على برهان علمي وقناعة عقلية، لا بمجرّد التقليد للآباء أو الهوى والظن، وحشدٌ هائل من آيات كتاب الله العزيز يقرّ هذه الحقيقة المطلقة، فلنا أن نحيا مع معاني كتاب الله، فقد أنزله الله ليكون هاديا لنا، لا مجرّد ترتيل يُتلى، أو تعويذة توضع في العربات والبيوت!:

    في ذمّ من اتبع المألوف والموروث والظن دون تمحيص العقل والعلم:

    “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ” (البقرة: 170).

    “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ” (لقمان: 21).

    “وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ” (الأنعام: 116).

    “إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى” (النجم: 23)

    “وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا” (النجم: 28).

    فإذا كان الله – سبحانه – يذمّ الكفار على اتباعهم لدينهم بمجرد التقليد لما ورثوه وألفوه من الآباء، وينسب اتباعهم هذا إلى “الجهل” (لا يعقلون) و“الضلال” (لا يهتدون، يضلّوك عن سبيل الله) و“الظنّ” و“الخرص” و“الهوى”، فهل يمكن أن يكون دينه المنزل دون براهين علمية وموضوعية ينفي بها الجهل والهوى والظن والخرص والضلال عن أن تنسب إليه؟! وهل يمكن بعد هذا البيان أن نقول: إننا مسلمون لأنّنا ولدنا مسلمين؟! وبأن الدين أمر “وراثي”، والإيمان “لا يوجد دليل علمي عليه”! هل يُعقل هذا في دين الله؟! كلاّ والله! بل نزيد في البيان، ونستفيض في البلاغ، حتى يستقرّ الحق في تلك النفوس!:

    يصف الله سبحانه وتعالى دينه بالـ “علم”، ويذمّ اتباع الهوى دون علم:

    “وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ” (البقرة: 120).

    ويذمّ – سبحانه – الذين يجادلون بدون دليل علمي:

    “ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير” (الحج: 8).

    ويحرّم البتّ في أمر دون علم به:

    “ولا تقفُ ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا” (الإسراء: 36).

    ويطالب الكفارَ – أصحابَ المعتقدات الفاسدة – أن يأتوه بعلم أو برهان على ما يقولون:

    “نبئوني بعلم إن كنتم صادقين” (الأنعام: 143).

    “قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا” (الأنعام: 148).

    “أإله مع الله؟ قل هاتو برهانكم إن كنتم صادقين” (النمل: 64).

    ويذمّ – سبحانه – اتباع الظنّ والأهواء والخرص دون دليل علمي:

    “ما لهم به من علم إلا اتباع الظنّ” (النساء: 157).

    “بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم” (الروم: 29).

    “ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون” (الزخرف: 20).

    “وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنّون” (الجاثية: 24).

    وبعد هذا البيان من كتاب الله العزيز لا يكون للقارئ المنصف إلا التسليم بتلك الحقيقة؛ أن دين الإسلام لا يقبل من المسلم إيمانا مبنيّا على الظن والتقليد للموروث دون دليل علميّ، وأنّ كون التوحيد شيئًا مكنونًا في الفطرة ليس دليلا على جبريّته، بل إن هذا – خلافا لذلك – عاملٌ رئيسيٌّ في سلامة الاختيار، إذ تدفع الفطرةُ الإنسانَ إلى اختيار الدين الحق المنزّل من عند خالق الفطرة، فحينها يكون الاطمئنان الناتج عن توافق المنهج مع الفطرة، إذ كلاهما من مصدر واحد، فيكون التلاقي الفطريّ بين حقائق ثلاث: “الكون العابد لله” و”الفطرة السليمة” و”المنهج الرباني”، التلاقي الذي يؤكّد سلامة الاختيار بعد أن تناسقت تلك الحقائق الثلاث. وحقيقة كون الإيمان (بمعنى الهداية) من عند الله ولا يحصل بمجرد العلم والتصديق لا تنفي قيام هذا الإيمان على أساس علميّ يقينيّ، لا مجال للتشكيك به. فقد ثبت إذًا أن دين الله عزّ وجلّ ليس موروثا يتلقّاه الأبناء دون تمحيص العقل وأدوات العلم الموضوعية، ولإن كانت بعض خلائف المسلمين اليوم ترثُ دين الله كما كانت يهودُ ترثُ الكتاب دون علم ولا قناعة واختيار فهذا الوضع ليس حجّة على الإسلام، إنما الإسلام بنصوصه الحاسمة المحكمة حجّة على هؤلاء!

    ومن هذا المنطلق نقول إن دين الله عزّ وجل “موقف”، نعم.. الإسلام موقف! موقف اختياريّ من قبل الإنسان المسلم، يتجلّى – أولا – في إفراد الله تعالى بالعبادة مع البراءة من الشرك، ثم ما ينبثق عن هذه الحقيقة الاختيارية من “أقوال” و”أفكار” و”أعمال”، فكان الإيمان كما عبّرت عنه الأجيال الأولى من المسلمين: قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل الجوارح. إنّه موقف يبدأ من إيمان الإنسان بحقيقة وجود الله ووحدانيته، وبأنّه “الربّ”، أي: المربّي بالنعم. ثم ما تقتضيه هذه الحقيقة من إفراده – سبحانه – بالعبادة.

    فالمسلم قد وحّد الربّ بذاته وصفاته وأفعاله، وهو توحيد الربوبية، أو التوحيد الخبري. ثم عبده بتوجيه شعائر التعبّد له وحده، وتحكيم شريعته في حياته كلها، وولائه له وتولّيه المؤمنينَ وبراءته من الكافرين، وهو توحيد العبادة، أو توحيد الألوهية. ثمّ عمل بالتكاليف الشرعية، وتخلّق بأخلاق الإسلام.

    هذه بمجموعها هي الإسلام، وهي مواقف كلها تنبثق عن الموقف الأكبر وهو “الإسلام”، بمعنى: الاستسلام التام لله. فهو استسلام وخضوع اختياري لله عز وجل، بعد أن أدرك أنّه الحق، وأن عبادته – تعالى – هي غاية وجوده الإنساني: “وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلا ليعبدون” (الذاريات: 56)، وأن طريقة تحقيق هذه الغاية تكون باتباع ما أنزل الله: “اتبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتّبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكّرون” (الأعراف: 3). وليس هناك موقف أضخم وأعظم من الإسلام، فبه تتعلق أضخم حقيقة واقعية بالنسبة لكل إنسان، وهي مكانته في الآخرة، التي هي الحياة الحقيقية الجديرة بالاهتمام وما الدنيا إلا طريق لها محفوف بالابتلاءات: “وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ” (العنكبوت: 64). فالآخرة إذن أثقل واقع في حسّ المسلم، ومن الجدير بالاهتمام أن هذا الكمّ الهائل من الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر في كتاب الله لم يرد – حاشا لله – اعتباطا، إنما حتى يكون المسلم في تذكّر دائم لهذه الحقيقة العظيمة، وإنّه ليراها في كتاب الله أحيانا – حين يحيا به أثناء تلاوته – أقربَ إليه من دنياه التي يعيشها.. بل يكاد يشعر حين يعيش تلك الآيات أن الدنيا شيء مضى.. وأن الدار الآخرة هي الواقع الآنيّ المعاش!

    ألا يكون مجرما – شديد الإجرام – هذا الإنسان الذي يتنكّب عن طاعة الله؟ أو ذلك الذي لا يُعمل عقلَه ويفّكر في غاية حياته وما قبلها وما بعدها؟ أليس هذا التعطيل للتفكير في أهمّ قضايا الوجود الإنساني “موقفًا” يجب أن يؤخذ بالحسبان حين نقيّم البشر؟ نعم، تعطيل التفكير بأهم قضايا الإنسان موقف، ورفض عبادة الله موقف، ومن خلال تلك المواقف الكبرى يقيّم المسلم “الأشخاص” (المقصود: “كيانهم الاختياري” الذي هو: “الأفكار” و“الأعمال”)، بمدى ارتباط هذا الكيان بالحقيقة الكبرى (الإسلام) وانبثاقه عنها، ومدى موافقته لمقتضياتها، وهذا هو محكّ القضية.

    قضية “الإسلام موقف” ستجعلنا نحمل معيارا دقيقا لقياس الكثير من المسائل التي تعرض لنا في حياتنا، منها ما يتعلق بالانتماء والهوية، ومنها ما يتعلق بموقفنا من الأشخاص وتقييمنا لهم.

    حين يقول المسلم الجاهل بدينه: “إن جيفارا رجل صاحب مواقف بطولية رائعة، بغض النظر عن دينه!” أيكون قد فهم أن الإسلام موقف، وأن الكفر موقف، والشيوعية موقف، وأنّ مدح مواقف معيّنة لرجل كافر فيه تزيين لأعمال لا تحمل أدنى شروط الشرعية في الإسلام! فلا يرضاها الله لأنها لم تكن خالصة لوجهه ولا مبنية على أساس اعتقادي صحيح، ولم تكن موافقة للكتاب والسنة، فهذان هما شرطا قبول العمل؛ أن يكون خالصا صوابا، وإذا افتقد العمل الإخلاص لله وحده فلن يُقبل حتى لو كان صحيحا على الكتاب والسنة، فكيف نصف أعمال رجل كافر ملحد لا يؤمن بآيات الله بأنها إيجابية أو نشيد بها ونمدح الرجل بسببها؟!


    يقول تعالى في سورة الكهف: “قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا” (الكهف: 103 – 105).

    ويقول: “وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ” (الأعراف: 147).

    ويقول: “وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا” (الفرقان: 23).

    ويقول في سورة الزمر: “وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (الزمر: 65).


    أيكون هذا المسلم قد فهم أنه يُثني على مواقف كفر وضلال؟! حبطتْ عند الله وجُعلتْ هباء منثورا! فضلا عن إغفاله لذكر “أبطال” مسلمين معاصرين ينبغي أن يعتزّ بهم، ويثني على مواقفهم في جهاد الباطل ورفع راية الحق بدلا من الثناء على ” تشي جيفارا”!

    وحين يقول المسلم الجاهل بدينه: “إن النصارى المسالمين لنا هم إخواننا في الوطن، وإننا وإياهم سواء، ولا فرق بيننا، فهم أهل كتاب، ونحن مسلمون”! هل يكون هذا المسلم قد فهم أن “الإسلام موقف”؟ وأن النصراني هذا مرتكب لجريمة كبرى حين عطّل التفكير للوصول إلى الحق في أهم قضية في الوجود (عبادة الله) أو تنكّر للحق وجحده ورفض اتباعه.. أيكون المسلم قد أدرك ذلك؟! أم إنه لا يدرك أن معاملة النصراني هذا بالحسنى ومشاركته في بعض القضايا لا تعني المساواة بينه وبين المسلم العابد لله، ولا تعني وحدة الهوية والانتماء معه! فبيان حقيقة النظرة إليه من قبل المسلمين شيء ضروريّ حتّى يُدركَ عظم الجريمة التي يرتكبها في رفض طاعة الله والإسلام له! وإلا كنّا – برضانا عنه ومساواته مع المسلم – صادّين عن سبيل الله، فما الذي سيدفعه – من قبل المسلم – إلى البحث عن الحق والإقبال عليه ما دام المسلمون يعتبرونه مثلهم تماما؟! وحتى لا يُفهم الكلام أنه دعوة إلى العنف مع النصارى أو إلى منابذتهم وشتمهم وتعنيفهم أورد كلاما لي كنتُ قد كتبتُه في مقال سابق دفعا لشبهة “الطائفية” التي يهوى العلمانيون قذف الآخر بها!:

    “وأما الآخرون الذي رفضوا عبادة الله عن طريق المنهج الذي ارتضاه لكل البشر (الإسلام)، فالمسلم يتعامل معهم بأخلاق دينه الحنيف، فيشعر بالرحمة تجاههم اقتداءً بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: “وما أرسلناكَ إلا رحمة للعالمين” (الأنبياء: 107). ويعاملهم بالبر والعدل طالما كانوا مسالمين ولم يكيدوا له ويحاربوه في عرضه ودينه: “لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الممتحنة:  8). هذا بالنسبة للتعامل، أما بالنسبة للانتماء فهم قد رفضوا الانتماء إلى الله بعبادته وحده، لأنهم رفضوا اتباع منهجه للحياة، فالمسلم أمام حقيقة موضوعية تتمثّل في رفض هؤلاء الانتماء إلى ما ينتمي إليه فكيف ينتمي إليهم؟! إنهم في حسّه مرتكبون لجريمة كبرى، وأية جريمة أكبر من التنكّب عن طاعة الله عزّ وجل الخالق الكريم المنعم المتفضّل على البشر بنعمة الخلق والإيجاد والرعاية؟! “وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون” (الأنعام: 124).  إنها الغاية العظمى للبشر في تلك الحياة، أي إنها أخطر قضية في الوجود وأهم قضية! وكما تُقيَّم الجريمة في عرف القانون بحسب خطرها وعظم أمرها، فإن الجريمة الكبرى التي يمكن أن يرتكبها بشر على الإطلاق هي رفض طاعة الله والاستكبار عن اتباع رسله، وهي المسماة في الشرع: “الكفر”. والنظرة الموضوعية لمدلول كلمة “الكفر”، هذه النظرة المتجاوزة لمجرد الفزع من وقع جَرْسها كفيلةٌ بتصور قضية الكفر دون إنشاء الخوف والاضطراب والتوجّس في النفس. فاعتباري غير المسلم “كافرًا” لا يعني أنني سأشتمه أو أعنّفه أو أسيء إليه! إنما هو موقف “شعوري” أتّخِذه (ومن حقّي) – كمسلم عابد لله عزّ وجل – تجاه من استكبر عن عبادة الله ورفض اتباع رسوله، باعتبار أن ذلك هو غاية وجوده الإنساني! وأما التعامل فكما بيّنتُ يكون بالأخلاق الإسلامية، وبالبر والقسط، وبشعور الرحمة تجاه جميع البشر! والمسلم بعد ذلك يدعو هؤلاء إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، يدعوهم إلى الانتماء إلى الله عن طريق عبادته وحده دون شريك من الأهواء أو الأصنام أو المعتقدات الفاسدة، يدعوهم بشعور الرحمة والإشفاق من تبديد هذا الكيان الإنساني الكريم – وهو قادر “مخيّر” في أن يكون كريمًا مرتفعًا – إلى عبادة الله وحده بالمنهج الذي ارتضاه للبشر.. بهذا الشعور النبيل يتوجه المسلم إلى غير المسلمين، بحيوية وإشراق، وبشعور الرحمة والعطف، ولسان حاله يقول: “إنتماؤكَ إلى الله ارتفاعٌ إليه”! فأيّة رفعة وأيّ سموق وأيّة كرامة تلك التي يمتلكها المسلم بين جنبيه ويريد للبشرية – بشعور الشفقة والعطف – أن تمتلكها هي أيضًا!”. (حول الهوية الإسلامية؛ من سلسلة: أن تكون مسلما في أيامنا، بتصرّف).

    العلمانيون اللّبراليّون اليومَ يريدون تحريفَ هذه القضيّة، بدعوى “عدم الأدلجة” حينا (من كلمة “أيديولوجية”)، وبدعوى “نسبية الحقائق” حينا آخر. فأما رغبتهم في تحييد “الأيديولوجية” فهي تكمن في أن النقاش الموضوعي محسوم فيها لصالح الإسلام، لأنه المبدأ الوحيد المنزّه عن الخطأ، والذي ترشد إليه كل الحقائق الفطرية والكونية صارخة بأحقّيّته! وأما قولهم بنسبية الحقائق فهو راجع لرغبتهم في إخفاء الأرضية الثابتة من “المشترك الإنساني”، لتكون الأمور كلها “مائعة” بعد ذلك، لا يمكن الجزم بصحّتها كما لا يمكن الجزم ببطلانها! فتضيع الطاسة بضياع “المشترك الإنساني” الذي يشكّلُ بديهياتٍ وأدواتٍ تتفق عليها العقول السليمة (بغضّ النظر عن دين أصحابها) تصلحُ أن تكون أرضية خصبة للنقاش الموضوعي الموصل إلى الحق.. بيدَ أنهم لا يريدون هذا الحق! “يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون * هوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ” (الصف: 8 – 9).

    ولو كره العلمانيون.. ولو كره العلمانيون.. ولو كره العلمانيون!

__________________________________________

 لقراءة مقال “الحقيقة الإلهية” في موضوع “حقيقة وجود الله ووحدانيته” كنموذج للأدلة العقلية على عقيدة الإسلام أرجو الضغط: هنـا

.

19.4.2011

عكا

شريف محمد جابر

.

آخر تعديل: 20.4.2011

.

(لنشر المقال عن طريق الشبكات الاجتماعية “فيس بوك” أو “تويتر” أو غيرها أرجو الضغط على الأيقونات في الأسفل)