Tag Archive | الطائفية

الدكتور عزمي بشارة يفتي: كلمة طائفة في الإسلام مذمّة!

.

الدكتور عزمي بشارة يفتي: كلمة طائفة  في الإسلام مذمّة!

 .

- الحديث يدور حول هذا المقطع، شاهدوه، ثم إقرأوا التدوينة إن شئتم!:

http://www.youtube.com/watch?v=TgN80Fwgxgk

 .

بداية: لاحظوا كيف أن الرجل غير واضح في كلامه، يعتمد في خطابه – أكثر ما يعتمد – على إثارة العواطف عن طريق حشد من المغالطات:

.

1) أول مغالطة: “ضربني وبكى سبقني واشتكى!”، فالرجل يتحدّث – باستهجان – عن إدخال كلمة “الطائفة” و “الطائفية” داخل مجتمعنا في الحراك السياسي والاجتماعي، ويتغافل عن أن الكلمة هي وليدة الأفواه العلمانية في الأصل، وما أرادوا بها إلا تشويه الهوية الإسلامية، واعتبار الاجتماع على أساس الإسلام “طائفية” بغيضة يمقتها العقل والدين! وقد بينتُ تهافت هذه الشبهة وافتقارها إلى الموضوعية في مقال من جزئين تجدونه هنا: الجزء الأول و الجزء الثاني.

.

وأعجب ما في الأمر حين يصرخ الرجل في الدقيقة 2:17 قائلا: “منين جابولي كلمة طوائف”! إسأل نفسك يا شيخ!

 .

2) يزعم الدكتور عزمي أن حزب التجمع الوطني الديمقراطي هو الحزب الوحيد الذي فيه متديّنون من كل الديانات، ولديّ تساؤل هنا: إن كان حزب التجمّع يتّسع لكل نسيج المجتمع بعكس غيره كما يزعم الدكتورفهل يتّسع للمسلم الرافض للعلمانية – بكل أشكالها – والرافض لليبيرالية والرافض للهوية القومية؟ فإن كان الجواب لا (وهو كذلك) فقد أخطأ الدكتور عزمي، وللمخطئ أجر اجتهاده كما يقولون! وإن كان الجواب نعم (ولن يكون كذلك) فأين هم هؤلاء؟ وكيف يكونون ضمن تركيبة الحزب وهم في الأصل يخالفون المبادئ التي يقوم عليها؟! ليس أسهل من أن “نزعم” ما شئنا في كلام إنشائي وسط صخب الأصحاب وهتافهم.. ولكن ما أصعب موقف هذه المزاعم حين توضع على مبضع “الموضوعية”! أنا وغيري آلاف بل عشرات الآلاف بل ربّما أكثر من ذلك من هذا المجتمع في الداخل الفلسطيني نرفض جميعنا العلمانية، ونرفض الليبيرالية، ونرفض الهوية القومية، إذ نعتبر العربية قوميّتنا ولغتنا التي نحميها ونحافظ عليها، ونعتبر فلسطين وطننا الذي نحبّه، ولدنا فيه ونشأنا على ترابه، أما هويّتنا فهي “إسلامية”.. وليست هوية قومية، إذ الهوية محور استقطاب ورابطة تجمّع، وليس غير الإسلام من يمثّل لنا هذا المعنى.

 .

3) يقول الدكتور عزمي: “إحنا ديانات مش طوائف”.. طيّب ومن قال غير ذلك يا دكتور؟ ونحن ديننا الإسلام، ونرى في الهوية الإسلامية رابطة أقوى من الهوية العربية، لأنها هوية مبدئية ترتكز على أهم ما في حياتنا، أما الهوية القومية فهي تماهٍ مع الناس وتجمّع على أساس شيء جبري في كيانهم، وكما تقول بأنه في دينك: “في آدمي وفي عاطل.. في عميل وفي وطني (لا أفهم ما معيار الوطني!).. في أزعر وفي آدمي.. بتتعصّبلهم كلهم؟!”.. فلا أدري يا شيخ كيف فاتك أنه ضمن الشريحة العربية هناك الأزعر والآدمي.. والعاطل والطيّب.. فالمقياس ذاته.. أما الفارق فهائل في الحقيقة، فالإسلام فيه منظومة من القيم التي ترشد المسلم إلى نبذ كل صفة سيئة من أولئك، والتلبّس بكل صفة إيجابية، فأين “العروبة” من منظومة القيم هذه؟ كيف نستنبط المبادئ والقيم من هذه الرابطة القومية “العصبية”؟ وما هو معيارها؟

 .

4) يقول الدكتور عزمي: “كلمة طائفة في الإسلام مذمّة”. وقد يشفع لشيخنا الدكتور عزمي أنه لم يتخصّص في الحديث حتى يُصفع بعدة روايات حول “الطائفة المنصورة”! فلم يقرأ في سنن أبي داود مثلا:  ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله”. ولم يقرأ في صحيح ابن ماجة: “ولن تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل”. أو في سنن الترمذي: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله”.. وغيرها من الروايات! ومعنى الطائفة في هذه الروايات ليس هو المعنى المراد من المصطلح السياسي “الطائفية”، وإنما أوردنا هذه الملاحظة كي يراجع الشيخ الدكتور فتواه اللامسؤولة!

 .

5) صفّق الجمهور للدكتور عزمي حين قال: “الدين تعصّب لله”.. ألا ترى يا شيخ أن كلمة “تعصّب” بحد ذاتها مذمومة مهما كانت مسوّغات استعمالها! كنت أربأ بك يا شيخ أن تسقط هذه السقطة! أنظر إلى جميل قوله تعالى: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض”.. طبعا ستقول لي: “نحن كلّنا مؤمنون، فكلّنا نؤمن بوجود الله.. “المسلمون والنصارى والدروز والـ…”.. حسبك يا شيخ: ألم تسمع قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان فقال: “الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله خيره وشره”. ربما ستقول لي: “نحن النصارى والدروز وكلنا نؤمن بالنبي محمّد.. فكلّنا “نصدّق” به كرسول”. ألا تعرف يا شيخ أن الإيمان لا يعتبر فيه “التصديق” إن لم يصحبه قبول الشرع والانقياد له؟ ألم تسمع قول الله عز وجل: “فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيتَ ويسلّموا تسليما”، وقوله تعالى: “وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللهُ ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيَرَةُ من أمرهم”.. فهذا من المعلوم من الدين بالضرورة ولا ينكره مسلم.. فإن قلتَ لي: لست مسلما، وليس كلّ الناس يؤمنون بالقرآن والسنة.. حسنا إذًا يا شيخ.. هذا إيماننا.. وهذه هويّتنا.. ونحن – رغم أنف كل رافض لذلك – أبناء هذه الأرض متأصّلون فيها.. فما لكم لا تقبلوننا بهويّتنا هذه وتصفونها بالـ“طائفية” ونحن جزء من نسيج المجتمع؟!

.

راجع فتواكَ يا دكتور.. فكما قيل: جلّ من لا يسهو!

 .

19.6.2011

عكا

شريف محمد جابر

الطائفيون قادمون – 2

.

الطائفيون قادمون – 2

.

    يستنكر العلمانيون أن يكون خطاب المسلمين اليوم على أساس الإسلام، أو أن يقوم المسلمون بإنشاء جمعيات وكتل وتنظيمات ومؤسسات “إسلامية”، ويصفون ذلك بأنه تنظيم للشريحة العربية في الداخل الفلسطيني على أساس الطائفية، وأنه قاصر على “المسلمين” فحسب، ويُقصي غير المسلمين من خطاب هذه الجمعيات والتنظيمات والمؤسسات، بينما الأصل هو توجيه الخطاب للشريحة العربية كلها، من باب الحفاظ على وحدة الصفّ، والذي يجمعنا هو أننا جميعنا “عرب”، وليس جميعنا “مسلمين”.. هكذا يقولون!

 .

    خطابنا للجميع.. وليس للمسلمين فحسب!

 .

    ولقد بيّنا هذا الأمر في الجزء الأول من المقال، وكذلك في مقال “الإسلام موقف”، فإنه بإمكان أي إنسان مهما كانت عقيدته الاستماع إلى الخطاب الإسلامي، فإذا قبِله فإنه سوف ينتهجه بطبيعة الحال. وهنا يفغر الكثير من الناس أفواههم متعجّبين من أن ندعو الناس من غير المسلمين إلى اتخاذ الإسلام عقيدة لهم ومنهجا في الحياة! ولا أدري ما المشكلة في ذلك ما دامت الدعوة لا تجبر أحدا على اعتناق الإسلام من باب “لا إكراه في الدين”؟ ولماذا يُتاح للعلمانيين ومن المقبول لهم وغير المستغرب أن يدعوا إلى مجتمع “علماني” واعتبار ذلك حرية في التعبير عن الرأي وحرية في طرح الأفكار على الناس؟! فإذا كان أصحاب الدعوة الإسلامية هم الذين يمارسون هذه الحريات فإنهم يصبحون “طائفيّين” و “إقصائيّين”! مع أن الإسلام خطّ أصيل في حضارة هذه الشعوب وهذه المنطقة، ومع أن العلمانية رافد دخيل نشأ أصلا في ظروف مغايرة لظروف الأمة بجمع طوائفها، ومع أن الأصل أن نستهجن الدعوة إلى القيم العلمانية وتبنيها وليس العكس! ولكن ماذا نقول إن كانت هذه هي طبيعة العلمانيين “الإقصائية” والمموّهة للحقائق؟!

 .

    إن كلّ إنسان مخاطب في هذه الدعوة الإسلامية، فإن لم يستجب للدعوة فإن أصحاب الدعوة لن يجبروه على شيء، ولن يتعاملوا معه بسلوك “الإقصاء”، إنما سيكون أحد مكوّنات المجتمع الموجودة واقعًا، وسيكون التعامل معه – إن كان مسالما – تعامل البر والقسط والرحمة وكما تدل النصوص الشرعيّة الحاسمة، بل وإن التعاون متاح في المشتركات دون تنازل الدعوة عن ضوابطها الإسلامية. فلنا أن نتساءل مرة أخرى: من أين التصقت شبهة “الإقصاء” في حسّ بعض المستغفلين؟ إنه أحد أمرين: إمّا كيد العلمانيين من أعداء الإسلام، وإما جهل المستغفلين بدعوة أولئك العلمانيّين وشبهاتهم!

 .

    العلمانيون طائفيون!

 .

    تساءلنا سابقًا: لماذا لا يُتّهم العلمانيون والليبراليون بتهمة “الطائفية” و “الإقصاء” مع أنهم يدعون إلى رؤية في الحياة وقضاياها ومنهج ينبثق عن هذه الرؤية كما يدعوا المسلمون؟ إنّنا – مع الأسف – صرنا إلى حال من الضعف والهزيمة النفسية بحيث أصبح الداعي إلى هذا المنهج المدمّر الدخيل على الأمة منزّها عن تلك الصفات مع أنها أصيلة فيه، وأصبحنا نحن أصحاب الدعوة الإسلامية ندافع باستحياء عن دعوتنا أمام من يصمها بتلك التهم! فلننظر بعين الواقع والموضوعية الآن ولنتساءل: من هو الطائفي؟ ومن هو الإقصائي؟

 .

    نحن نواجه الناس – جميع الناس – بخطاب إسلامي أصيل، يتوّجه إلى كيان الإنسان – كل إنسان – “الاختياري” (أفكاره وأعماله)، ولا تستثني أحدا من الناس أو نقصيه عن دعوتنا، بينما أصحاب الاتجاه العلماني ذو الهوية “القومية” يتوجّهون في خطابهم إلى كيان الإنسان “الجبري” (قوميته التي لم يخترها ووطنه الذي نشأ به ولم يختره)، ومن هنا فإنهم يستثنون من خطابهم أي قومية أخرى حتى لو كانت أصيلة في هذه البلاد، فماذا عن “الشركس” المسلمين الذين يقطنون في الشمال الفلسطيني في قريتي “كفر كما” و “الريحانية” قبل الوجود اليهودي بفترة طويلة؟ أين هم من هذا الخطاب العلماني ذي الهوية القومية العربية؟!

 .

    وحين يجعل أولئك العلمانيون القضية الفلسطينية قضية “فلسطينية” بحتة، أو قضية “عربية” بحتة على أبعد تقدير، فإنهم يستثنون و”يُقصون” ربع سكان العالم المسلمين من وجودهم كخط أصيل فيها! مع أن قضية فلسطين بالنسبة إلى هؤلاء على درجة رفيعة جدا من الأهمية، واختزال القضية في البعد الفلسطيني أو العربي فيه إقصاء لربع سكان العالم، وقبولهم كمتعاطفين أو مساهمين فحسب في دعم القضية هو مساواة لهم مع غيرهم من شعوب العالم، مع أن القضية ينبغي أن تكون في حسّهم أكبر مما هي في حسّ العربي أو الفلسطيني من غير المسلمين، لأنها متعلّقة بأهم ما لديهم في الحياة.. متعلّقة بإسلامهم الذي هو أهمّ من أوطانهم وأقوامهم وعائلاتهم ومصالحهم الأرضية كلها! فأين هؤلاء من الخطاب العلماني القومي؟!

 .

    تلك هي حقيقة التوجّه العلماني القومي إذن، أنه خطّ “عنصري” و “إقصائي” بدلالة الحقائق الموضوعية لا بمجرد الشبهات البعيدة عن حقيقة الواقع!

 .

    وبعد..

 .

    وبعدُ، فإنّ هؤلاء العلمانيين يقولون: “ليس كل الناس من الشريحة العربية يؤمنون بما يؤمن به المسلمون، فعلينا ألا نواجههم بالخطاب الإسلامي”! وهي قولةٌ بيّنا تهافتها، ومع ذلك نقول أيضا: ليس كل الناس من الشريحة العربية يؤمنون بما تؤمنون به أيها العلمانيون، فبناء على منطقكم المغالط ينبغي ألا نوجّه لهم الخطاب العلماني أو الليبرالي أو القومي، لأن منهم فئة لا بأس بها ترفض العلمانية والليبرالية والقومية!

 .

    والأصل أن طرح الأفكار دون محاولة فرض اعتناقها على الناس هو أمر لا شائبة فيه في حسّ هؤلاء العلمانيّين، إنما هم يرفضون الخطاب الإسلامي لأنهم يعرفون بدواخل أنفسهم أن الخطاب الإسلامي يملك رصيدًا “تاريخيّا” كبيرًا، إذ هو خطّ أصيل في هذه الأمة، وهم لا يملكون ذلك! ويملك رصيدًا “فطريّا” في الكيان الإنساني، لأنه من عند الله والإنسان من خلق الله، وهم لا يملكون هذا الرصيد، فأفكارهم كلها مستقاةٌ من العقل البشري في ظروف شروده عن الوحي الرباني لملابسات تاريخية نكدة يصعب حصرها في هذا المقام[1].

 .

    إن الذين يظنّون أن الإسلام مكوّن وراثي في هذه الأمة واهمون! إنما الإسلام منهج رباني جاء من عند الله، وحملت نصوصه المحكمة أدلة ثبوته العلمية القطعية، وهو يوجّه خطابه إلى كل إنسان، إذ إن الغاية منه تعبيد الخلق لربهم وخالقهم، والله خلق جميع البشر ولم يخلق الذين أسلموا فحسب!

 .

    وإن إحدى خصائص هذا الخطاب التي ينبغي للمسلمين أن يبادروا إلى إظهارها والافتخار بها هي أنه متوجّه إلى الكيان “الاختياري” للإنسان، لأنه منهج مبنيٌّ على المبادئ، وكل إنسان مدعوٌّ إلى اتخاذ هذه المبادئ عقيدة ومنهج حياة. بينما الخطاب القومي يفتقر إلى هذه المبدئية التي يدعو إليها الإسلام. ومن طبيعة هذه الخصيصة في الخطاب الإسلامي تنبثق طبيعة أخرى، وهي طبيعة الانتماء إلى الناس..

 .

    فالمسلم لا ينتمي إلى العربي الفلسطيني لمجرد أنه “عربي” و “فلسطيني” حتى لو ارتدّ عن دين الله! والمسلم لا ينتمي إلى من حادّ الله ورسوله لمجرد أنه “عربي” و “فلسطيني”.. والمسلم لا ينتمي إلى من ناصر قوى الجاهلية لمجرد أنه “عربي” و “فلسطيني”.. إنما المسلم يدرك تمام الإدراك معنى قول الله تعالى: ((قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)) (التوبة: 24).

 .

    ومن طبيعة هذا الإدراك تكون طبيعة الخطاب والدعوة.. وتكون طبيعة الانتماء!

 .

    والله الموفّق والمعين.. والهادي إلى سواء السبيل..

 .

8.6.2011

حيفا

شريف محمد جابر

.

(شارك في نشر المقال ومشاركته على “الفيس بوك” أو “تويتر” أو غيرها من الشبكات الاجتماعية بالضغط على الأيقونات في الأسفل، وجزى الله خيرا من عمل على نشر أي مقالة من هذه المدونة)


[1]  أنظر كتاب “مذاهب فكرية معاصرة” للأستاذ محمد قطب، ففيه تفصيل واف عن نشوء الكثير من المذاهب الفكرية الأوروبية التي انتشرت في العصر الحديث في بلاد المسلمين.

الطائفيون قادمون!

(أبناء كتلة إقرأ ينشدون “هو الحق” قبيل انتهاء انتخابات لجنة الطلاب العرب التي تكللت نتائجها بإفراز “إقرأ” كقوة أولى)

.

الطائفيون قادمون!

(1)

.

(نحو خطاب إسلامي موضوعي، واقعي وصريح تجاه غير المسلمين من عرب الداخل الفلسطيني)

.

    يستنكر العلمانيون من أصحاب الدعوة الإسلامية وصفَ غير المسلمين بـ “الكفار”، ويرمونهم بتهم “الإقصاء” و “الطائفية” بسبب هذا الاعتبار، فما حقيقة هذه التهم التي يتشدّق بها العلمانيون ويطلقونها في الآفاق؟ ومن هو “الطائفي” و “الإقصائي” على وجه الحقيقة؟ هذا ما سوف نتبيّنه – بإذن الله – في هذا المقال الذي سوف يكون من جزئين، رغبةً منّي في التخفيف على القارئ. وأحبّ أن أقول إنّني مدرك تمام الإدراك لتلك اللهفة\الرهبة\الرعشة التي تنتاب الكثيرين حين يقرأون عنوانا “مخيفًا” مثل هذا، فيُهرعون إلى الاطلاع على ما ينطوي عليه! هؤلاء هم الجمهور الذي أريد إيصال رسالتي إليه.

 .

    ماذا أريد بالضبط؟

 .

-       أحتاج أن آخذ من أوقاتكم الثمينة فسحة حتى تقرأوا فيها رسائلي، وسأكون شاكرًا لكم على القراءة المتبصرة العميقة.

-       عندي قناعة أن التيار الإسلامي لا يحمل أي شيء من معاني: الإقصاء، الطائفية، فرض التصورات والقيم على المخالفين، التضييق عليهم، إهدار كرامتهم، بخسهم حقوقهم. يقيني أن التيار الإسلامي لا يحمل في سلوكه الدعوي ونشاطاته أيّا كانت شيئًا مما ذكر، بل يحمل عكس هذه المعاني تماما تجاه غير المسلمين، فأردتُ أن أبيّن ذلك بأسلوب واقعي وموضوعي وصريح.

-       الجميع – من المسلمين وغير المسلمين – يحبّون الصراحة والوضوح، وهذا ما أردته في مقالي، أردتُ أن أبين لشركاء المعيشة في بلادنا من غير المسلمين أنني وباعتباري أؤمن بكتاب الله (القرآن) وبسنة نبيّه – صلى الله عليه وسلم – فإنني أصدّق وأنقادُ لكل حكم شرعي يَرِدُ في الكتاب والسنة أو الإجماع، أي أصدّق وأنقاد لكل قطعيات ديني، هذا بديهي، وبالتالي فمن غير المعقول بل من الإخفاء للحقيقة أن أخبر غير المسلم من أبناء هذا الوطن أنه “ليس بكافر”، طالما كانت النصوص الشرعية المحكمة من القرآن والسنة تبيّن بشكل واضح وصريح بأنه “كافر”! فإذا كنت أقول: إن القرآن والسنة هما دستوري ومنهج حياتي، فعليّ أن أكون حقيقيّا قدر الإمكان، وألا أخجل من قيم ديني، فيكون بسطُ الأمور على حقيقتها وبيان معانيها ومآلاتها ومقتضياتها الواقعية هو منهجي، لا التدسّس وإخفاء الحقائق والتمييع لأحكام الله عز وجلّ! ومن هنا فإن هذا المقال فيه بسطٌ لمنهج مبدئنا الذي ندعو إليه (الإسلام) تجاه هذا الموضوع، وبيانٌ لتهافت ما يُرمى به من طائفية أو إقصاء. ويقيني أن هذه الصراحة هي المطلوبة اليوم لدفع كل ما يثيره العلمانيون من شبهات حول الدعوة الإسلامية، وأنها هي الكفيلة بعيش أقل توتّرا وأوضح صورةً مع جميع الطوائف من عرب الداخل الفلسطيني، وبالتعاون في المساحات المشتركة بشعور مطمئن وتعامل مريح.

 .

    وصف الكفر ليس حرف نداء!

 .

    بداية أحبّ أن أبادر فأقول: إنّ قضيّة الدعوة ليست هي “الحكم على الناس” فحسب، أي لن يكون خطابي لغير المسلمين مصحوبا بكلمة “كافر” دوما، فأقول – مثلا – لزميلي النصراني في الجامعة: “أيها الكافر! ماذا تعلمنا في الدرس السابق؟” أو أقول لجمع من النصارى متسامرين: “أيها الكفرة.. أنا من جمعية كذا.. وأحبّ أن أدعوكم إلى المناسبة كذا..”. القضية ليست بهذه السذاجة إطلاقًا! وليس ما سُقته سابقًا من ضرورة إدراك غير المسلمين لنظرة المسلم إليهم إلا مقدمة لبيان حقيقة لطالما غابت عن الناس من المسلمين وغير المسلمين على حدّ سواء.

 .

    الإسلام مبدأ اختياري..! (لمزيد من البيان يراجع مقال “الإسلام موقف”):

 .

    هذه الحقيقة هي أن “الإسلام” مبدأ اختياري، مبدأ يجيب – كغيره من المبادئ – على جميع أسئلة الفطرة الطبيعية[1]:

 .

-       من أين أتيت؟ (المنشأ)

-       لماذا أتيت؟ (غاية الوجود الإنساني)

-       إلى أين أذهب بعد الموت؟ (المصير)

-       كيف أعيش؟ (المنهج)

 .

    والسلوك الواقعي لأي إنسان في حياته هو الإجابة العملية على تلك الأسئلة، أو هو مقتضى إجابته عليها. والإسلام دعوة لجميع بني البشر، وطرحٌ لإجاباتٍ واضحةٍ على هذه الأسئلة مستقاةٍ من الوحي الرباني الذي ثبت عند المسلم بالأدلة العلمية القطعية، فالإجابات التي يعطيها الإسلام هي التي تحكم سلوك الإنسان المسلم ومنهج حياته. والمسلم مخيّر في التزام هذه الإجابات والعمل بمقتضاها أو التنكّب عن ذلك، ومن هنا فإن تحديد موقف الإنسان من إجابات الإسلام على تلك الأسئلة ضروري جدًا عند المسلم، فالإنسان الذي يرفض إجابات الإسلام ولا يقبلها يكون قد “كَفَرَ” بها، أي “لم يسلّم” بها (وهو الكافر)، ويكون توجه المسلم إليه في الدعوة غير توجهه للذي قبل هذه الأجوبة وسلّم بها (وهو المسلم)، ومن هنا تنبع ضرورة معرفة من يتّصف بالكفر ومن يتّصف بالإسلام حتى يتحدّد منهج الدعوة، هذه هي قضية الكفر، ولو أنصف هؤلاء لعارضوا أيضا وصفهم بـ “غير المسلمين”! ولكنّهم يقبلون هذا الوصف ولا يضيقون به لأنهم معترفون بأنهم “غير مسلمين”، وهنا أحب أن أخبرهم بأن وصفهم بـ “الكفار” (حين يُسأل المسلم عن موقف الإسلام منهم) ليس شيئًا أكثر من وصفهم بـ “غير المسلمين” في الحقيقة! فالذي لم “يسلّم” بما جاء به الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – (تصديقًا وانقيادا) ليس بمسلم، أي – وبالمصطلح الشرعي – كافر!

 .

    وحتى يكون الأمر مفهوما وأكثر وضوحا أضرب مثالا:

 .

    “العلماني” حين يصف الإنسان “غير العلماني” لضرورة بحث أو بيان أو دعوة لفكرة ماذا يقول؟ يصفه طبقا لماهيته “الاختيارية” فيقول مثلا: “الزميل الإسلامي”. فهل وصفه له بالإسلامي يعني أنه يشتمه؟ أو أنه يقصيه؟ كلا.. فالعلمانيون يقولون (نظريا على الأقل!) إنهم يقبلون الآخر ويحترمونه ويعطونه حقوقه وحريته ولا يُقصونه، وهكذا الأمر بالنسبة للمسلم، فمن رفض أن يكون مسلما فهو “غير مسلم”، وبالمصطلح الشرعي “كافر”، ولا يعني وصفه بالكافر شتمه أو عدم احترام كيانه أو إهدار حقوقه أو إقصائه، بل إن المسلم نفسه “كافر” في حقيقة الواقع؛ كافر بأي دين أو منهج أو مبدأ مخالف للإسلام! وكذلك لن تكون كلمة “كافر” رديفة حروف النداء في حديثنا وتعاملنا مع غير المسلمين! فهي توصيف لواقع الإنسان الذي يحمل قناعاتٍ ويتخذ مواقفَ معينةً طبقا لمعايير الإسلام كمبدأ ومنهج للحياة، هذا التوصيف نحن بحاجة إليه في دعوتنا لأن طبيعة الخطاب الدعوي متعلقة به، كما أن “العلماني” أو “الليبرالي” بحاجة إلى مصطلح “إسلامي” أو “رجعي” أو غيرها من المصطلحات طبقا لمعايير العلمانية في توصيفه لواقع إنسان ما ذي قناعاتٍ ومواقفَ معينة، بيد أنه في حديثه إليه لا يقول له: “أيها الإسلامي!” فالمفردة أداة إجرائية وليست حرف نداء!

 .

    لقد عانت مفردة “الكفر” عبر الزمن من اعتلاء مدلولاتٍ لا تمتّ لها بصلة أو غير دقيقة تماما، وخلاصة الأمر أنّنا – كأصحاب دعوة لمنهج في الحياة هو “الإسلام” – نحتاج إلى توصيف الكفر لثلاثة أمور بصفة أساسية:

 .

1)   لتحديد نوع الخطاب الدعوي بعد تحديد حالة الإنسان المخاطب وموقفه من الإسلام، فالإنسان “المسلم” المقصّر أو الفاسق لن يكون الخطاب الموجّه إليه كالخطاب الموجّه إلى الإنسان “الكافر” الذي لا يؤمن برسالة محمد – صلى الله عليه وسلم – ابتداءً! فالأول (المسلم العاصي أو الجاهل) يتوجه الخطاب الدعوي إليه نحو تعميق صلته بالله وتعريفه بالأحكام الشرعية المتعلقة بحياته، وبيان ما أعدّ الله له في الآخرة من ثواب أو عقاب، وحثّه على التمسّك بدين الله عز وجل، أما الآخر (الكافر) فالخطاب الدعوي يتجه أولا نحو الجذور الفكرية المتعلقة بصدق النبوة والتعريف بأصول الإسلام وبيان آيات الله في الكون والإنسان والحياة وفي كتابه المنزل.

2)   ونحتاج إلى توصيف الكفر ثانيًا: لبيان عِظَمِ الجرم الذي يرتكبه من رفض عبادة الله بالتزام منهجه للحياة (الإسلام)، فهو قد عطّل غاية وجوده الإنساني! ومن هنا تنبع الضرورة في أن يعرف هذا الإنسان توصيف حالته في منهج الله في الأرض (الإسلام)، لعلّ ذلك أن يدفعه ويثيره للبحث عن إجاباتٍ مقنعة للعقل ومتناسقة مع الفطرة على الأسئلة التي يسألها كل إنسان بوعي منه أو بغير وعي: (المنشأ، الغاية، المصير، المنهج).

3)   ونحتاج إلى توصيف الكفر ثالثا: لأنّ هناك أحكامًا شرعيّة دنيوية متعلّقة في التعامل مع غير المسلمين في حالات مختلفة، كالزواج والولاية وغيرها، ومنها كذلك مسألة “الانتماء” و “الهوية”، فالمسلم يتماهى مع بني البشر وينتمي إليهم وفقًا للمبادئ التي اختاروها ومنهج حياتهم الذي يسيرون عليه باختيارهم، وليس وفقا لماهيّتهم الجبرية (القومية، الوطن، المنشأ)، وغير المسلم يختلف مع المسلم في المبادئ ومنهج الحياة فلا يتماهى معه ولا ينتمي إليه، على اعتبار أن الهوية هي محور استقطاب وانتماء قيميّ، والإسلام مصدر القيم بالنسبة للمسلم، أما الماهية القومية واللغة أو مكان الولادة والنشأة فلا تحمل كلّها أي قيم يمكن أن تشكّل محور استقطاب.

 .

    قد تبيّن إذن أن وصف الكفر لغير المسلم هو أمر طبيعي، كما أن وصف “غير العلماني” قد يكون “الإسلامي” أو “الرجعي” أو غير ذلك مما ينافي العلمانية ويتعارض مع مبادئها (حسبما يزعم العلمانيون!)، وهو أمر طبيعي ومفسّر كذلك، فحين يكتب علماني عنوانا لمقال مثل: “رسالة إلى الزملاء الإسلاميين” أو يصف مجموعة من الناس يحملون أفكارًا معيّنة بالـ “رجعيين” فإننا لا نستهجن تصنيفه هذا بناء على مبادئ الناس الاختيارية كتوصيف لهم، ولا نستغرب دعوته إلى علمنة المجتمع والدعوة إلى مبادئه، ولا نصمه بـ “الطائفية” أو “الإقصاء”، فلماذا – إذن – نستغرب وصف غير المسلمين بـ “الكفار” حين يُراد توصيفهم بناء على مبادئهم الاختيارية (الكفر) لضرورة ما؟! القضية في جوهرها هي أن “الإسلام” موقف اختياري من قضايا الحياة، و”الكفرَ” موقف اختياري كذلك، كما أن “العلمانية” موقف اختياري من قضايا الحياة، ولا يعني توجيه الخطاب بالصبغة العلمانية أن العلمانيين “طائفيون” أو “إقصائيون”[2]، وكذلك، لا يعني توجيه الخطاب بصبغته “الإسلامية” أن المسلمين “طائفيون” أو “إقصائيون”، فأصحاب الدعوة الإسلامية وأصحاب الدعوة العلمانية يوجّهون خطابهم إلى “الكيان الاختياري” من كل إنسان، فمن أين أتت تهم الطائفية والإقصاء إذن ما دام التعامل لا يحمل أيّ معنى من الإقصاء أو إهدار حقوق الآخر أو فرض التصورات والقيم عليه؟!

 .

    في الجزء الثاني سوف نكمل – بإذن الله – بيان تهافت شبهات “الطائفية” و “الإقصاء” التي يرمي بها العلمانيون أصحاب الدعوة الإسلامية. فأنا شديد الوثوق من أن الدعوة الإسلامية لا تحمل أي معنى من ذلك، والعبرة في النهاية بطريقة التعامل مع غير المسلمين من قبل أصحاب الدعوة، فهل أصحاب الدعوة هم فعلا “طائفيون” و”إقصائيون”؟ ومن هو “الطائفي” و “الإقصائي” على وجه الحقيقة؟ العلمانيون القوميون أم أصحاب الدعوة الإسلامية؟!

 .

    سوف نتبيّن ذلك في الجزء الثاني بإذن الله تعالى.. والله الموفق والمعين.. وبه نستعين.

 .

31.5.2011

عكا

شريف محمد جابر

.

(لمشاركة المقال في الشبكات الاجتماعية “فيس بوك” أو “تويتر” أو غيرها يرجى الضغط على الأيقونات في الأسفل)


[1]  يرجى مراجعة مقال “المنطلقات الفكرية في الإسلام”.

[2]  نظريّا، فالواقع أن الدعوة القومية التي يحملها بعض العلمانيين هي في حقيقتها حاملة لمعاني الطائفية.