Tag Archive | العلمانية

الطائفيون قادمون – 2

.

الطائفيون قادمون – 2

.

    يستنكر العلمانيون أن يكون خطاب المسلمين اليوم على أساس الإسلام، أو أن يقوم المسلمون بإنشاء جمعيات وكتل وتنظيمات ومؤسسات “إسلامية”، ويصفون ذلك بأنه تنظيم للشريحة العربية في الداخل الفلسطيني على أساس الطائفية، وأنه قاصر على “المسلمين” فحسب، ويُقصي غير المسلمين من خطاب هذه الجمعيات والتنظيمات والمؤسسات، بينما الأصل هو توجيه الخطاب للشريحة العربية كلها، من باب الحفاظ على وحدة الصفّ، والذي يجمعنا هو أننا جميعنا “عرب”، وليس جميعنا “مسلمين”.. هكذا يقولون!

 .

    خطابنا للجميع.. وليس للمسلمين فحسب!

 .

    ولقد بيّنا هذا الأمر في الجزء الأول من المقال، وكذلك في مقال “الإسلام موقف”، فإنه بإمكان أي إنسان مهما كانت عقيدته الاستماع إلى الخطاب الإسلامي، فإذا قبِله فإنه سوف ينتهجه بطبيعة الحال. وهنا يفغر الكثير من الناس أفواههم متعجّبين من أن ندعو الناس من غير المسلمين إلى اتخاذ الإسلام عقيدة لهم ومنهجا في الحياة! ولا أدري ما المشكلة في ذلك ما دامت الدعوة لا تجبر أحدا على اعتناق الإسلام من باب “لا إكراه في الدين”؟ ولماذا يُتاح للعلمانيين ومن المقبول لهم وغير المستغرب أن يدعوا إلى مجتمع “علماني” واعتبار ذلك حرية في التعبير عن الرأي وحرية في طرح الأفكار على الناس؟! فإذا كان أصحاب الدعوة الإسلامية هم الذين يمارسون هذه الحريات فإنهم يصبحون “طائفيّين” و “إقصائيّين”! مع أن الإسلام خطّ أصيل في حضارة هذه الشعوب وهذه المنطقة، ومع أن العلمانية رافد دخيل نشأ أصلا في ظروف مغايرة لظروف الأمة بجمع طوائفها، ومع أن الأصل أن نستهجن الدعوة إلى القيم العلمانية وتبنيها وليس العكس! ولكن ماذا نقول إن كانت هذه هي طبيعة العلمانيين “الإقصائية” والمموّهة للحقائق؟!

 .

    إن كلّ إنسان مخاطب في هذه الدعوة الإسلامية، فإن لم يستجب للدعوة فإن أصحاب الدعوة لن يجبروه على شيء، ولن يتعاملوا معه بسلوك “الإقصاء”، إنما سيكون أحد مكوّنات المجتمع الموجودة واقعًا، وسيكون التعامل معه – إن كان مسالما – تعامل البر والقسط والرحمة وكما تدل النصوص الشرعيّة الحاسمة، بل وإن التعاون متاح في المشتركات دون تنازل الدعوة عن ضوابطها الإسلامية. فلنا أن نتساءل مرة أخرى: من أين التصقت شبهة “الإقصاء” في حسّ بعض المستغفلين؟ إنه أحد أمرين: إمّا كيد العلمانيين من أعداء الإسلام، وإما جهل المستغفلين بدعوة أولئك العلمانيّين وشبهاتهم!

 .

    العلمانيون طائفيون!

 .

    تساءلنا سابقًا: لماذا لا يُتّهم العلمانيون والليبراليون بتهمة “الطائفية” و “الإقصاء” مع أنهم يدعون إلى رؤية في الحياة وقضاياها ومنهج ينبثق عن هذه الرؤية كما يدعوا المسلمون؟ إنّنا – مع الأسف – صرنا إلى حال من الضعف والهزيمة النفسية بحيث أصبح الداعي إلى هذا المنهج المدمّر الدخيل على الأمة منزّها عن تلك الصفات مع أنها أصيلة فيه، وأصبحنا نحن أصحاب الدعوة الإسلامية ندافع باستحياء عن دعوتنا أمام من يصمها بتلك التهم! فلننظر بعين الواقع والموضوعية الآن ولنتساءل: من هو الطائفي؟ ومن هو الإقصائي؟

 .

    نحن نواجه الناس – جميع الناس – بخطاب إسلامي أصيل، يتوّجه إلى كيان الإنسان – كل إنسان – “الاختياري” (أفكاره وأعماله)، ولا تستثني أحدا من الناس أو نقصيه عن دعوتنا، بينما أصحاب الاتجاه العلماني ذو الهوية “القومية” يتوجّهون في خطابهم إلى كيان الإنسان “الجبري” (قوميته التي لم يخترها ووطنه الذي نشأ به ولم يختره)، ومن هنا فإنهم يستثنون من خطابهم أي قومية أخرى حتى لو كانت أصيلة في هذه البلاد، فماذا عن “الشركس” المسلمين الذين يقطنون في الشمال الفلسطيني في قريتي “كفر كما” و “الريحانية” قبل الوجود اليهودي بفترة طويلة؟ أين هم من هذا الخطاب العلماني ذي الهوية القومية العربية؟!

 .

    وحين يجعل أولئك العلمانيون القضية الفلسطينية قضية “فلسطينية” بحتة، أو قضية “عربية” بحتة على أبعد تقدير، فإنهم يستثنون و”يُقصون” ربع سكان العالم المسلمين من وجودهم كخط أصيل فيها! مع أن قضية فلسطين بالنسبة إلى هؤلاء على درجة رفيعة جدا من الأهمية، واختزال القضية في البعد الفلسطيني أو العربي فيه إقصاء لربع سكان العالم، وقبولهم كمتعاطفين أو مساهمين فحسب في دعم القضية هو مساواة لهم مع غيرهم من شعوب العالم، مع أن القضية ينبغي أن تكون في حسّهم أكبر مما هي في حسّ العربي أو الفلسطيني من غير المسلمين، لأنها متعلّقة بأهم ما لديهم في الحياة.. متعلّقة بإسلامهم الذي هو أهمّ من أوطانهم وأقوامهم وعائلاتهم ومصالحهم الأرضية كلها! فأين هؤلاء من الخطاب العلماني القومي؟!

 .

    تلك هي حقيقة التوجّه العلماني القومي إذن، أنه خطّ “عنصري” و “إقصائي” بدلالة الحقائق الموضوعية لا بمجرد الشبهات البعيدة عن حقيقة الواقع!

 .

    وبعد..

 .

    وبعدُ، فإنّ هؤلاء العلمانيين يقولون: “ليس كل الناس من الشريحة العربية يؤمنون بما يؤمن به المسلمون، فعلينا ألا نواجههم بالخطاب الإسلامي”! وهي قولةٌ بيّنا تهافتها، ومع ذلك نقول أيضا: ليس كل الناس من الشريحة العربية يؤمنون بما تؤمنون به أيها العلمانيون، فبناء على منطقكم المغالط ينبغي ألا نوجّه لهم الخطاب العلماني أو الليبرالي أو القومي، لأن منهم فئة لا بأس بها ترفض العلمانية والليبرالية والقومية!

 .

    والأصل أن طرح الأفكار دون محاولة فرض اعتناقها على الناس هو أمر لا شائبة فيه في حسّ هؤلاء العلمانيّين، إنما هم يرفضون الخطاب الإسلامي لأنهم يعرفون بدواخل أنفسهم أن الخطاب الإسلامي يملك رصيدًا “تاريخيّا” كبيرًا، إذ هو خطّ أصيل في هذه الأمة، وهم لا يملكون ذلك! ويملك رصيدًا “فطريّا” في الكيان الإنساني، لأنه من عند الله والإنسان من خلق الله، وهم لا يملكون هذا الرصيد، فأفكارهم كلها مستقاةٌ من العقل البشري في ظروف شروده عن الوحي الرباني لملابسات تاريخية نكدة يصعب حصرها في هذا المقام[1].

 .

    إن الذين يظنّون أن الإسلام مكوّن وراثي في هذه الأمة واهمون! إنما الإسلام منهج رباني جاء من عند الله، وحملت نصوصه المحكمة أدلة ثبوته العلمية القطعية، وهو يوجّه خطابه إلى كل إنسان، إذ إن الغاية منه تعبيد الخلق لربهم وخالقهم، والله خلق جميع البشر ولم يخلق الذين أسلموا فحسب!

 .

    وإن إحدى خصائص هذا الخطاب التي ينبغي للمسلمين أن يبادروا إلى إظهارها والافتخار بها هي أنه متوجّه إلى الكيان “الاختياري” للإنسان، لأنه منهج مبنيٌّ على المبادئ، وكل إنسان مدعوٌّ إلى اتخاذ هذه المبادئ عقيدة ومنهج حياة. بينما الخطاب القومي يفتقر إلى هذه المبدئية التي يدعو إليها الإسلام. ومن طبيعة هذه الخصيصة في الخطاب الإسلامي تنبثق طبيعة أخرى، وهي طبيعة الانتماء إلى الناس..

 .

    فالمسلم لا ينتمي إلى العربي الفلسطيني لمجرد أنه “عربي” و “فلسطيني” حتى لو ارتدّ عن دين الله! والمسلم لا ينتمي إلى من حادّ الله ورسوله لمجرد أنه “عربي” و “فلسطيني”.. والمسلم لا ينتمي إلى من ناصر قوى الجاهلية لمجرد أنه “عربي” و “فلسطيني”.. إنما المسلم يدرك تمام الإدراك معنى قول الله تعالى: ((قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)) (التوبة: 24).

 .

    ومن طبيعة هذا الإدراك تكون طبيعة الخطاب والدعوة.. وتكون طبيعة الانتماء!

 .

    والله الموفّق والمعين.. والهادي إلى سواء السبيل..

 .

8.6.2011

حيفا

شريف محمد جابر

.

(شارك في نشر المقال ومشاركته على “الفيس بوك” أو “تويتر” أو غيرها من الشبكات الاجتماعية بالضغط على الأيقونات في الأسفل، وجزى الله خيرا من عمل على نشر أي مقالة من هذه المدونة)


[1]  أنظر كتاب “مذاهب فكرية معاصرة” للأستاذ محمد قطب، ففيه تفصيل واف عن نشوء الكثير من المذاهب الفكرية الأوروبية التي انتشرت في العصر الحديث في بلاد المسلمين.

الطائفيون قادمون!

(أبناء كتلة إقرأ ينشدون “هو الحق” قبيل انتهاء انتخابات لجنة الطلاب العرب التي تكللت نتائجها بإفراز “إقرأ” كقوة أولى)

.

الطائفيون قادمون!

(1)

.

(نحو خطاب إسلامي موضوعي، واقعي وصريح تجاه غير المسلمين من عرب الداخل الفلسطيني)

.

    يستنكر العلمانيون من أصحاب الدعوة الإسلامية وصفَ غير المسلمين بـ “الكفار”، ويرمونهم بتهم “الإقصاء” و “الطائفية” بسبب هذا الاعتبار، فما حقيقة هذه التهم التي يتشدّق بها العلمانيون ويطلقونها في الآفاق؟ ومن هو “الطائفي” و “الإقصائي” على وجه الحقيقة؟ هذا ما سوف نتبيّنه – بإذن الله – في هذا المقال الذي سوف يكون من جزئين، رغبةً منّي في التخفيف على القارئ. وأحبّ أن أقول إنّني مدرك تمام الإدراك لتلك اللهفة\الرهبة\الرعشة التي تنتاب الكثيرين حين يقرأون عنوانا “مخيفًا” مثل هذا، فيُهرعون إلى الاطلاع على ما ينطوي عليه! هؤلاء هم الجمهور الذي أريد إيصال رسالتي إليه.

 .

    ماذا أريد بالضبط؟

 .

-       أحتاج أن آخذ من أوقاتكم الثمينة فسحة حتى تقرأوا فيها رسائلي، وسأكون شاكرًا لكم على القراءة المتبصرة العميقة.

-       عندي قناعة أن التيار الإسلامي لا يحمل أي شيء من معاني: الإقصاء، الطائفية، فرض التصورات والقيم على المخالفين، التضييق عليهم، إهدار كرامتهم، بخسهم حقوقهم. يقيني أن التيار الإسلامي لا يحمل في سلوكه الدعوي ونشاطاته أيّا كانت شيئًا مما ذكر، بل يحمل عكس هذه المعاني تماما تجاه غير المسلمين، فأردتُ أن أبيّن ذلك بأسلوب واقعي وموضوعي وصريح.

-       الجميع – من المسلمين وغير المسلمين – يحبّون الصراحة والوضوح، وهذا ما أردته في مقالي، أردتُ أن أبين لشركاء المعيشة في بلادنا من غير المسلمين أنني وباعتباري أؤمن بكتاب الله (القرآن) وبسنة نبيّه – صلى الله عليه وسلم – فإنني أصدّق وأنقادُ لكل حكم شرعي يَرِدُ في الكتاب والسنة أو الإجماع، أي أصدّق وأنقاد لكل قطعيات ديني، هذا بديهي، وبالتالي فمن غير المعقول بل من الإخفاء للحقيقة أن أخبر غير المسلم من أبناء هذا الوطن أنه “ليس بكافر”، طالما كانت النصوص الشرعية المحكمة من القرآن والسنة تبيّن بشكل واضح وصريح بأنه “كافر”! فإذا كنت أقول: إن القرآن والسنة هما دستوري ومنهج حياتي، فعليّ أن أكون حقيقيّا قدر الإمكان، وألا أخجل من قيم ديني، فيكون بسطُ الأمور على حقيقتها وبيان معانيها ومآلاتها ومقتضياتها الواقعية هو منهجي، لا التدسّس وإخفاء الحقائق والتمييع لأحكام الله عز وجلّ! ومن هنا فإن هذا المقال فيه بسطٌ لمنهج مبدئنا الذي ندعو إليه (الإسلام) تجاه هذا الموضوع، وبيانٌ لتهافت ما يُرمى به من طائفية أو إقصاء. ويقيني أن هذه الصراحة هي المطلوبة اليوم لدفع كل ما يثيره العلمانيون من شبهات حول الدعوة الإسلامية، وأنها هي الكفيلة بعيش أقل توتّرا وأوضح صورةً مع جميع الطوائف من عرب الداخل الفلسطيني، وبالتعاون في المساحات المشتركة بشعور مطمئن وتعامل مريح.

 .

    وصف الكفر ليس حرف نداء!

 .

    بداية أحبّ أن أبادر فأقول: إنّ قضيّة الدعوة ليست هي “الحكم على الناس” فحسب، أي لن يكون خطابي لغير المسلمين مصحوبا بكلمة “كافر” دوما، فأقول – مثلا – لزميلي النصراني في الجامعة: “أيها الكافر! ماذا تعلمنا في الدرس السابق؟” أو أقول لجمع من النصارى متسامرين: “أيها الكفرة.. أنا من جمعية كذا.. وأحبّ أن أدعوكم إلى المناسبة كذا..”. القضية ليست بهذه السذاجة إطلاقًا! وليس ما سُقته سابقًا من ضرورة إدراك غير المسلمين لنظرة المسلم إليهم إلا مقدمة لبيان حقيقة لطالما غابت عن الناس من المسلمين وغير المسلمين على حدّ سواء.

 .

    الإسلام مبدأ اختياري..! (لمزيد من البيان يراجع مقال “الإسلام موقف”):

 .

    هذه الحقيقة هي أن “الإسلام” مبدأ اختياري، مبدأ يجيب – كغيره من المبادئ – على جميع أسئلة الفطرة الطبيعية[1]:

 .

-       من أين أتيت؟ (المنشأ)

-       لماذا أتيت؟ (غاية الوجود الإنساني)

-       إلى أين أذهب بعد الموت؟ (المصير)

-       كيف أعيش؟ (المنهج)

 .

    والسلوك الواقعي لأي إنسان في حياته هو الإجابة العملية على تلك الأسئلة، أو هو مقتضى إجابته عليها. والإسلام دعوة لجميع بني البشر، وطرحٌ لإجاباتٍ واضحةٍ على هذه الأسئلة مستقاةٍ من الوحي الرباني الذي ثبت عند المسلم بالأدلة العلمية القطعية، فالإجابات التي يعطيها الإسلام هي التي تحكم سلوك الإنسان المسلم ومنهج حياته. والمسلم مخيّر في التزام هذه الإجابات والعمل بمقتضاها أو التنكّب عن ذلك، ومن هنا فإن تحديد موقف الإنسان من إجابات الإسلام على تلك الأسئلة ضروري جدًا عند المسلم، فالإنسان الذي يرفض إجابات الإسلام ولا يقبلها يكون قد “كَفَرَ” بها، أي “لم يسلّم” بها (وهو الكافر)، ويكون توجه المسلم إليه في الدعوة غير توجهه للذي قبل هذه الأجوبة وسلّم بها (وهو المسلم)، ومن هنا تنبع ضرورة معرفة من يتّصف بالكفر ومن يتّصف بالإسلام حتى يتحدّد منهج الدعوة، هذه هي قضية الكفر، ولو أنصف هؤلاء لعارضوا أيضا وصفهم بـ “غير المسلمين”! ولكنّهم يقبلون هذا الوصف ولا يضيقون به لأنهم معترفون بأنهم “غير مسلمين”، وهنا أحب أن أخبرهم بأن وصفهم بـ “الكفار” (حين يُسأل المسلم عن موقف الإسلام منهم) ليس شيئًا أكثر من وصفهم بـ “غير المسلمين” في الحقيقة! فالذي لم “يسلّم” بما جاء به الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – (تصديقًا وانقيادا) ليس بمسلم، أي – وبالمصطلح الشرعي – كافر!

 .

    وحتى يكون الأمر مفهوما وأكثر وضوحا أضرب مثالا:

 .

    “العلماني” حين يصف الإنسان “غير العلماني” لضرورة بحث أو بيان أو دعوة لفكرة ماذا يقول؟ يصفه طبقا لماهيته “الاختيارية” فيقول مثلا: “الزميل الإسلامي”. فهل وصفه له بالإسلامي يعني أنه يشتمه؟ أو أنه يقصيه؟ كلا.. فالعلمانيون يقولون (نظريا على الأقل!) إنهم يقبلون الآخر ويحترمونه ويعطونه حقوقه وحريته ولا يُقصونه، وهكذا الأمر بالنسبة للمسلم، فمن رفض أن يكون مسلما فهو “غير مسلم”، وبالمصطلح الشرعي “كافر”، ولا يعني وصفه بالكافر شتمه أو عدم احترام كيانه أو إهدار حقوقه أو إقصائه، بل إن المسلم نفسه “كافر” في حقيقة الواقع؛ كافر بأي دين أو منهج أو مبدأ مخالف للإسلام! وكذلك لن تكون كلمة “كافر” رديفة حروف النداء في حديثنا وتعاملنا مع غير المسلمين! فهي توصيف لواقع الإنسان الذي يحمل قناعاتٍ ويتخذ مواقفَ معينةً طبقا لمعايير الإسلام كمبدأ ومنهج للحياة، هذا التوصيف نحن بحاجة إليه في دعوتنا لأن طبيعة الخطاب الدعوي متعلقة به، كما أن “العلماني” أو “الليبرالي” بحاجة إلى مصطلح “إسلامي” أو “رجعي” أو غيرها من المصطلحات طبقا لمعايير العلمانية في توصيفه لواقع إنسان ما ذي قناعاتٍ ومواقفَ معينة، بيد أنه في حديثه إليه لا يقول له: “أيها الإسلامي!” فالمفردة أداة إجرائية وليست حرف نداء!

 .

    لقد عانت مفردة “الكفر” عبر الزمن من اعتلاء مدلولاتٍ لا تمتّ لها بصلة أو غير دقيقة تماما، وخلاصة الأمر أنّنا – كأصحاب دعوة لمنهج في الحياة هو “الإسلام” – نحتاج إلى توصيف الكفر لثلاثة أمور بصفة أساسية:

 .

1)   لتحديد نوع الخطاب الدعوي بعد تحديد حالة الإنسان المخاطب وموقفه من الإسلام، فالإنسان “المسلم” المقصّر أو الفاسق لن يكون الخطاب الموجّه إليه كالخطاب الموجّه إلى الإنسان “الكافر” الذي لا يؤمن برسالة محمد – صلى الله عليه وسلم – ابتداءً! فالأول (المسلم العاصي أو الجاهل) يتوجه الخطاب الدعوي إليه نحو تعميق صلته بالله وتعريفه بالأحكام الشرعية المتعلقة بحياته، وبيان ما أعدّ الله له في الآخرة من ثواب أو عقاب، وحثّه على التمسّك بدين الله عز وجل، أما الآخر (الكافر) فالخطاب الدعوي يتجه أولا نحو الجذور الفكرية المتعلقة بصدق النبوة والتعريف بأصول الإسلام وبيان آيات الله في الكون والإنسان والحياة وفي كتابه المنزل.

2)   ونحتاج إلى توصيف الكفر ثانيًا: لبيان عِظَمِ الجرم الذي يرتكبه من رفض عبادة الله بالتزام منهجه للحياة (الإسلام)، فهو قد عطّل غاية وجوده الإنساني! ومن هنا تنبع الضرورة في أن يعرف هذا الإنسان توصيف حالته في منهج الله في الأرض (الإسلام)، لعلّ ذلك أن يدفعه ويثيره للبحث عن إجاباتٍ مقنعة للعقل ومتناسقة مع الفطرة على الأسئلة التي يسألها كل إنسان بوعي منه أو بغير وعي: (المنشأ، الغاية، المصير، المنهج).

3)   ونحتاج إلى توصيف الكفر ثالثا: لأنّ هناك أحكامًا شرعيّة دنيوية متعلّقة في التعامل مع غير المسلمين في حالات مختلفة، كالزواج والولاية وغيرها، ومنها كذلك مسألة “الانتماء” و “الهوية”، فالمسلم يتماهى مع بني البشر وينتمي إليهم وفقًا للمبادئ التي اختاروها ومنهج حياتهم الذي يسيرون عليه باختيارهم، وليس وفقا لماهيّتهم الجبرية (القومية، الوطن، المنشأ)، وغير المسلم يختلف مع المسلم في المبادئ ومنهج الحياة فلا يتماهى معه ولا ينتمي إليه، على اعتبار أن الهوية هي محور استقطاب وانتماء قيميّ، والإسلام مصدر القيم بالنسبة للمسلم، أما الماهية القومية واللغة أو مكان الولادة والنشأة فلا تحمل كلّها أي قيم يمكن أن تشكّل محور استقطاب.

 .

    قد تبيّن إذن أن وصف الكفر لغير المسلم هو أمر طبيعي، كما أن وصف “غير العلماني” قد يكون “الإسلامي” أو “الرجعي” أو غير ذلك مما ينافي العلمانية ويتعارض مع مبادئها (حسبما يزعم العلمانيون!)، وهو أمر طبيعي ومفسّر كذلك، فحين يكتب علماني عنوانا لمقال مثل: “رسالة إلى الزملاء الإسلاميين” أو يصف مجموعة من الناس يحملون أفكارًا معيّنة بالـ “رجعيين” فإننا لا نستهجن تصنيفه هذا بناء على مبادئ الناس الاختيارية كتوصيف لهم، ولا نستغرب دعوته إلى علمنة المجتمع والدعوة إلى مبادئه، ولا نصمه بـ “الطائفية” أو “الإقصاء”، فلماذا – إذن – نستغرب وصف غير المسلمين بـ “الكفار” حين يُراد توصيفهم بناء على مبادئهم الاختيارية (الكفر) لضرورة ما؟! القضية في جوهرها هي أن “الإسلام” موقف اختياري من قضايا الحياة، و”الكفرَ” موقف اختياري كذلك، كما أن “العلمانية” موقف اختياري من قضايا الحياة، ولا يعني توجيه الخطاب بالصبغة العلمانية أن العلمانيين “طائفيون” أو “إقصائيون”[2]، وكذلك، لا يعني توجيه الخطاب بصبغته “الإسلامية” أن المسلمين “طائفيون” أو “إقصائيون”، فأصحاب الدعوة الإسلامية وأصحاب الدعوة العلمانية يوجّهون خطابهم إلى “الكيان الاختياري” من كل إنسان، فمن أين أتت تهم الطائفية والإقصاء إذن ما دام التعامل لا يحمل أيّ معنى من الإقصاء أو إهدار حقوق الآخر أو فرض التصورات والقيم عليه؟!

 .

    في الجزء الثاني سوف نكمل – بإذن الله – بيان تهافت شبهات “الطائفية” و “الإقصاء” التي يرمي بها العلمانيون أصحاب الدعوة الإسلامية. فأنا شديد الوثوق من أن الدعوة الإسلامية لا تحمل أي معنى من ذلك، والعبرة في النهاية بطريقة التعامل مع غير المسلمين من قبل أصحاب الدعوة، فهل أصحاب الدعوة هم فعلا “طائفيون” و”إقصائيون”؟ ومن هو “الطائفي” و “الإقصائي” على وجه الحقيقة؟ العلمانيون القوميون أم أصحاب الدعوة الإسلامية؟!

 .

    سوف نتبيّن ذلك في الجزء الثاني بإذن الله تعالى.. والله الموفق والمعين.. وبه نستعين.

 .

31.5.2011

عكا

شريف محمد جابر

.

(لمشاركة المقال في الشبكات الاجتماعية “فيس بوك” أو “تويتر” أو غيرها يرجى الضغط على الأيقونات في الأسفل)


[1]  يرجى مراجعة مقال “المنطلقات الفكرية في الإسلام”.

[2]  نظريّا، فالواقع أن الدعوة القومية التي يحملها بعض العلمانيين هي في حقيقتها حاملة لمعاني الطائفية.

أحاديث المفلسين..!

.

أحاديث المفلسين!

 .

    قبيل انتخابات لجنة الطلاب العرب، يثيرُ العديد من العلمانيين بعض الأحاديث بين الطلاب بُغية صرفهم قدر الإمكان عن تأييد ذلك “الغول” الإسلامي الذي يصوّرونه “بعبعًا” سيعطّل مسيرة الحياة الطلابية الحرّة إذا ما تمكن من الوصول إلى حيّز محترم في مقاعد لجنة الطلاب العرب!

 .

    والأصوب – تحيّزا للموضوعية – أن نصف تلك الأحاديث “بالتفاهات”، أو “المغالطات” التي يقع فيها هؤلاء عن قصد أو عن غير قصد، ظانّين أنهم سيعطّلون مسيرة المشروع الإسلامي، أو أنهم سوف يحرجون كوادره بتلك الشبهات المتهافتة!

 .

    قال لي أحد الزملاء العلمانيين متعجّبا: “كيف يمكن لغير المسلم أن يصوّت لقائمة إقرأ”؟

 .

    قلتُ: يذهب إلى مكان الانتخاب متزوّدا ببطاقة الطالب ثم يدسّ ورقة “أ” (إقرأ) في فتحة الصندوق! ثمّ قلتُ له: إن “إقرأ” لم تكتب مرة على منشور لها أن ما فيه “للمسلمين فقط”! ولم تجعل خدماتها وفعاليّاتها حكرا على المسلمين! إنّما سخّرت خدماتها لجميع الطلاب، وحين تُتّهم “إقرأ” “بالطائفيّة” أو “العنصريّة” فعلى أيّ شيء يستند أولئك المتّهمون؟!

 .

    قال لي: إنكم لا تقبلون في بنية كادركم طلابا من غير المسلمين..

 .

    وأتساءل بادئ ذي بدء: هل تقدّم أحدٌ من غير المسلمين لينضمّ إلى كتلة “إقرأ” ويعمل معها بمبادئها وبرنامجها ولم تقبله؟ كلا.. فمن أين لهم هذا الزعم إذًا؟!

 .

    والقضيّة في حقيقتها غاية في البساطة، أبسط مما يظهرها هؤلاء “المفلسون” أو “المستغفلون”، فكل “كتلة” أو “جمعية” تقوم على مبادئ معيّنة يكون شرط العضوية فيها التزام تلك المبادئ، فبعض الكتل العلمانية تشترط أن يكون العضو “وطنيّا”، ولا تقبل في صفوفها مندسّا أو فاقدا للحسّ الوطنيّ فيما يزعمون.. وإلا فلينبئونا إن تغيّر الأمر لديهم! وبطبيعة الحال فإن الكتل “القومية” لا يمكن أن تقبل في صفوفها مسلما داعيا للهوية الإسلامية ورافضا للعصبية القومية وللعلمانية، ولن تلائم مبادئها طالبا ملتزما يرى – كما أقرّ الإسلام – حرمةَ الاختلاط وحرمةَ غناء المرأة وتخلّعها أمام الرجال! تلك أمور بديهية لا يجادل فيها عاقل، وإلا فنحن نسأل تلك الأحزاب العلمانية: هل تقبلون في بنية كادركم طالبا ينادي بالهوية الإسلامية ويرفض الهوية القومية؟ أو طالبا يرفض العلمانية ويدعو إلى رفضها بين الناس؟ فإذا كان الأمر طبيعيّا وبديهيّا مع هذه الكتل الطلابية العلمانية فلماذا هو حرام على كتلة “إقرأ”؟! ولماذا على كتلة “إقرأ” أن تقبل في صفوفها كلّ من هبّ ودبّ ومن لا يلتزم بمبادئها؟!

 .

حرامٌ على بلابله الدوحُ  **  حلالٌ على الطير من كلّ جنسِ!

 .

    إن كلّ كتلة طلابيّة تحترم نفسها وتحمل برنامجا واضحا للعمل الطلابي ينبغي لها ألا تكون مائعة في مبادئها التي تحكم سيرَها ومواقفَها، وهذا هو واقع الكتل الطلابية جمعاء على اختلاف في درجة “الوضوح” عند بعض الكتل! وكتلة “إقرأ” لها مبدأ أصلي يحكم عملها، ألا وهو “الإسلام”، والإسلام – كمنهج للحياة – عقيدة ينبثق عنها نظام، نظام من عند الله عز وجل، يضبط سلوك المسلم بما فيه المصلحة للبشرية جمعاء، دون النظر إلى جنس أو لون أو عرق بعينه، ولقد أثبت هذا النظام حقيقة كونه مصلحة للجميع في رصيد التجربة التاريخية الطويلة التي عاشت خلالها قطاعات واسعة من البشرية في خيراته، وتفيّأت في ظلاله. هذا المبدأ هو مبدأ كتلة “إقرأ”، ومن قَبِلَ به وآمن وسعى إليه فإن “إقرأ” – بطبيعة الحال – سوف تسعدُ به، وترحّب بانضمامه إلى كوادرها، بغضّ النظر عن مبادئه السابقة وعرقه أو لونه، فهل توجّه أيّ إنسان لإقرأ حتى يكون من كوادرها قابلا بمبادئها فرفضه القائمون عليها؟! إن الأحرى بأصحاب هذه الشبهات المتهافتة أن ينظروا إلى طبيعة توّجهاتهم “القومية” المتحيّزة في عناصر “جبريّة” عند الإنسان (القومية أو العرق) قبل أن يثيروا تلك الأحاديث.. أحاديث المفلسين!

 .

    بل إنّ الأحرى بهؤلاء أن يخجلوا من أنفسهم، فالمشروع الحضاري الإسلامي هو المشروع الذي عاشت في كنفه جميع الطوائف في المنطقة من غير المسلمين، والتاريخ صارخٌ بآلاف النماذج الواقعية المبيّنة لما نتج عنه تولّي المسلمين لشؤون الطوائف الأخرى.. وما نموذج أبي عبيدة بن الجراح في الشام عنّا ببعيد، حين قال له وللمسلمين نصارى الشام بعيد فتح دمشق: “أنتم – ولستم على ديننها – أرأف بنا من أهل ديننا”! وما نموذج القبطي الذي ذهب ليشتكي ابنَ والي مصر لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب عنّا ببعيد أيضًا، حين جرؤ على الشكوى ونال حقّه كاملا في ظل تولّي المسلمين، بينما عانى أسلافه من الشقاء في ظل حكم أهل دينهم فترة ما يقارب 300 مائة عام سبقت الفتح الإسلامي.. بل كانوا يتخفّون حين يؤدّون شعائر دينهم المخالفة للمذهب الكاثوليكي! وتلك وإن كانت نماذج في الحكم الإسلامي، فإن دلالتها بالنسبة لما نحن بصدده عميقة جدًا!

****

    يرمون “إقرأ” بالتمييز.. ولا يدرون أنّه “تميّز”.. وليس “تمييزا”! وفرق كبير بين هذا وذاك!

 .

عايرتْني بالشيب وهو وقارُ  **  ليتها عايرتْني بما هو عارُ!

 .

    سبق وبينّا أن كتلة “إقرأ” لا تميّز في خدماتها وفعاليّاتها الطلابية بين مسلم وغير مسلم، بل عملها مفتوح للجميع بغضّ النظر عن دينهم أو أعراقهم، بيدَ أنّها حقّا “متميّزة”.. متميّزة بالعنصر الأخلاقي الإيماني الضابط، فالحياة الطلابية إما أن تكون محميّة بسياج من الخلق النظيف والسمتِ الرفيع.. وإما أن تكون “فوضى الجنس” ضابطها.. وفساد الأخلاق مرتعها.. ودنيا التفاهات عالمها وأفقها!

 .

    وأحاديث المفلسين تعرّضُ بحرمة الاختلاط، وبحرمة غناء المرأة وخضوعها في القول وتخلّعها أمام الرجال! غير مدركة – تلك الأحاديثُ – بأنّها تتعرّض “للإسلام” بذلك وليس لكتلة “إقرأ”! فالإسلام هو الذي حرّم الاختلاط وحرّم غناء المرأة وخضوعها بالقول[1] وتخلّعها أمام الرجال وليس كتلة “إقرأ”! ولا أدري ما معنى أن يهاجم هؤلاء قيمًا إسلامية ثابتة لمجرّد محاولة إشاعة الشبهات حول كتلة طلابية تتبنّى الإسلام مبدأ لها؟! وهل – أصلا – أعلنت كتلة “إقرأ” أن مشروعها وبرنامجها هو المناداة بتحريم الاختلاط ومنع غناء المرأة وتهتّكها أمام الرجال فحسب حتى يكون “نقد” هؤلاء “المفلسين” موجّه إلى تلك القيم الإسلامية؟ أعني: هل تلك الضوابط الإسلامية هي “جوهر” مشروع “إقرأ” الطلابي حتى يكون النقد موجّها إليها؟!

 .

    إنّ “إقرأ” تلتزم بتلك القيم من باب تبنيها للمبدأ الإسلامي ومشروعه الحضاري، بل هي تفخر بأنّها تأخذ الإسلام جملةً، لا أجزاءً وتفاريقَ تنتقيها وفق الأهواء والمصالح الدنيويّة! فلنا أن نتساءل مرة أخرى: ما الهدف الذي يريده أولئك “المفلسون” من وراء تلك الشبهات التي يثيرونها؟ أفإن كان نقدُ بعض القيم الأخلاقية الإسلامية بهذا التبجّح هو النقد “الجوهري” الذي تقدّمه تلك “النخب(!)” للناس تجاه “إقرأ”، غافلةً هي عن محاور مشروع “إقرأ” ومميّزاته العديدة، فلنا أن نطمئنّ إذًا بأنّها “أحاديث المفلسين”! ولنا أن نُعزّي أصحابها على هذه الحال البائسة التعيسة التي وصلوا إليها، راجين المولى عزّ وجلّ أن يغمرنا برحمته وتوفيقه، غير آبهين بما يثيره هؤلاء.. ولسان حال الواحد منّا يقول:

 .

ما أرخصَ المجدَ إذا زارني  **  ولم يكنْ لي معه موعدُ!

17.5.2011

حيفا

شريف محمد جابر

 .

(لنشر رابط المقال في الشبكات الاجتماعية “فيس بوك” أو “تويتر” أو غيرها يرجى الضغط على الأيقونات في الأسفل)


[1]  يزعم المفلسون أنّنا نقول: “صوت المرأة عورة”! وهي من المضحكات التي لو عرضتها على طفل يانع لاستخفّ بعقلك! فنحن لا نقول إن صوت المرأة عورة “إطلاقًا”، إنما – كما بينّا – خضوعُها بالقول وغناؤها وتميّعها وتنعّمها (كمقتضى مباشر للغناء) أمام الرجال هو الذي حرّمه الإسلام، وهو الذي لا نرضاه لنسائنا وفتياتنا! ولكن تلك هي مغالطاتهم.. مغالطات المفلسين!

أزمة العقل المسلم في الداخل الفلسطيني

(في الصورة: مسجد الجزار في مدينة عكا في الشمال الفلسطيني عام 1937)

.

أزمة العقل المسلم في الداخل الفلسطيني

 .

    تشكّلت العقلية المسلمة في الداخل الفلسطيني في ظروف صعبة وقاسية خاصة، لا أظنّها تخفى عن مسلم في الأرض، أو على الأقل عن المهتمين في الشأن الفلسطيني والإسلامي بشكل عام، وبخاصة المسلمين الواعين منهم، لأن المسلم الفاهم لدينه يدرك عمق القطيعة التي وقعت بين هذه العقلية المسلمة وبين المفاهيم الصحيحة النقية لدين الله عز وجل، القطيعة التي بدأت – كحال معظم المسلمين – منذ أن بدأ الانحراف يطرأ على حياتهم في المفاهيم والسلوك على السواء، ومنذ أن بدأ التأخر والانحطاط ينخر في جسد هذه الأمة، فكان العهد المملوكي بسوءاته، ثم العهد العثماني – الذي شمل فلسطين منذ القرن السادس عشر – انتكاسة تدريجية لهذه الأمة في مجال “فهم الإسلام” وتطبيقه الحضاري الشامل كما أنزله الله تعالى لتكون “خير أمة أخرجت للناس”. وكان أهل فلسطين المسلمون جزءًا من هذه الأمة سادته هذه الانتكاسة كما سادت غيره. ثم جاءت هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، وتمخّضت عن اقتطاع أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي وضمّها إلى الهيمنة الصليبية، وكانت “فلسطين” من نصيب دولة “بريطانيا العظمى”، فازداد الأمر سوءًا على سوئه الذي كان، وما لبثت أن أُهديت هذه الأرض المباركة إلى اليهود، وتمّ ذلك فعليا عام 1948، وهُجّر معظم أهل فلسطين من الأراضي التي احتلتها القوات اليهودية، بقيت بعدها فئة سكانية قليلة العدد من سكان البلاد الأصليين، ومنهم هذه الفئة المسلمة التي نحن بصدد الحديث عنها: “مسلمو الداخل الفلسطيني”.

 .

    كان من نصيب هذه الفئة المسلمة في بداية الأمر انقطاع عن العالم العربي والإسلامي، يُضاف إليه خلوّها من النخب العلمية والشرعية التي تستطيع التوجيه وبث الوعي الحقيقي، وقبل ذلك عمقُ الجهالة التي كان عليها مسلمو هذه البلاد في مفاهيم الإسلام الرئيسية، ثم تولّي قيادات عربية علمانية مراكز التوجيه لهذه الشريحة دمجا لها مع غيرها من سكان البلاد الأصليين من النصارى على وجه الخصوص، أدّت هذه الظروف والعوامل الجديدة مجتمعة – في ظلّ المؤسسة الإسرائيلية – إلى تفاقم الأزمة التي تعانيها هذه الفئة المسلمة فيما يتعلّق بتشكيل عقليّتها، تشكيلا إسلاميا مرجعيّته الكتاب والسنة وما بُنيَ عليهما بطرق الاجتهاد الشرعية.

.

    ولكن الله سبحانه هو مقدّر الأمور، وهو القادر على كل شيء، فبعث لهذه الأمة هذه الصحوة الإسلامية المباركة، التي بدأت جولتها الثانية في السبعينيات من القرن المنصرم، وكان لها تأثير طيّب في نشوء “الحركة الإسلامية” في الداخل الفلسطيني، تدعو الناس إلى العودة لدين الله عز وجل، وتسري في صفوف مسلمي الداخل فتعيد لهم ثقتهم بالإسلام، وتحثهم على الالتزام والتماسك الاجتماعي، وعلى حماية المقدسات الإسلامية وعمل الخير والاعتزاز بدين الله عز وجل.

 .

    واليوم، استقرّ حال هذه الشريحة المجتمعية المسلمة بأن تتجاذبها تيارات فاعلة شتى تموج في كيانها وتقودها إلى أهدافها.

.

    فها هو “الحزب الشيوعي الإسرائيلي” وربيبته “الجبهة الديمقراطية” يقودان قطعانا هائمة من المسلمين مع غيرهم من النصارى واليهود في تجمّع حزبيّ لا تنطبق الشرعية الإسلامية على أيّ جزئيّة فيه، بالإضافة إلى سقف طموحات يعمل من أجله لا يتعدّى أن يكون هو مشروع “الأسرلة” بعينه، فكأنّما شعار القوم هو: “أن تكون إسرائيليّا”!

.

    وها هو “التجمّع العربي الديمقراطي العلماني”، يقود قطعانا أخرى إلى ذات المصير في قوالب مختلفة من صيغ الكلام وديباج الشعارات! “دولة جميع مواطنيها”، أو دولة “المجتمع المدني” لا تعني شيئا سوى تلك المطالبة الفجّة بأن يتساوى “العرب” في إسرائيل مع اليهود في الحقوق، وباعتبار أنهم أقلية “عرقية”. فالتجمّع كذلك لا يمتلك أدنى شروط الشرعية الإسلامية ولا يحقق تطلعات المسلم ولا يقوده إلا إلى وبال عظيم.

 .

    وكذلك هو حال “حركة أبناء البلد” العلمانية، والجمعيات العلمانية المختلفة التي تبث الثقافة التغريبية في عقول مسلمي البلاد، وبخاصة الجمعيات النسوية[1] منها، التي تركّز على المرأة وتحاول إفسادها لتنشّئ جيلا من المسلمين مبتعدا عن دينه، نافرا عن قيمه.

 .

    هذا هو حال التجمّعات العلمانية التي لا تقود المسلمين – إن هم تابعوها – إلا إلى الخسران المبين، والفساد والتحلل في هذه الجاهلية العميّة. فلا يجوز لمسلم أن يتابعها ويعمل معها لأنه بذلك – أولا – يضفي الشرعية على كيانات مخالفة للشرع ومحاربة للدين، ولأنه – ثانيا – يكون قد أفسد دينه وأوشك أن يخسر آخرته بخسران الالتزام بقيم أساسية في دينه الحنيف، إذ لا يجوز إعطاء الولاء والتبعية لكيان جاهلي قائم على غير الإسلام، فكل ما عدا الإسلام والاعتصام به والدعوة إليه هو “جاهلية”، وقد يكون هذا الكلام مستغربا على بعض المسلمين من المتّبعين لهذه التجمّعات، إذ يدّعي العلمانيون أن مشاركة المسلمين لهم لا تعني فساد دينهم، بل هم قادرون على الالتزام بالإسلام والعمل مع تلك الجمعيات العلمانية، وهو وهم يكذبه واقع تلك الجماعات المخالف للشرع، وكذلك واقع الإسلام كدين يقرّر القيم الجماعية وينظّمها كما يقرّر القيم الفردية وينظّمها على السواء. وقد كتبتُ سابقا مقال “المسلم والأحزاب العلمانية” في بيان تهافت هذا الزعم، وحرمة الانتساب إلى هذه التجمعات العلمانية ومشاركتها أو متابعتها.

 .

    وفي المقابل هناك التجمّعات الإسلامية التي تمثّل الحاجز المنيع والحصن الآمن في مواجهة ما تبثّه تلك التجمّعات العلمانية في عقول المسلمين من سموم فتاكة تأكل فطرتهم السليمة وتتلفها. وأبرز هذه التجمّعات وأكبرها هو “الحركة الإسلامية”، فقد ساهمت – كما أسلفنا – في بث روح الالتزام بالإسلام بين صفوف المسلمين في هذه البلاد، وفي الحفاظ على الإنسان المسلم، وعلى المقدسات الإسلامية، والأخلاق الإسلامية. ولكنّنا – وفي صدد الحديث عن تشكل العقل المسلم – نفتقد بشدة المفاهيمَ الصحيحة لرفض القيم العلمانية.

 .

    إن التجمّعات العلمانية تعتمد – إلى جانب بثّ التحلّل الأخلاقي – على بثّ المفاهيم العلمانية وإفساد العقل المسلم بها، وقد ساعد على انتشار هذه المفاهيم بين المسلمين عوامل عدة أبرزها:

.

1)    أن هذه المفاهيم هي “إرث غربي مهيمن” يجد قبوله عند الأمم المستضعفة إن لم تكن تملك الحصانة الفكرية اللازمة، وغزوٌ فكريٌّ شامل يدخل إلى عقول المسلمين من خلال ما يتلقّونه يوميّا في الإعلام ومناهج التربية والتعليم وغيرها.

2)    أنّ لها في الجذور التاريخية للأمة تربة خصبة من المفاهيم المنحرفة عن الإسلام ساعدت في تقبلها والغفلة عن مخالفتها للشرع، أبرزها “الإرجاء”: الذي ترك أثرًا سيّئا على تصور كثير من المسلمين لحقيقة الإيمان، فقد ابتدع المرجئة القول بخروج الأعمال من حقيقة الإيمان؛ وعليه: بات يكتفي المسلم في الإيمان بتصديق وقول – على اختلاف بينهم – ومن ثم كثرت الأعمال التي لا تنسب إلى الإيمان (وهي تشمل الحياة كلها)، وبتعبير آخر: اتسعت المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها العصيان والتبديل والانحراف بأمان تاركًا الإيمان قابعا في زاوية ضيقة تسمى القول أو التصديق القلبي أو كليهما[2]، ممّا فتح المجال للقيم العلمانية أن تجد في هذه المساحة (الخالية من تفعيل مقتضيات الإسلام) ملعبا حرّا في ظلّ غياب التوجيه الإسلامي عنها. وكذلك الأمر في الإرث الصوفي الذي حرّف مفهوم العبادة وجعله مقصورا على الشعائر التعبّدية والذكر والانعزال عن واقع الحياة، وحرّف مفهوم القضاء والقدر فجعله تواكلا سلبيّا يعطل أهداف الحياة، وحرّف مفهوم الدنيا والآخرة فجعلهما ضدّين متنافرين لا لقاء بينهما! فطريق الآخرة ترك الدنيا، وخوض غمار الحياة الدنيا بمشكلاتها ومتاعبها ومغرياتها خطر على الدين في هذا التصور المنحرف! ومن ثم تُرك تنظيم الحياة الدنيا إلى “الفاسدين” ما دام “الصالحون” سينعزلون في دور العبادة والذكر وطلب العلم.. بل يتم الرضى بهذا الفساد حينها بدعوى “التسليم” بقضاء الله وقدره![3]

.

    ومن ثمّ – بعد اتضاح طبيعة التوجيه العلماني الفكرية وطبيعة الانحراف في المفاهيم عند المسلمين – لم يعد يكفي لمواجهة نشاط هذه المفاهيم العلمانية وحماية المسلمين منها مجرد الوعظ والإرشاد والحثّ على الالتزام وعمل الخير من دون تصحيح مفاهيم الإسلام الرئيسية المنبثقة عن “التوحيد” وإحيائها، وتشكيل العقلية الإسلامية بها، بالإضافة إلى إحياء مفاهيم رفض العلمانية ورفع الالتباس بينها وبين الإسلام. تلك حقيقة هامّة ينبغي أن نلتفت إليها، فرفض العلمانية وإن كان موجودا عند معظم الملتزمين من المسلمين، ولكن ثمّة فرق كبير بين مجرد الرفض، وبين الرفض المبني على مفاهيم عميقة واضحة عند المسلم، تجعله يميّز بين القيم العلمانية المرفوضة والقيم الإسلامية، ويستطيع مواجهتها بخطاب موضوعي علمي لا تصمد أمامه الجدليات الفارغة التي تمارسها الفئات العلمانية.

 .

    إن رفض العلمانية من دون امتلاك المفاهيم الإسلامية الصحيحة ومن دون امتلاك مفاهيم رفض العلمانية جعل الكثير من أبناء المسلمين يتبنّون قيما ومفاهيم علمانية من دون أن يشعروا أنها كذلك! إنهم يكرهون العلمانية، ولكن كرههم المجرد من المفاهيم الواضحة يجعل هذا الرفض رفضا سطحيا، يتوجّه بشكل مباشر إلى الأجسام والكيانات العلمانية بأعيانها، وإلى ممارساتها الواضحة البطلان بما شاع من توجيه وبيان شرعي، دون القدرة على دحضها وتفنيدها بقوة التأصيل العلمي والشرعي. بالإضافة إلى أنّ قيما كثيرة تجد طريقها – للأسف – إلى عقول المسلمين من دون أن يدركوا مرجعيتها العلمانية، وأنها تغريب لعقليتهم وخطر على دينهم وقيمهم!

 .

    إن مفاهيم الوطنية التي تجعل الولاء والانتماء منعقدا على الوطن، وتجعل عند المسلم مصدرية أخرى للقيم غير الإسلام مشتركة مع أبناء الوطن الواحد.. هذه المفاهيم المخالفة للإسلام[4] أليست موجودة عند الكثير من المسلمين؟!

 .

    وكذلك الأمر مع مفاهيم العلمانية الأخرى؛ مفاهيم الانتماء القومي، والهوية القومية[5] أو الوطنية، وإقصاء الدين عن السياسة وعن النشاطات الاجتماعية والفكرية والثقافية، وجعله مجرد علاقة بين العبد والربّ وأما قضايا الحياة فتترك للعقل البشري.. إلخ.. كلّ هذه المفاهيم تتسلّل إلى العقلية المسلمة بدرجات متفاوتة بسبب عدم وضوح المفاهيم الإسلامية وخفوت فاعليتها.

.

    علينا أن نكون صرحاء مع أنفسنا ونقول: إننا نحتاج إلى فهم الإسلام فهمًا شموليّا عميقا، ثم ممارسة هذا الفهم الشموليّ في التصوّر والسلوك. إذ ليس “الشمول” مجرد شعار نردّده ونتغنّى به وهو مجرد عن فاعليته في جوانب من حياتنا! إنّه لأمر يحزن القلب أن نرى الاستعلاء الذي يشعر به الشاب العلماني ظنّا منه أن المسلم الملتزم الذي يعتبر الإسلام نظام حياة شاملة هو شخص بسيط، لا يملك القدرة على النقاش الموضوعي العلمي، ولا يملك القدرة على الحوار المنضبط من دون أن يسفه ويشتم! فلا يكفي إلغاء الآخر من دون إقامة الحجة عليه، ومحاورته وبيان تهافت الفكر الذي يستند إليه.. ومن ناحية أخرى يحزن القلب أيضا أن نرى هذه الأنفس الشاردة عن جادة الحق من أبناء المسلمين تؤيّد وتتابع وتغذّي بطاقاتها تلك التجمّعات والأحزاب العلمانية. فنحن على يقين أن طريقها ضلال مبين.. وظلام دامس لن يبدّده إلا الضياء في طريق الله عز وجل: “وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله” (الأنعام: 153).

 .

    إن مواجهة العلمانية ورفضها واجب شرعي تنبع ضرورته من خطورة هذه المفاهيم وتسبّبها في إتلاف عقيدة المسلم وأصل دينه، فإذا كان الإسلام يعني الاستسلام المطلق لما أنزل الله في جميع نواحي الحياة، فإن العلمانية تريد قصر هذا الدين على العقيدة المستسرّة في الضمير والشعائر وبعض الأخلاقيات والفضائل الفردية، وتستأثر هي بما تبقّى من مجالات الحياة وشؤونها؛ من قضايا الهوية والانتماء والتجمع والسياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها.. إنها قضية تنقية طريقنا إلى الجنة من كل الشوائب التي تعيق المضيّ فيه.. وإنها قضيّة اتقاء الفتنة التي تصيبنا نحن إن تخلّفنا عن الدعوة والبيان: “وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (الأنفال: 25). وحتى لا نكون كالذين قيل فيهم: “كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ” (المائدة: 79).

 .

    ولمواجهة هذه العلمانية ومفاهيمها وقيمها.. ولعزل من يدعو إليها عن التأثير والتوجيه في الشريحة المسلمة في الداخل الفلسطيني نحن بحاجة إلى تصحيح بعض المفاهيم الرئيسية التي أفسدها ما شابَ العقلَ المسلمَ من لوثاتٍ رسبت عبر التاريخ القديم للأمة كالإرجاء والصوفية والاعتزال، ومن الغزو الفكري الذي أدخل العلمانية ومفاهيمها إلى عقول المسلمين:

.

    مفهوم التوحيد.. مفهوم الإيمان والإسلام.. مفهوم العبادة.. مفهوم سيادة الشريعة.. مفهوم الولاء والبراء.. مفهوم الدنيا والآخرة.. مفهوم القضاء والقدر.. الهوية الإسلامية وغيرها من المفاهيم.

.

    نحتاج إلى تصحيح المفاهيم بالإضافة إلى قوة الشعور الديني وحسن الصلة بالله عز وجل وتوقير رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ومتابعته، مع الوعي بالواقع وترسيخ القيم الإسلامية حتى تصير فعّالة ومؤثرة في حياة المسلمين.

 .

    ونحتاج إلى “رفع الالتباس” عن العلمانية، وبيان أنها لا تلتقي مع الإسلام لا من قريب ولا من بعيد، وإظهارها على حقيقتها بأنها “شرك” و “كفر” بالله عز وجل! وتعرية الرداء الزائف الذي تتستّر به التجمّعات المنادية بالعلمانية تحت شعارات شتى: المجتمع المدني.. المساواة.. مساواة المرأة بالرجل.. الانفتاح.. الولاء للوطن.. المواطنة.. القومية.. إلخ.. فالخلاف بينها وبين الإسلام خلاف عميق لا لقاء فيه! ولا يمكن التوفيق بينهما.. على اعتبار مضمون العلمانية الجاهلي.. وملابسات نشوئها المختلفة أشدّ الاختلاف عن ملابسات الأمة الإسلامية.

.

    وأحبّ أن أقول في الختام: إنها ليست قضية دعوة إلى مشاركة الحركة الإسلامية ومعاونتها بقدر ما هي قضية كل مسلم في الداخل الفلسطيني، بل في كل العالم! إنها مسؤولية شرعية منوطة بكل مسلم حتى لو لم يكن مشاركا ومتابعا للحركة الإسلامية أو غيرها من التجمعات الإسلامية.. لأن القضية الرئيسية لكل مسلم هي تجريد التوحيد لله عز وجل ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل مفهوم أو قيمة أو سلوك يحيد به عن تحقيق هذه القضية هو في حقيقته حياد عن الطريق إلى الجنة.. الطريق إلى الله..

 .

    وفي الحديث الذي رواه حذيفة بن اليمان: “كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في الجاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، صفهم لنا؟ فقال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك” (رواه البخاري).

 .

    واليوم ليس للمسلمين جماعة ولا إمام، والآيات والأحاديث الأخرى تدل على أن الواجب – إلى جانب اعتزال تلك الفرق المخالفة للإسلام – هو الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإصلاح ما أفسد الناس، فذلك ممّا كُلّفَ به كلّ مسلم عاقل وليس وظيفة خاصة بالحركات الإسلامية فحسب.. فالقضية قضية كل مسلم.. وليست قضية الحركة الإسلامية وحدها!

 .

3.5.2011

حيفا

شريف محمد جابر



[1]  معظم هذه الجمعيات تتلقى تمويلا من الخارج ومن جهات غربية، مما يستدعي النظر في أهدافها المعلنة الحقيقية.

[2]  من مبحث دور الأمة في مواجهة العلمانية للأستاذ محمد المصري (بتصرف).

[3]  يُرجى مراجعة كتاب “مفاهيم ينبغي أن تصحح” للاطلاع على المفهوم الإسلامي لها.

[4]  أنظر بحثنا حول الوطنية ورفضها بمفهومها المعاصر في هذا الرابط: http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-12401

[5]  يُرجى مراجعة مقال “حول الهوية الإسلامية” ومقال “اللغة الهجينة: أسباب الولادة وعوامل الإجهاض”.

.

(لنشر المقال عن طريق الشبكات الاجتماعية “فيس بوك” أو “تويتر” أو غيرها أرجو الضغط على الأيقونات في الأسفل)

الإسلام موقف..!

.

(حول الشعار في الصورة: هذا مراد العلمانيين.. أن لا يكون الإسلام فاعلا في قضايا الإنسان المصيرية.. وإنما يريدونه مجرد علاقة شخصية بين العبد والرب.. لا دخل لها بقضايا السياسة والهوية والانتماء والنهضة..  ومن ثمّ تبقى أهم القضايا موكولة لعقول البشر.. أي “للعلمانيين”!)

.

الإسلام موقف!

.

(من سلسلة: أن تكون مسلما في أيامنا)

 .

    العلمانيون من جهة، والجهلة من أبناء المسلمين من جهة أخرى، يتفقون على مغالطة كبيرة تمسّ أصلا من أصول الدين، ينبغي لكل مسلم أن يكون واعيا لها، عالما بالمفهوم الصحيح لموضوعها، مدركا لمقتضى ضبطه على الوجه الصحيح، وللآثار السيئة الناتجة عن تحريفه من قِبل أولئك العلمانيين أو جهلة المسلمين على السواء.

    هذه المغالطة هي قولهم بأن الدين – كل دين – هو أمر وراثي، لا يختاره المرء، لأنه يولد على دين أبويه جبرا لا اختيارا. ويكفي في الردّ على هذا القول التذكيرُ بأن هناك ما يقارب خمسة آلاف بريطاني يدخلون في الإسلام – طواعية واختيارا – كل عام! وقد ولدوا إما على النصرانية أو على الإلحاد! فالأمر إذن ليس وراثيّا، وليس جبريا كما يدّعون.

    بيدَ أنّي أحببتُ في مقالي هذا أن أبيّن أمرا ربّما غاب – للأسف – عن أذهان الكثيرين ممّن ولدوا بأسماء إسلامية، ولأبوين مسلمين! وهو أن الإسلام قضية اختيارية بالدرجة الأولى، فهو إلى جانب كونه “دين الفطرة” لا يجوز الإيمان به دون علم وبرهان، حتى لو كان أبسط البراهين كما عند البسطاء من بدو البادية، فكلّ وفق مستواه الفكري، ولكن الشرط أن يكون اعتناقه للإسلام مبنيّا على برهان علمي وقناعة عقلية، لا بمجرّد التقليد للآباء أو الهوى والظن، وحشدٌ هائل من آيات كتاب الله العزيز يقرّ هذه الحقيقة المطلقة، فلنا أن نحيا مع معاني كتاب الله، فقد أنزله الله ليكون هاديا لنا، لا مجرّد ترتيل يُتلى، أو تعويذة توضع في العربات والبيوت!:

    في ذمّ من اتبع المألوف والموروث والظن دون تمحيص العقل والعلم:

    “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ” (البقرة: 170).

    “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ” (لقمان: 21).

    “وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ” (الأنعام: 116).

    “إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى” (النجم: 23)

    “وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا” (النجم: 28).

    فإذا كان الله – سبحانه – يذمّ الكفار على اتباعهم لدينهم بمجرد التقليد لما ورثوه وألفوه من الآباء، وينسب اتباعهم هذا إلى “الجهل” (لا يعقلون) و“الضلال” (لا يهتدون، يضلّوك عن سبيل الله) و“الظنّ” و“الخرص” و“الهوى”، فهل يمكن أن يكون دينه المنزل دون براهين علمية وموضوعية ينفي بها الجهل والهوى والظن والخرص والضلال عن أن تنسب إليه؟! وهل يمكن بعد هذا البيان أن نقول: إننا مسلمون لأنّنا ولدنا مسلمين؟! وبأن الدين أمر “وراثي”، والإيمان “لا يوجد دليل علمي عليه”! هل يُعقل هذا في دين الله؟! كلاّ والله! بل نزيد في البيان، ونستفيض في البلاغ، حتى يستقرّ الحق في تلك النفوس!:

    يصف الله سبحانه وتعالى دينه بالـ “علم”، ويذمّ اتباع الهوى دون علم:

    “وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ” (البقرة: 120).

    ويذمّ – سبحانه – الذين يجادلون بدون دليل علمي:

    “ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير” (الحج: 8).

    ويحرّم البتّ في أمر دون علم به:

    “ولا تقفُ ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا” (الإسراء: 36).

    ويطالب الكفارَ – أصحابَ المعتقدات الفاسدة – أن يأتوه بعلم أو برهان على ما يقولون:

    “نبئوني بعلم إن كنتم صادقين” (الأنعام: 143).

    “قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا” (الأنعام: 148).

    “أإله مع الله؟ قل هاتو برهانكم إن كنتم صادقين” (النمل: 64).

    ويذمّ – سبحانه – اتباع الظنّ والأهواء والخرص دون دليل علمي:

    “ما لهم به من علم إلا اتباع الظنّ” (النساء: 157).

    “بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم” (الروم: 29).

    “ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون” (الزخرف: 20).

    “وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنّون” (الجاثية: 24).

    وبعد هذا البيان من كتاب الله العزيز لا يكون للقارئ المنصف إلا التسليم بتلك الحقيقة؛ أن دين الإسلام لا يقبل من المسلم إيمانا مبنيّا على الظن والتقليد للموروث دون دليل علميّ، وأنّ كون التوحيد شيئًا مكنونًا في الفطرة ليس دليلا على جبريّته، بل إن هذا – خلافا لذلك – عاملٌ رئيسيٌّ في سلامة الاختيار، إذ تدفع الفطرةُ الإنسانَ إلى اختيار الدين الحق المنزّل من عند خالق الفطرة، فحينها يكون الاطمئنان الناتج عن توافق المنهج مع الفطرة، إذ كلاهما من مصدر واحد، فيكون التلاقي الفطريّ بين حقائق ثلاث: “الكون العابد لله” و”الفطرة السليمة” و”المنهج الرباني”، التلاقي الذي يؤكّد سلامة الاختيار بعد أن تناسقت تلك الحقائق الثلاث. وحقيقة كون الإيمان (بمعنى الهداية) من عند الله ولا يحصل بمجرد العلم والتصديق لا تنفي قيام هذا الإيمان على أساس علميّ يقينيّ، لا مجال للتشكيك به. فقد ثبت إذًا أن دين الله عزّ وجلّ ليس موروثا يتلقّاه الأبناء دون تمحيص العقل وأدوات العلم الموضوعية، ولإن كانت بعض خلائف المسلمين اليوم ترثُ دين الله كما كانت يهودُ ترثُ الكتاب دون علم ولا قناعة واختيار فهذا الوضع ليس حجّة على الإسلام، إنما الإسلام بنصوصه الحاسمة المحكمة حجّة على هؤلاء!

    ومن هذا المنطلق نقول إن دين الله عزّ وجل “موقف”، نعم.. الإسلام موقف! موقف اختياريّ من قبل الإنسان المسلم، يتجلّى – أولا – في إفراد الله تعالى بالعبادة مع البراءة من الشرك، ثم ما ينبثق عن هذه الحقيقة الاختيارية من “أقوال” و”أفكار” و”أعمال”، فكان الإيمان كما عبّرت عنه الأجيال الأولى من المسلمين: قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل الجوارح. إنّه موقف يبدأ من إيمان الإنسان بحقيقة وجود الله ووحدانيته، وبأنّه “الربّ”، أي: المربّي بالنعم. ثم ما تقتضيه هذه الحقيقة من إفراده – سبحانه – بالعبادة.

    فالمسلم قد وحّد الربّ بذاته وصفاته وأفعاله، وهو توحيد الربوبية، أو التوحيد الخبري. ثم عبده بتوجيه شعائر التعبّد له وحده، وتحكيم شريعته في حياته كلها، وولائه له وتولّيه المؤمنينَ وبراءته من الكافرين، وهو توحيد العبادة، أو توحيد الألوهية. ثمّ عمل بالتكاليف الشرعية، وتخلّق بأخلاق الإسلام.

    هذه بمجموعها هي الإسلام، وهي مواقف كلها تنبثق عن الموقف الأكبر وهو “الإسلام”، بمعنى: الاستسلام التام لله. فهو استسلام وخضوع اختياري لله عز وجل، بعد أن أدرك أنّه الحق، وأن عبادته – تعالى – هي غاية وجوده الإنساني: “وما خلقتُ الجنّ والإنسَ إلا ليعبدون” (الذاريات: 56)، وأن طريقة تحقيق هذه الغاية تكون باتباع ما أنزل الله: “اتبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتّبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكّرون” (الأعراف: 3). وليس هناك موقف أضخم وأعظم من الإسلام، فبه تتعلق أضخم حقيقة واقعية بالنسبة لكل إنسان، وهي مكانته في الآخرة، التي هي الحياة الحقيقية الجديرة بالاهتمام وما الدنيا إلا طريق لها محفوف بالابتلاءات: “وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ” (العنكبوت: 64). فالآخرة إذن أثقل واقع في حسّ المسلم، ومن الجدير بالاهتمام أن هذا الكمّ الهائل من الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر في كتاب الله لم يرد – حاشا لله – اعتباطا، إنما حتى يكون المسلم في تذكّر دائم لهذه الحقيقة العظيمة، وإنّه ليراها في كتاب الله أحيانا – حين يحيا به أثناء تلاوته – أقربَ إليه من دنياه التي يعيشها.. بل يكاد يشعر حين يعيش تلك الآيات أن الدنيا شيء مضى.. وأن الدار الآخرة هي الواقع الآنيّ المعاش!

    ألا يكون مجرما – شديد الإجرام – هذا الإنسان الذي يتنكّب عن طاعة الله؟ أو ذلك الذي لا يُعمل عقلَه ويفّكر في غاية حياته وما قبلها وما بعدها؟ أليس هذا التعطيل للتفكير في أهمّ قضايا الوجود الإنساني “موقفًا” يجب أن يؤخذ بالحسبان حين نقيّم البشر؟ نعم، تعطيل التفكير بأهم قضايا الإنسان موقف، ورفض عبادة الله موقف، ومن خلال تلك المواقف الكبرى يقيّم المسلم “الأشخاص” (المقصود: “كيانهم الاختياري” الذي هو: “الأفكار” و“الأعمال”)، بمدى ارتباط هذا الكيان بالحقيقة الكبرى (الإسلام) وانبثاقه عنها، ومدى موافقته لمقتضياتها، وهذا هو محكّ القضية.

    قضية “الإسلام موقف” ستجعلنا نحمل معيارا دقيقا لقياس الكثير من المسائل التي تعرض لنا في حياتنا، منها ما يتعلق بالانتماء والهوية، ومنها ما يتعلق بموقفنا من الأشخاص وتقييمنا لهم.

    حين يقول المسلم الجاهل بدينه: “إن جيفارا رجل صاحب مواقف بطولية رائعة، بغض النظر عن دينه!” أيكون قد فهم أن الإسلام موقف، وأن الكفر موقف، والشيوعية موقف، وأنّ مدح مواقف معيّنة لرجل كافر فيه تزيين لأعمال لا تحمل أدنى شروط الشرعية في الإسلام! فلا يرضاها الله لأنها لم تكن خالصة لوجهه ولا مبنية على أساس اعتقادي صحيح، ولم تكن موافقة للكتاب والسنة، فهذان هما شرطا قبول العمل؛ أن يكون خالصا صوابا، وإذا افتقد العمل الإخلاص لله وحده فلن يُقبل حتى لو كان صحيحا على الكتاب والسنة، فكيف نصف أعمال رجل كافر ملحد لا يؤمن بآيات الله بأنها إيجابية أو نشيد بها ونمدح الرجل بسببها؟!


    يقول تعالى في سورة الكهف: “قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا” (الكهف: 103 – 105).

    ويقول: “وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ” (الأعراف: 147).

    ويقول: “وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا” (الفرقان: 23).

    ويقول في سورة الزمر: “وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (الزمر: 65).


    أيكون هذا المسلم قد فهم أنه يُثني على مواقف كفر وضلال؟! حبطتْ عند الله وجُعلتْ هباء منثورا! فضلا عن إغفاله لذكر “أبطال” مسلمين معاصرين ينبغي أن يعتزّ بهم، ويثني على مواقفهم في جهاد الباطل ورفع راية الحق بدلا من الثناء على ” تشي جيفارا”!

    وحين يقول المسلم الجاهل بدينه: “إن النصارى المسالمين لنا هم إخواننا في الوطن، وإننا وإياهم سواء، ولا فرق بيننا، فهم أهل كتاب، ونحن مسلمون”! هل يكون هذا المسلم قد فهم أن “الإسلام موقف”؟ وأن النصراني هذا مرتكب لجريمة كبرى حين عطّل التفكير للوصول إلى الحق في أهم قضية في الوجود (عبادة الله) أو تنكّر للحق وجحده ورفض اتباعه.. أيكون المسلم قد أدرك ذلك؟! أم إنه لا يدرك أن معاملة النصراني هذا بالحسنى ومشاركته في بعض القضايا لا تعني المساواة بينه وبين المسلم العابد لله، ولا تعني وحدة الهوية والانتماء معه! فبيان حقيقة النظرة إليه من قبل المسلمين شيء ضروريّ حتّى يُدركَ عظم الجريمة التي يرتكبها في رفض طاعة الله والإسلام له! وإلا كنّا – برضانا عنه ومساواته مع المسلم – صادّين عن سبيل الله، فما الذي سيدفعه – من قبل المسلم – إلى البحث عن الحق والإقبال عليه ما دام المسلمون يعتبرونه مثلهم تماما؟! وحتى لا يُفهم الكلام أنه دعوة إلى العنف مع النصارى أو إلى منابذتهم وشتمهم وتعنيفهم أورد كلاما لي كنتُ قد كتبتُه في مقال سابق دفعا لشبهة “الطائفية” التي يهوى العلمانيون قذف الآخر بها!:

    “وأما الآخرون الذي رفضوا عبادة الله عن طريق المنهج الذي ارتضاه لكل البشر (الإسلام)، فالمسلم يتعامل معهم بأخلاق دينه الحنيف، فيشعر بالرحمة تجاههم اقتداءً بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: “وما أرسلناكَ إلا رحمة للعالمين” (الأنبياء: 107). ويعاملهم بالبر والعدل طالما كانوا مسالمين ولم يكيدوا له ويحاربوه في عرضه ودينه: “لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الممتحنة:  8). هذا بالنسبة للتعامل، أما بالنسبة للانتماء فهم قد رفضوا الانتماء إلى الله بعبادته وحده، لأنهم رفضوا اتباع منهجه للحياة، فالمسلم أمام حقيقة موضوعية تتمثّل في رفض هؤلاء الانتماء إلى ما ينتمي إليه فكيف ينتمي إليهم؟! إنهم في حسّه مرتكبون لجريمة كبرى، وأية جريمة أكبر من التنكّب عن طاعة الله عزّ وجل الخالق الكريم المنعم المتفضّل على البشر بنعمة الخلق والإيجاد والرعاية؟! “وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون” (الأنعام: 124).  إنها الغاية العظمى للبشر في تلك الحياة، أي إنها أخطر قضية في الوجود وأهم قضية! وكما تُقيَّم الجريمة في عرف القانون بحسب خطرها وعظم أمرها، فإن الجريمة الكبرى التي يمكن أن يرتكبها بشر على الإطلاق هي رفض طاعة الله والاستكبار عن اتباع رسله، وهي المسماة في الشرع: “الكفر”. والنظرة الموضوعية لمدلول كلمة “الكفر”، هذه النظرة المتجاوزة لمجرد الفزع من وقع جَرْسها كفيلةٌ بتصور قضية الكفر دون إنشاء الخوف والاضطراب والتوجّس في النفس. فاعتباري غير المسلم “كافرًا” لا يعني أنني سأشتمه أو أعنّفه أو أسيء إليه! إنما هو موقف “شعوري” أتّخِذه (ومن حقّي) – كمسلم عابد لله عزّ وجل – تجاه من استكبر عن عبادة الله ورفض اتباع رسوله، باعتبار أن ذلك هو غاية وجوده الإنساني! وأما التعامل فكما بيّنتُ يكون بالأخلاق الإسلامية، وبالبر والقسط، وبشعور الرحمة تجاه جميع البشر! والمسلم بعد ذلك يدعو هؤلاء إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، يدعوهم إلى الانتماء إلى الله عن طريق عبادته وحده دون شريك من الأهواء أو الأصنام أو المعتقدات الفاسدة، يدعوهم بشعور الرحمة والإشفاق من تبديد هذا الكيان الإنساني الكريم – وهو قادر “مخيّر” في أن يكون كريمًا مرتفعًا – إلى عبادة الله وحده بالمنهج الذي ارتضاه للبشر.. بهذا الشعور النبيل يتوجه المسلم إلى غير المسلمين، بحيوية وإشراق، وبشعور الرحمة والعطف، ولسان حاله يقول: “إنتماؤكَ إلى الله ارتفاعٌ إليه”! فأيّة رفعة وأيّ سموق وأيّة كرامة تلك التي يمتلكها المسلم بين جنبيه ويريد للبشرية – بشعور الشفقة والعطف – أن تمتلكها هي أيضًا!”. (حول الهوية الإسلامية؛ من سلسلة: أن تكون مسلما في أيامنا، بتصرّف).

    العلمانيون اللّبراليّون اليومَ يريدون تحريفَ هذه القضيّة، بدعوى “عدم الأدلجة” حينا (من كلمة “أيديولوجية”)، وبدعوى “نسبية الحقائق” حينا آخر. فأما رغبتهم في تحييد “الأيديولوجية” فهي تكمن في أن النقاش الموضوعي محسوم فيها لصالح الإسلام، لأنه المبدأ الوحيد المنزّه عن الخطأ، والذي ترشد إليه كل الحقائق الفطرية والكونية صارخة بأحقّيّته! وأما قولهم بنسبية الحقائق فهو راجع لرغبتهم في إخفاء الأرضية الثابتة من “المشترك الإنساني”، لتكون الأمور كلها “مائعة” بعد ذلك، لا يمكن الجزم بصحّتها كما لا يمكن الجزم ببطلانها! فتضيع الطاسة بضياع “المشترك الإنساني” الذي يشكّلُ بديهياتٍ وأدواتٍ تتفق عليها العقول السليمة (بغضّ النظر عن دين أصحابها) تصلحُ أن تكون أرضية خصبة للنقاش الموضوعي الموصل إلى الحق.. بيدَ أنهم لا يريدون هذا الحق! “يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون * هوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ” (الصف: 8 – 9).

    ولو كره العلمانيون.. ولو كره العلمانيون.. ولو كره العلمانيون!

__________________________________________

 لقراءة مقال “الحقيقة الإلهية” في موضوع “حقيقة وجود الله ووحدانيته” كنموذج للأدلة العقلية على عقيدة الإسلام أرجو الضغط: هنـا

.

19.4.2011

عكا

شريف محمد جابر

.

آخر تعديل: 20.4.2011

.

(لنشر المقال عن طريق الشبكات الاجتماعية “فيس بوك” أو “تويتر” أو غيرها أرجو الضغط على الأيقونات في الأسفل)

لماذا نرفض الوطنية؟

 

.

(العلم الفلسطيني، أحد شعارات التعصّب الوطني، صمّمه المشارك في هدم الدولة الإسلامية المدعو الشريف حسين بن علي، أُعلنُ كمسلم براءتي من هذا العلم!)

.

لماذا نرفض الوطنية؟

.

(من سلسلة: أن تكون مسلما في أيامنا)

.

سيعجب من هذا العنوان بعض الناس.. وسيستنكره كثيرون!

أترفضُ محبة أرضك؟! ترفض الدفاع عنها؟! ترفض أن يكون لك وطن؟! تتنكّر لأرضك التي نشأتَ فيها وأكلت وشربتَ من خيراتها؟!

إذًا.. فأنت خائن! تقبل الاحتلال! وتقبل التبعية والانبطاح أمام المتربصين للوطن والعاملين على تفكيكه واجتزائه في كل مكان!

كلا! فأنا أقبلُ كل ما زعمتم لي رفضَه والتنكّر منه! وأرفض كلّ ما زعمتم لي قبوله من خيانة وتبعية وانبطاح!

ولكنّني أكرر: أرفض الوطنية.. أرفض تبني هذا المذهب الدخيل على الأمة الإسلامية، لِما يحملُ من مخالفة لدين الله وشَوْبٍ لصفاء التوحيد أولا، ولأنه ناشئ في بيئة وظروف وملابسات ليستْ هي بيئة الأمة الإسلامية ولا ظروفها ولا ملابساتها! فكان تبنيه والتغنّي به أشبه بتقليد القرود! وأقرب إلى التبعية والانهزام النفسي.. وكلاهما معوّق عن نهوض هذه الأمة.

.

استنكار المألوف أمر صعب:

.

إن من أصعب الأشياء وأثقلها على النفس استنكار المألوفات التي عاشها الإنسان وحسبها – لطول العهد عبر الأجيال – من “المسلمّات” أو”البديهيّات” التي لا ينبغي مناقشتها فضلا عن استنكارها! والقرآن الكريم علّمنا أن نزن كلّ واقع بميزان الشرع، فما قبله الشرع نقبله، وما رفضه نرفضه ونضرب به عرض الحائط حتى لو كان هذا الواقع ممتدة جذوره إلى الآباء والأجداد.. حتى لو استنكره كل المجتمع وكل الناس.. وعلمنا القرآن كذلك عدم اتباع الظنّ والموروث دون تمحيص العقل وأدوات العلم والموضوعية في هذا الظن والموروث، ولنا هذه الجولة مع القرآن الكريم نستمدّ منها تلك المعاني العظيمة:

في ذمّ مخالفة الشرع واتباع ما سواه:

“اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ” (الأعراف: 3).

في ذمّ من اتبع المألوف والموروث والظن دون تمحيص العقل والعلم:

“وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ” (البقرة: 170).

“وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ” (لقمان: 21).

“وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ” (الأنعام: 116).

“إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى” (النجم: 23).

“وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا” (النجم: 28).

وكثيرة هي الآيات والأحاديث في هذه المعاني. ولكنني أحببتُ أن أربّت برفق على كتفَيْ المفجوع من هذا العنوان، وأقول له: حسبك.. اهدأ.. ولا تجعل عواطفك ولا أهواءك ولا مألوفاتك وموروثاتك هي الغالبة، بل اجعل ميزان الشرع والعقل هو “المعيار” في قبول تلك النزعة أو رفضها.

.

معاني الوطنية عند عامة المسلمين.. هل الإسلام يفتقر إليها؟

.

وقبل أن ندخل في عرض نشأة “الوطنية” ومعانيها التي صاحبت ولازمت تلك النشأة وما تقتضيه من قيم.. قبل ذلك كلّه نحبّ أن نلقي بنظرة إلى المعنى المألوف عند العامة من مصطلح “الوطنية”، فماذا يعني هذا المصطلح عندهم؟

إنه يعني بكل بساطة أن تحبّ أرضك وبلادك، أن تدافع عنها، أن لا تخونها وتتعاون مع المعتدي عليها، أن تعمل على إنهاضها ورفعتها، وعلى خير الساكنين فيها، وأن تنتمي وتهتم وتعمل للقضايا المتعلقة فيها.. ويتوسّع الناس في معاني الوطنية، كلٌّ كيفما شاء دون ضابط إلا الذوق والرأي الخاص! وكأنّ المسألة هي موضوع للإنشاء في الصف الثالث الابتدائيّ!

الوطنية إذًا تقتضي هذه المعاني بشكل أساسي (في حسّ الناس)، فأن تكون “وطنيًّا” يعني أن تحبّ أرضك ووطنك الذي نشأتَ أو ولدتَ فيه، وأن تدافع عنه، وأن تعمل لخيره ونهضته ورفعته ولخير الساكنين فيه ونهضتهم ورفعتهم، وأن تهتم بقضايا هذا الوطن وتدافع عنها.

وهنا تكمن المشكلة.. لأن الوطنية كفكرة ورابطة لا تحتوي على “المعايير” أو “القيم” أو “الضوابط” التي تحدد كل ذلك، فما هي بالضبط؟ وما مرجعيتها المعيارية التي تضبط ما هو “وطنيّ” وما هو “ليس بوطنيّ”؟ إنها معايير وضعها البشر لها وتعارفوا عليها عبر العقود.. والله سبحانه وتعالى نهى عن التحاكم إلى عقول البشر في شؤون تحديد القيم والمعايير والتشريع للناس، وسمى ذلك عبادة للطاغوت (وهو كل ما يُعبد من دون الله، أي يُطاع من دونه سبحانه)، وجعله محكًّا للإيمان، وأمر بالرجوع إلى الشرع فيما تختلف فيه الأهواء وآراء الناس.. ولنا جولة أخرى مع كتاب الله تعالى نستمدّ منها تلك المعاني، فهو دليلنا ومرشدنا ونورنا الذي نهتدي به في الظلمات:

“أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا” (النساء: 60).

“كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” (البقرة: 213).

“اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ” (التوبة: 31).

وفي تفسير هذه الآية نورد هذا الحديث النبوي:

قدم [عدي بن حاتم] على النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية: “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون”. قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه، قال: قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم. (الراوي: عدي بن حاتم الطائي، المحدث: ابن تيمية، المصدر: حقيقة الإسلام والإيمان، الصفحة أو الرقم: 111، خلاصة حكم المحدث: حسن).

ويقول الإمام الشعراوي – رحمه الله – في معرض تفسيره للآية: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا…” (البقرة: 143).

يقول: “الله سبحانه يريد من المؤمنين أن يعيشوا مادية الحياة بقيم السماء.. وهذه وسطية الإسلام، لم يأخذ الروح وحدها ولا المادة وحدها.. وإنما أوجد مادية الحياة محروسة بقيم السماء.. فحين يخبرنا الله سبحانه أنه سيجعلنا أمة وسطا تجمع خير الطرفين نعرف أن الدين جاء ليعصم البشر من أهواء البشر.

“الله تبارك وتعالى يريدنا أن نبحث في ماديات الكون بما يخلق التقدم والرفاهية والقوة للبشرية.. فما هو مادي معملي لا يختلف البشر فيه.. لكن ما يدخل فيه أهواء البشر ستضع السماء لكم قانونه.. فإذا عشتم بالأهواء ستشقون. وإذا عشتم بنظريات السماء ستسعدون”. (المصدر: خواطر محمد متولي الشعراوي).

وبالعودة إلى الإسلام، نجد أنه – في نصوصه الشرعية المحكمة – قد وجّه إلى بعض تلك القيم: كالإحساس بالوشيجة بينه وبين الأرض، غير أنه جعل هذا الإحساس مرتبطًا بالكون كله وليس في أرض محصورة بحدودٍ ما أنزل الله بها من سلطان! الوشيجة النابعة أصلا من أن هذا الكون عابد لله.. يحس الإنسان بالتوافق والتناسق معه حين يكون عابدا لله، ويمشي في جنباته يعرف عظمة الله، ويحمي خيراته ومقدراته وثرواته عبادة لله وحده، لا لمصلحة وطنية تقتصر على تنمية وطن واحد وتتعصّب له في جاهلية مقيتة! والإسلام كذلك يوجّهنا إلى الاهتمام بقضايا المسلمين كلهم وليس فقط بأبناء الوطن الواحد! فهو لا يعترف بهذه الحدود الوطنية المصطنعة المفرقّة للأمة والمشتّتة لوحدتها، فمفهوم الأمة المسلمة الفسيح الواسع يغلب عنده على مفهوم الوطن الضيق المتعصّب! ولنا جولة ثالثة مع كتاب الله وهَدْي نبيّه – صلى الله عليه وسلم – نستمدّ منها تلك المعاني:

“ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ” (فصلت: 11).

فههنا يحسّ المسلم بتلك الوشيجة الكبرى مع هذا الكون العابد لله.. حين يرى مظاهر قدرة الله وتدبيره لمختلف ظواهر الطبيعة من حوله، سواء كانت جبال الهملايا، أو غابات الأمازون، أو بحيرات إفريقية، أو سهول أمريكا الشمالية، أو أنهار أوروبا.. فكلّها من خلق الله.. ومن ثمّ فكلّها طائعٌ لله وأثر من آثار قدرته.

“هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ” (الملك: 15).

“هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (البقرة: 29).

“هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” (هود: 61).

وفي تحديد رابطة العقيدة في الله كرابطة وحيدة يتجمّع حولها الناس، لا المصالح الأرضية ولا القوم ولا الأهل يقول تعالى:

“قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (التوبة: 24)

فانظر كيف وضع الله – سبحانه – الأواصر القومية والمصالح الاقتصادية والوطن في كفة، والعقيدة الصحيحة في الله في كفة أخرى!

ثم إنّه لا شرعية في الإسلام لتجمّع على غير الكتاب والسنة:

“وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ” (آل عمران: 103).

وجعل الله – سبحانه – عقد الولاء منعقدا على “الإيمان” لا شيء سواه من وطن أو جنس أو مصالح مشتركة، وإلا فلا شرعية لهذا الولاء!:

“وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” (التوبة: 71).

ومفهوم “الأمة” في الإسلام لا ينحصر بالمجموعة من البشر تعيش على أرض مشتركة وتجمعها مصالح مشتركة وتستخدم لغة مشتركة، ففي الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ورد: “بسم الله الرحمن الرحيم  هذا كتاب من محمد النبي الأمي، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس”، وجاء فيه أيضا: وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس. (السيرة النبوية لابن كثير 2/321 السيرة النبوية لابن كثير 2/321). فالمحكّ هو “الإيمان” للدخول في مسمى الأمة الواحدة.

وبعدُ.. فوطن المسلم الحقيقي الدائم هو الجنة، وما التعلّق بالأوطان واعتبارها روابط أبدية إلا خبل يصاب به من بعد عن منهج الله تعالى، فالمقام في هذه الأرض ليس أبديًّا، إنما هي دار ممر، ومتاع إلى حين:

“فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ” (البقرة: 36).

وخلاصة القول في هذا المقام أن المعاني التي يزعمها العامّة للوطنية وأنها من مقتضياتها، هذه المعاني منها ما يتقاطع مع ما يقتضيه الإسلام ومنها ما يتعارض معه، فما يتقاطع معه نسميه باسمه؛ أنه من مقتضيات “الإسلام” وليس من مقتضيات “الوطنية”، لأننا أمرنا باتباع الشرع وأخذ القيم منه، لا باتباع المذاهب الدخيلة على عقولنا! وما يخالف الإسلام من مقتضيات الوطنية نضرب به عرض الحائط، لأنه بعد عن منهج الله، ولوثة تشوب عقيدة التوحيد والولاء، وبناء على ذلك فحين نقول في خطاباتنا جملة مثل: “نحافظ على الثوابت الإسلامية والوطنية” نكون قد دخلنا في مغالطة عميقة، لأنه ليس ثمة ثوابت غير “الثوابت الإسلامية”، فكل ما يمكن نسبه للوطنية مما لا يخالف الإسلام من قيمٍ موجودٌ في الإسلام، ومنبثق منه، وأحد مقتضياته، ولا يجوز اللجوء إلى مصدر آخر نستمدّ منه القيم والمعايير. وأما إن كان في الثوابت الوطنية ما يخالف الإسلام، من إعلاء للرابطة الوطنية على الرابطة الإسلامية، ومن عقد الولاء بين أبناء الوطن الواحد والمساواة بينهم دون التفريق بين المسلم والكافر منهم.. أما إن كان ذلك فيها فهي باطلة شرعا، وتحرم الدعوة إليها.

.

ملابسات نشأة الوطنية في أوروبا:

.

الدراسة العميقة لأحوال أوروبا منذ دخول المسيحية إليها حتى عصور انفصال الملوك والكنائس عن الكنيسة الأم.. هذه الدراسة تظهر لنا الظروف والملابسات التي نشأت فيها الوطنيات أو القوميات في أوروبا، ولا بد لنا من إلمامه سريعة بالأسباب التي أدّت لنشوء الوطنيات هناك، حتى نسأل أنفسنا بعد ذلك: هل كان حتما علينا أن نخطو نفس الخطوات ونحن لم نمرّ بتلك الظروف ولم تكن عندنا تلك الأسباب؟

السبب الأول الذي شجّع على قابلية الانفصال عن الكنيسة في أوروبا هو أن الدين الذي فُرِضَ على أوروبا في عهد الإمبراطور قسطنطين عام 325 م لم يكن في صورته الكاملة، إنما كان عقيدة مفصولة عن الشريعة، فلم تكن طبيعة التجمع المسيحي في أوروبا كطبيعة التجمع الإسلامي، فلا يستوي دين متكامل شامل يحكم العقيدة في الضمير والواقع في الحياة، ودين ممسوخ يضمر في الوجدان ويحكم بعض السلوك الفردي ولكنّه يعجز عن حكم الواقع الكبير للناس! بل كان الواقع العملي للناس تحكمه أهواء الأباطرة والقوانين الرومانية.

السبب الآخر هو أن العقيدة النصرانية تفرعت إلى مذاهب شتى تختلف في الأصول لا في الفروع كما هو الحال في الإسلام، فلم يساعد ذلك على الإحساس بالوحدة الشاملة عند النصارى في أوروبا، لأنهم يعلمون بوجود قطاعات أخرى في أماكن أخرى تختلف مع الكنيسة الكاثوليكية في الأصول لا مجرد الفروع.

وسبب ثالث إذا أضفناه لهذين السببين اكتملت عندنا الصورة التي تبيّن لنا لماذا لم يرتقِ التجمّع النصراني في أوروبا في ظلّ الكنيسة حتى يكوّن “أمة” واحدة على الشكل الذي قام في العالم الإسلامي لقرون طويلة. وهو أن اللاتينية لغة الكتاب المقدس لم تكن لغة التحدث عند الشعوب في الإمبراطورية الرومانية، إنما كانت لغة “رسمية” يتحدث بها المثقفون ورجال الدين فحسب، وكانت للشعوب لغاتها المختلفة. وبذلك تكون الإمبراطورية المسيحية قد افتقرت لعناصر ثلاثة تواجدت عند الأمة الإسلامية حتى تكون أمة واحدة متناسقة، فالإسلام لم يكن عقيدة منفصلة عن الشريعة، ولم تنشأ تلك الخلافات في أصول العقيدة التي تمزّق الوحدة، وكانت لغة الإسلام لفترة طويلة من الوقت لغة واحدة هي لغة القرآن.

كان طغيان الكنيسة عاملا أساسيا في تفكّك الإمبراطورية المسيحية، وقد التقت كل ردود الأفعال على هذا الطغيان في وِجهة واحدة: التفلّت من نفوذ الكنيسة والخروج عن سيطرتها. وكانت أولى بوادر ذلك التفلّت تمرّد الملوك، إذ كانوا يريدون نزع السلطة الزمنية من يد الكنيسة وردّها لهم، وإبقاء السلطة الروحية للكنيسة، فلمّا جاءت دعوات “حركة الإصلاح الديني” التي نشأت على أساس الانفصال عن الكنيسة بسبب طغيانها بالأساس، وأخذت صورة الخلاف المذهبي في أصول العقيدة، لما جاءت تلك الدعوات أدّت إلى انفصال بعض الكنائس عن الكنيسة الكاثوليكية الأم، ككنيسة بريطانيا وألمانيا وكنائس أخرى، فما كان من الملوك إلا أن عملوا على السيطرة على تلك الحركات الإصلاحية، لا رغبة في الإصلاح، إنما لأنّ هذه الحركات الانفصالية كسبٌ لهم يمدّهم بالقوة ويُضعف سلطان الكنيسة، ومن ثمّ يساعدهم على التفلّت من نفوذها! ومن أمثلة حركات الإصلاح الديني حركة مارتن لوثر (1483 – 1546) الذي استعان بالألمان بني جنسه ضد الكنيسة اللاتينيّة، ونجح في ذلك نجاحا باهرا، وانفصلت أمة الألمان عن نفوذ الكنيسة اللاتينية، وذات الأمر حدث لبقية الأمم الأوربية، إذ استقلت شيئا فشيئا عن الكنيسة الأم، وقلّت روابطها ببعضها البعض، ومع الأيام ازدادت استقلالا بشئونها، حتى إذا اضمحلّت النصرانية في نفوس الناس هناك قويت الرابطة العصبية القومية والوطنية، وأصبحت هي الآصرة التي يتجمّع حولها الناس. (انظر كتاب ” ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟” للعلامة أبي الحسن الندوي).

تلك هي ظروف وملابسات نشأة الوطنيات والنزعة الوطنية في أوروبا، فلنا أن نتساءل مرة أخرى: هل كان حتما علينا أن نخطو خطواتها في اتخاذ الرابطة الوطنية ونحن لم نمرّ في تلك الظروف ولم تحدث عندنا تلك الملابسات فضلا عن مخالفتها الصريحة لحقائق الإسلام؟!

.

لا إنسانية النزعة الوطنية:

.

ونفس الكلام الذي قلناه حول النزعة القومية العربية في مقال “حول الهوية الإسلامية” نقوله هنا، إذ إن التفرقة بين الناس والتفاضل بينهم على أساس مكان مولدهم ونشأتهم ومعاشهم هي أمر “لا إنساني” مرفوض! لأنّه يقيّم الناس بحسب كيانهم “الجبري” الذي لا خيار لهم فيه، بينما الأصل أن يكون تقييمنا للناس بحسب أفكارهم ومعتقداتهم وأعمالهم (الكيان الاختياري)، أي بحسب ما اختاروه هم بإرادتهم الحرة، لا ما قُدّر عليهم دون إمكانية قبوله أو رفضه كأرض الميلاد والنشأة! وهذا هو العدل الذي أُمرنا به، والذي تقول به كل فطرة إنسانية سليمة، ويا للعجب حين نعلم كيف زيّف العلمانيون هذه القضية وزعموا – زورا وبهتانا – أن الإسلام هو كيان جبري لأنه أمر “موروث”! وأن القومية والوطنية هي أمور يختارها الإنسان! هذا القلب للمعايير الذي تمارسه تلك الفئات الضالة المضلّة هو بمثابة خنجر يقدح في إنسانية دعواتها ومصداقيتها.

.

دعوة التوفيق بينها وبين الإسلام:

.

في بدايات القرن الفائت نشأت دعوات تحاول التوفيق بين الوطنية والإسلام، من باب أن الإسلام يدعو إلى القيم الحميدة التي تدعو لها هذه الوطنية، ومن باب أن هناك وطنية يرفضها الإسلام وهي التي تعلي من رابطة الوطن فوق رابطة الإسلام، والتي تتعصّب لأبناء الوطن، وهناك وطنية الدفاع عن الأرض والأوطان، وحراسة خيراته وتنميتها، وأن هذه الوطنية يدعو لها الإسلام.. كان هذا الكلام يخرج من دعاة أفاضل لا نزعم أنهم جهلوا أن الإسلام ليس بحاجة إلى قيمة أخرى بجانبه تكون مصدرا للقيم والمعايير والتوجيهات، إنما كان الواقع حينها مندفعا بشدة نحو الوطنية، وكانت قلة الوعي بحقيقة الإسلام عند العامة تجعل من الصعب أن يرفض الدعاة مباشرة الدعوة الوطنية وهي تملك قلوب العامة وعقولهم. وكانت الأمة في حالة استعمار تصعب معها أن يأتي أحد الدعاة ليقول للناس: نحن نرفض الوطنية! لأن الوطنية حيئذاك كانت تعني الكفاح ضد المستعمر الأجنبي. ولا نريد أن ندخل في تفاصيل ذلك، ولكننا نحن أبناء اليوم، قد رأينا النتائج السلبية التي خلفها نشوء النزعة الوطنية في العالم الإسلامي، من تفتّت وتعصّب وتشرذم بين أبناء الأمة، فلماذا نقبلها فضلا عن مخالفتها للإسلام في المجمل؟!

إن الدعوة اليوم للتوفيق بين الإسلام والوطنية ناتجة عن جهل بحقيقة الإسلام أولا، وعن هزيمة نفسية أمام الغرب المتفوّق، الذي يفرض علينا قيمه وموازينه، فيكون هو “المحور” التي نتطّلع كلنا إليه حين نريد أن نؤصّل في مجال القيم والتصورات والمناهج والأنظمة! جهل بالإسلام جعلنا نقدّم توقيعا على طبق من فضة بقصور الإسلام عن بعض القيم والمعاني مهما تغنّينا بشموله وتكامله! لأننا حين نقول إن هناك ثوابت “إسلامية” وهناك ثوابت “وطنية”، أو أن هناك واجبا “وطنيًّا” غير الواجب الإسلامي الشرعي.. حين نقول ذلك فنحن نشهد بخطابنا الشفوي أو سلوكنا العملي بقصور الإسلام عن تلك القيم والدوافع الإنسانية، التي نزعم أنها منبثقة عن الوطنية زيادةً عن القيم والدوافع المنبثقة عن الإسلام! ولا أدري إلى متى نظلّ نتهافت على كل مذهب أو فكرة تأتينا من الغرب لا لتقييمها في ميزان الشرع.. إنما لمحاولة التوفيق بينها وبين الإسلام! فيكون الاضطرار للتوفيق بينها وبين الإسلام هو الدافع الذي يدفع الباحثين و”العلماء”(!) للتنقيب في النصوص الشرعية عساهم يعثرون على “دليل” يثبت توافقها مع الإسلام! فأي انهزام هذا! وأية تبعية تلك! وأية نهضة تحصل مع كل هذا الخبال!

.

مغالطة لغوية.. وانبطاح!

.

على أنّنا حينما عُدنا إلى القاموس العربي بحثا عن معنى مفردة “وطن” وجدنا التالي:

الوَطَنُ: المَنْزِلُ تقيم به، وهو مَوْطِنُ الإنسان ومحله. (لسان العرب).

الوَطَنُ، مُحرَّكةً ويُسَكَّنُ: مَنْزِلُ الإِقامَةِ، ومَرْبَطُ البَقَرِ والغَنَمِ ج: أوطانٌ. وَوَطَنَ به يَطِنُ وأوْطَنَ: أقامَ. وأوْطَنَهُ وَوَطَّنَهُ واسْتَوْطَنَهُ: اتَّخَذَهُ وَطَناً. (القاموس المحيط).

فالوطن إذًا هو محلّ الإقامة، أي المكان الذي نقيم فيه ونستوطنه، وهذا لا يمكن بحال أن يكون وصفا لأرض مساحتها ملايين الأميال! فالإنسان مهما تطوّر لا يستوطن كل تلك الأرض ولا تكون محل إقامته كلّها، تلك إذًا مغالطة موضوعية تتمثّل في تسمية كل تلك الأراضي الكبيرة الفسيحة بـ “وطن”، وهي مغالطة تستحقّ أن نلتفت إليها. والأنكى أن الذي حدّد لنا تلك الأوطان ورسمها بالمسطرة هو الكافر المحتلّ الذي كان قد استباح أرض المسلمين! فكان أن حدّد لكل فئة من المسلمين حدودا تمثّل “وطنًا” لهم على شاكلة الوطنيات الغربية، وبثّ فيهم النزعة الوطنية عن طريق تلاميذه في تلك الأرض الإسلامية، فتوجّهت مشاعر الناس الساكنين داخل تلك الحدود بالولاء لمن يسكن داخلها! أي لمن يقبع داخل السياج الذي حدده لنا الكافر المحتلّ! رغم أنه قد يكون خارج الحدود من هو أقرب لهم من ناحية الدين والثقافة من إنسان داخل الحدود ولكنه يخالفهم في الدين والثقافة! فأي منطق للعقل يقول بهذا؟! وأيّ انبطاح تمارسه تلك الخلائف في الأرض الإسلامية؟!

.

المنتقصون من قيمة الموضوع:

.

هناك بعض الناس يقلّلون من قيمة هذا الموضوع، ويقولون: دعوكم من هذه الفلسفات وهذا الترف الفكري! إنها أمور ليست مؤثرة في الأمة.. وليست على هذا القدر من الأهمية حتى يصرف هذا الجهد في مقاومتها…

ونحن نقول لهم: إن تجلية راية لا إله إلا الله ممّا يشوبها أمر أساسي لصحة اعتقاد المسلم أولا، ثم هو أمر أساسي لنهضة هذه الأمة ورفعتها وتمكينها. يقول تعالى: “وعَدَ الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمنًا، يعبدونني لا يشركون بي شيئًا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون” (النور: 55). فإفراد الله تعالى بالعبادة هو شرط النهضة الأول لهذه الأمة، وهو أمر عقديّ في الأساس، ومكونات نهضة الأمة كما في الآية الكريمة هي (الاستخلاف والتمكين والتأمين). واليوم لا استخلاف ولا تمكين ولا تأمين! فكان لازمًا على هذه الأمة أن تراجع عبادتها لله وتنظر فيما قصّرت، وأمر واضح جليّ أن الأمة تخلفت بشكل أساسي في عقيدتها، فقد ضعفت هذه العقيدة في النفوس، وضَعُفَ تأثيرها على واقع المسلمين منذ أن شابَ صفاءها لوثات الإرجاء والتصوّف ثم العلمانية في العصر الحديث. عملتْ هذه اللوثات على جعل الإيمان ومقتضياته عقيدةً في الضمير وشعائر للتعبّد، فكان ذلك منفذا لسيطرة مذاهب ونزعات دخيلة على سلوك المسلمين فيما عدا الشعائر والعقيدة، ومن هنا دخلت العلمانية ودخلت الوطنية والقومية وسائر التصورات الغريبة على الإسلام. فحين خفتَ تأثيرُ عقيدة الولاء والبراء على سلوك المسلم وخفتَ انتماؤه للناس على أساس رابطة الإيمان، حلّت الوطنية مكان ذلك كلّه، فكان لا بدّ من تصحيح هذا الانحراف في “التصور” الذي أنتج هذا الانحراف في “السلوك”، وكان هذا المقال خطوة متواضعة في طريق إحياء الأمة حتى يعود لها مجدها ونهضتها ورفعتها وتمكينها بعد أن تعود إلى حقائق دينها فهمًا وتطبيقًا. ونحن نتساءل: هل يستوي حال المسلم بين أن يكون له مصدر واحد يستمد منه القيم والموازين والتوجيهات والشرائع وبين أن يكون له مصادر شتّى، يأخذ من كلّ واحد منها بعض التوجيهات في ميادين مختلفة من الحياة؟ والقرآن قبلنا بأكثر من أربعة عشر قرن يتساءل: “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ” (الزمر: 29). وتلك هي حقيقة دعوة التوحيد.. دعوة لتوجيه هذا الكيان البشري إلى مصدر واحد.. بدلا من أن يتشتّت شمله وتتفرّق كينونته.. ومن هنا تنشأ تلك الطاقة العجيبة التي تنطلق في الأرض لبناء الحضارة الإسلامية من جديد.. كما كانت في قلوب أولئك النفّر الكرام الذين وضعوا حجارة الأساس فيها.. حين وقف واحدهم أمام قائد الفرس رستم وقال: “إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”. ونقول لهؤلاء الذين يقلّلون من أهمية تصحيح هذا المفهوم، أو لا يعتبرون أن ثمّة خطر فيه: ألم تروا تلك الثمار النكدة للوطنية؟ والتي لا زلنا تعيش في ظلالها المشؤومة هذه الأيام.. حيث يقتل آلاف المسلمون في أرض ليبيا المسلمة ويسبحُ الآخرون في حمّام الدم.. ورغم ذلك يقف عاشر أكبر جيش في العالم (الجيش المصري) بمقربة من هذه المجازر لا يحرّك ساكنًا! لا لشيء سوى أن هؤلاء الذين يموتون ليسوا “مصريّين”! وأن التدخل في شؤون “وطن” آخر ليس من مسؤولياته، إنما مسؤوليته الحفاظ على أمن الوطن المصري! ألا تعسًا للوطنية كم فرّقت أبناء الأمة وكم عوّقتهم عن النهوض!

.

لماذا نرفض الوطنية؟

.

نحن ترفض الوطنية لأنها:

-       تشوبُ صفاء التوحيد وتنقض عقيدة الولاء والبراء فيه.. كونها تجعل الولاء منعقدا على أبناء الوطن الواحد حتى لو كانت عقائدهم فاسدة كافرة بالله عزّ وجل.

-       اتباع للأهواء وعقول البشر فيما ينبغي أن تكون مرجعيّته هي الشرع وحده، فهي زعمٌ (بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال) أن هناك قيمًا إنسانية يكون مصدرها أمرٌ غير الإسلام، وهذا المصدر هو “الوطنية” أو “الحسّ الوطني”!

-       تفتقرُ إلى الموضوعية، فلا يوجد ضابط يحدد القيم التي تقتضيها، بل كلٌّ يزعم لها ما يشاء، ويُدخل في مقتضياتها ما يشاء.

-       نزعة لا إنسانية، كونها تُفاضلُ بين البشر وتقيّمهم وفقا لكيانهم “الجبري” (أرض الولادة، الوطن، النشأة)، فتجعل رابطة الانتماء بين البشر بحسب هذا الكيان الجبري للإنسان حتى لو كان الإنسان كافرا معرضا عن عبادة الله! وتجعلُ من الهوية الإسلامية والانتماء وفق الكيان “الاختياري” للإنسان نزعة “طائفية” “متعصّبة”! مع أن المنطق الموضوعي يبرهن أن النزعة الوطنية هي “المتعصّبة” و”اللاإنسانية”!

-       تفضي إلى التبعية للغرب، فحين تجزّأت الأمة إلى كيانات وطنية هزيلة كان أن التحق كل كيان إلى قوة كبرى تسنده، لأنه لا يعتمد على هوية أصيلة عند الأمة، فكان من البديهيّ أن يكون تابعا لإحدى القوى الكبرى.

-       نزعة عَمِلَ الغرب الكافر على زرعها بين المسلمين لتفريقهم والحيلولة دون وحدتهم، بعد أن فشل في إبقاء وجوده عسكريا في كل بلاد المسلمين (رغم وجوده في بعض البلدان اليوم!) عملَ على إثارة هذه النُّعرة الوطنية لتمزيق وحدة الأمة.

-       تقليد لا مبرّر له، فملابسات ظهورها ونشأتها في أوروبا لم تمرّ بها الأمة الإسلامية، فكان من الغباء اعتبارها أمرا حتميا عن المسلم لا يمكن العيش بدونه! ولسنا نحتاج أن نبرّر توافق الإسلام مع كل وافد يأتينا من قيم الغرب، ففي ديننا ما يغنينا من القيم والموازين.

.

19.3.2011

عكا

شريف محمد جابر

.

(اعمل على نشر المقال عن طريق المشاركة مع الأصدقاء في الفيس بوك والتويتر وغيرها في الأسفل)

لماذا نرفض الديمقراطية؟

 

الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية ومن المنادين بالديمقراطية

.

 

لماذا نرفض الديمقراطية؟

.

(من سلسلة: أن تكون مسلما في أيامنا)

.

ربما يكون السؤال الأصح هو: لماذا نقبل الديمقراطية؟

سنحاول في هذا المقال طرح الموضوع من كل جوانبه، ولأن هناك أقواما من المسلمين ممن لا زالوا مخدوعين بدعوى الديمقراطية والدعوة إلى أخذ “آلياتها” أو استخدام “الاصطلاح” في وصف النظام السياسي الإسلامي دون أخذ “فلسفتها” أو جذورها الفكرية. لهؤلاء أكتب هذا المقال، فهم – وإن كانوا قد فهموا مخالفة الأصول الفكرية للديمقراطية الغربية للإسلام – فلا زالوا في تخبّط حين يتم الحديث عن “آليات الديمقراطية”، وبأن هذه الآليات لا تخالف الإسلام لأنها لن تخالف الشريعة في شيء.

بداية نحب أن نبين مخالفة أصول النظام الديمقراطي للإسلام، بكلمات أخرى مخالفة “الفلسفة” التي تقوم عليها الديمقراطية للإسلام. وهو أمر لا يغفل عنه مسلم مثقف ولكن سير البحث يحتاج منّا ذكر ذلك، حتى تتبين ثماره من خلال النقاط الأخرى في المقال.

الديمقراطية في أوجز تعريفاتها هي حكم الشعب لنفسه، ولا يختلف اثنان على أن الديمقراطية – كفلسفة ونظام – نشأت في أوروبا خلال ظروف وملابسات خاصة وقعت فيها الشعوب هناك، أهمّها طغيان الكنيسة والملوك على الشعوب الأوربية وممارسة الظلم والحجر على التفكير والحرية بشكل لا يطاق وكل ذلك باسم الكنيسة وإله الكنيسة، وباسم التفويض الإلهي لهؤلاء الملوك وإعطائهم “السيادة” التامة والسلطان الكامل في تسيير حياة الناس والحكم بينهم، مما جعل الكثير من الناقمين من المثقفين يفكرون في طريقة يسلبون بها سيادة الملوك وسلطانهم. ولم يكن أمامهم سوى حلّ واحد بطبيعة الحال، لأن السيادة تكون لأحد ثلاثة:

1 – للملوك وأهوائهم ورغباتهم، وهذا ما رفضه الناس لأنهم ذاقوا منه الطغيان والظلم.

2- للدين، وهذا أيضا لم يفكر به الناقمون لأنّ الملوك كانوا يحكمون ويتجبرون باسم الدين والتفويض الإلهي لهم، فتحولت النقمة على جعل الدين سيّدا على منهج حياة الناس، وأنه ينبغي أن يكون مجرد أمر شخصي في الضمير وشعائر الفرد وأخلاقه، لا يتعداها لتنظيم حياة الجماعة البشرية، ونشأ هذا الاستنتاج عند القوم لأنهم جرّبوا الدين الكنسي “المحرّف” الذي حكم باسمه الملوكُ والبابواتُ الشعوبَ المغلوبةَ على أمرها، وقد كان هذا الدين خاليا من الشريعة التي يمكن أن يحكم بها شعب! لأنه كان عقيدة روحية وتوجيهات خلقية فحسب، فأدى ذلك إلى سيطرة أهواء الملوك والبابوات على مهمة التشريع وتعبيد الناس لرغباتهم وما يرون هم، فنشأ الاستبداد باسم الدين، ونشأ الطغيان باسم الدين، والدين الحقّ منه براء!

3 – وكان الخيار الثالث الذي لا مفرّ منه هو أن يكون السلطان والسيادة للشعب، لا للملوك ولا للدين، وساعد في ذلك أن البديل الحقيقي (وهو الإسلام) كان مشوّها في صورته عند الأمم الأوروبية، بسبب الحملة التي شنّتها الكنيسة لنشويه صورة الإسلام في حس الأوروبيين عن طريق خلق الأساطير والخرافات ولصقها به حتى ينفر منه الناس، الحملة التي كان دافعها ما لاقتهُ الحملات الصليبية من مواجهة من قبل المسلمين في المشرق الإسلامي وفي الأندلس، وبسبب انحسارهم أمام المسلمين الترك في القسطنطينية، فتولّد – من جراء ذلك –  ”الحقد” الكبير تجاه الإسلام والمسلمين، ممّا صرف الناس عن التفكير بأن الإسلام هو الطريق الوحيد للنجاة من هذا الطغيان.

هذه هي الملابسات التي أدّت إلى نشوء الديمقراطية بعد سلسلة من النظريات والجهود التي قام بها المفكرون الأوروبيون، ابتداء بنظرية “العقد الاجتماعي” وأشهر منظريها: جون لوك وجان جاك روسو وتوماس هويز. وانتهاء بالديمقراطية الحديثة وما يدعى بالديمقراطية الليبرالية. ولا مجال هنا للتوسع في شتى هذه الأنواع، إنما يهمّنا الأصل الذي نشأت عنه واتفقت جميعها عليه وهو: جعل السيادة المطلقة في تنظيم شؤون الحياة التشريعية والتنفيذية والقضائية لإرادة الشعب (الأكثرية من الشعب). ولا شك عندنا أن هذا – الذي هو جوهر الديمقراطية – مخالف للإسلام، ففي حياة المسلم قضية كبرى مرتبطة بأصل الإيمان وهي قضية “المعبود”، فمن هو “المعبود” على وجه الحقيقة؟ آلله أم آلهة أخرى معه أو من دونه؟ ويتفرع عنها قضية أخرى خطيرة ومرتبطة بأصل الإيمان وهي قضية “من المشرّع”؟

{وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا، ولا حرّمنا من دونه من شيء} (النحل: 35).

فمدلول الآية أن الذي جعل هؤلاء المشركين مشركين هو تشريعٌ شرعوه من دون الله، أباحوا فيه شيئا حرّمه الله، أو حرّموا شيئا أحلّه الله، وهذا كفر مخرج من الملّة كما هو معلوم من الدين بالضرورة! وهو ذاته الذي يريده النظام الديمقراطي القائم – أساسا – على جعل مهمة التشريع ووضع منهج الحياة في يد البشر (الشعب). فجوهر الديمقراطية إذًا مخالف لأصل الإسلام وحقيقته!

ويقول تعالى: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (الأعراف: 54).

فالله خالق البشر ومدبر أمرهم له الحق – وحده – في وضع منهج حياتهم، وهو – وحده – العالم بما يصلح لهم من تشريع {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟!} (الملك: 14).

نكتفي بهذا القدر لبيان مخالفة أصل النظام الديمقراطي للإسلام، وقبل أن نجيء إلى قضية “آليات الديمقراطية” التي يثيرها فريق من المسلمين، نحبّ أن نبيّن ركيزة هامة من ركائز الديمقراطية لا يمكن أن تدعى “ديمقراطية” من دونها، وهي “الحرية الشخصية”، والتي كانت الدافع الأكبر للتمرد على سلطان الكنيسة ونشوء “العلمانية” ونظامها السياسي الذي هو “الديمقراطية”. وككلّ ردّة فعل في التاريخ إن حدثَ إصلاحٌ في جانب يحدثُ انحراف في جانب آخر، والذي حدث في الديمقراطية هو توسيع دائرة “الحرية الشخصية” حتى شملت حق العبادة وما يتضمّنه من حق الإلحاد وحق الانحلال الخلقي، كمقابل للكبت الذي ساد الحياة الأوروبية في العصور المظلمة. وأصبح ذلك من مميزات الديمقراطية الرئيسية التي لا تنفصل عنها إلا بزوال وصف “ديمقراطية” عن النظام الذي يضع قيودا للحريات استنادا على “نصّ ديني” خارج نطاق إرادة الشعب! وتشمل هذه الحرية – فيما تشمل – حرية التعبير ولو كانت بالتعرض للذات الإلهية، أو أحد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. ومن هنا ندخل إلى نقاش القوم الذين يقولون: نأخذ بآليات الديمقراطية ولا نأخذ بفلسفتها وجذورها الفكرية، لأنها آليات موجودة في الإسلام ولا تخالفه، ولا مشاحة في الاصطلاح على حدّ قولهم!

يريدون أن يصفوا النظام الإسلامي بأنه “نظام ديمقراطي”، بسبب تشابه بعض آليات الديمقراطية وضماناتها مع آليات الإسلام وضماناته كنظام. وهذا الادعاء فيه حشد من المغالطات يحسن أن نبسطها للقارئ الكريم حتى يتبيّن الرشد من الغيّ.

المغالطة الأولى: وصف الإسلام بأنه نظام ديمقراطي مع التخلي عن أهم خصائص الديمقراطية من تشريع بغير ما أنزل الله، ومن إباحة الحرية الشخصية في العبادة والتعبير وغيرها من ركائز الديمقراطية.. وصف الإسلام بالديمقراطي بعد إفراغ المصطلح من ركائزه الأساسية هو نوع من “التعسّف” الذي لا سند له ولا حاجة له أصلا! يقول هؤلاء الدعاة: إننا نقصد بذلك الوصف “الشورى الإسلامية”، الملتزمة بالكتاب والسنة، والتي تجتهد في المصالح المرسلة ملتزمة بمقاصد الشريعة. وقد صدقوا! ولكن هذا الذي يريدون ليس هو الديمقراطية، إنما هو الإسلام! ولنسأل أي ديمقراطي أصيل ولنقل له: إنّ نظامنا “ديمقراطي” ولكنه يحرّم الخمر، ويقيم الحدّ على المرتدّ، ويحرّم الزنا، ويلتزم بنصوص دينية من عند الله، فلا يحلّ الحرية المطلقة إنما يقيّدها بما أنزل الله.. سيقول لك على الفور: “إن هذا نظام يتدخّل في الحرية الشخصية وهذا ما أتت الديمقراطية أصلا لمحوه! إنه لا إلزام في الديمقراطية إلا لإرادة الشعب، ولا تملك أن تفرض على الشعب شيئًا بغير رضاهم”! وسبحان القائل: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} (الأنعام: 116). فلا يمكن بحال من الأحوال فصل آليات الديمقراطية عن أصل النظام وتسمية هذه الآليات “نظامًا ديمقراطيًّا”، فهذا أشبه بنزع “مقود” سيارة و”عجلاتها” وعرضها للناس – وحدها – على أنها “سيارة”!

ومثال آخر: في فرنسا اليوم دعوات لأخذ “آليات” من الاقتصاد الإسلامي لمعالجة المشكلات الاقتصادية التي تمر بها فرنسا ويمر بها العالم كلّه على وجه العموم. وقد بادر فعلا بعض الباحثين والمؤسسات إلى أخذ هذه الآليات، فهل يصح أن يسمى نظامهم الاقتصادي – بعد أخذهم لبعض الأحكام – نظاما إسلاميا؟ إنه فضلا عن تركه لبقية أركان الإسلام وأحكامه، قد توجّه إلى تطبيق بعض الأحكام توجّها “نفعيًّا” وليس توجّها “خالصا” لله عز وجل، ولا يغيب عن مسلم أن “الإخلاص” أحد شروط قبول العمل، فهم كما قال الله عز وجل: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا} (الفرقان: 23). فلا يقبل هذا العمل ولا يوصف بأنه “إسلام” أو “إسلامي”، لأنه لم يلتزم “بجوهر” الإسلام الذي يشترط أمورا أخرى غير مجرد التطبيق الجزئي لبعض الأحكام!

المغالطة الثانية: هي عودة إلى ما بدأنا به المقال: لماذا نقبل الديمقراطية؟ هل نحتاج كي نصوغ نظامنا السياسي في الإسلام إلى وصفه بالـ “ديمقراطي”؟ وهل هذه الآليات تتوفر بمعطياتها في الديمقراطية ولا تتوفر في الإسلام؟ لقد أقر القائلون بالديمقراطية أن ما يجدونه فيها هو موجود أصلا في الإسلام! وأهم تلك الآليات هي الشورى ومشاركة الأمة للحاكم والضمانات في ردعه إن طغى. فإذا كانت موجودة أصلا في الإسلام وفي تطبيقه الواقعي في فترات من التاريخ، فما الداعي لاستعمال المصطلح ووصفها بالديمقراطية؟!

إن الإسلام لم يترك بابا من الخير إلا ودلّنا عليه، ولا بابا من الشر إلا وحذّرنا منه: “إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلّ أمته على خير ما يعلمه وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم” (مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص). ولقد علّمنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم آداب قضاء الحاجة، فهذا الدين الذي تعرّض لأصغر الأمور وبيّنها، أيكون قد غفل عن الهداية في مجال النظام السياسي للأمة وهو من أهم نشاطات البشر وأخطرها؟! كلا! فوجود النظام السياسي الحامي والمنظم لشؤون الأمة والذي يكفل الخير والعدل هو مقصد أساسي من مقاصد الشريعة الإسلامية، فهل يصحّ قول القائل أن الله تعالى أو رسوله عليه الصلاة والسلام لم يبيّن كل ما يلزم من أمور لبناء الكيان السياسي للأمة المسلمة ونحن في حاجة إذًا إلى استيرادها من الأمم الجاهلية التي كانت أنظمتها ردّة فعل عن طغيان لم يحدث أصلا عندنا؟! بل بيّن الإسلام الضمانات التي تكفل حق مشاركة الأمة عن طريق الشورى، وجعل ذلك من ركائز النظام السياسي للأمة، بل وجعل تأطيرَ الحاكم على الحق والعدل من التكاليف التي تؤثم الأمة بمجموعها إن لم تقم بها:

{والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} (الشورى: 38).

أنظر إلى وضع الشورى في الآية بين فريضتين (الصلاة والزكاة) مما يدلّنا على مكانتها كفريضة ربانية!

“إذا رأيتم أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودّع منها” (رواه الحاكم في المستدرك).

“الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم” (رواه مسلم).

“إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع” (رواه مسلم). (أي من رضي بالمنكر وتابع فيه فلا برئ ولا سلم).

روى البزار والطبراني عن أبي هريرة: “أتى الحارث ُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ناصِفْنا تمر المدينة وإلا ملأناها عليك خيلاً ورجالاً قال: “لا حتى أستأمر السعود ([1])، فكلهم قالوا: والله ما أعطينا الدنية في أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الإسلام، فأخبر الحارث فقال: غدرت يا محمد.

واستشارهم في ( أُحُد ) بعد أن أخبرهم برؤياه التي تُنبئ بأن المدينة درع حصين ويعرض لهم رأيه أنهم لا يخرجون من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن أقام المشركون بمقامهم أقاموا بشر مقام وبغير جدوى، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت – وكان هذا هو الرأي – ولكن أشار عليه الكثير من المسلمين بخلاف ذلك فاستجاب لرأيهم([2]).

وتعلّم أصحابه رضوان الله عليهم منه صلى الله عليه وسلم هذا الأمر. يروي لنا التاريخ في غزوة مؤتة ما فعل أصحابه صلى الله عليه وسلم حين واجهوا – وهم ثلاثة آلاف مقاتل – جيشًا قوامه مائتا ألف فجعلوا يتشاورون حتى شجعهم عبد الله بن رواحة – رضي الله عنه – بقوله: انطلقوا فإنما هي إحدى الحُسْنَيَيْن: إما ظهور وإما شهادة، فاستقر الرأي إلى ما دعا إليه عبد الله بن رواحة رضي الله عنه([3]).

وقد أكثرتُ من الأمثلة لمعايشة النصوص والروايات حتى لا يكون حديثنا ناشئًا من فراغ، وحتى يكون هناك مجال للفكر أن يلمس واقعية ما نقول.

المغالطة الثالثة: وهي تتمثل في وصف السابق باللاحق، بكلمات أخرى: من هو السابق واللاحق هنا؟ النظام السياسي الإسلامي أم النظام الديمقراطي؟ لا مجال للشك بأن النظام السياسي الإسلامي سابق بقرون طويلة على الديمقراطية وتشكلاتها المختلفة. وفي عُرف التاريخ – كما هو معلوم لكل دارس للتاريخ – أن القياس بين المبادئ والنظم يكون بقياس اللاحق – زمنيا – على السابق، فيقال – مثلا – : الديمقراطية نظام متأثر بالإسلام وتطبيقِه العمليّ لقرون في الأندلس وفي المشرق الإسلامي، وهو قول حقّ لا شائبة تشوبه، لأن الأوروبيين ما أحسّوا بفظاعة الظلم الواقع عليهم ولا بالجهل والضلالة التي يعيشون فيها إلا حينما احتكّوا بالعالم الإسلامي ولمسوا الحياة السياسية والاجتماعية والتطور العلمي والحضاري الذي وصل إليه المسلمون، فكان ذلك هو دافعهم إلى التفكير في النهوض (لتفصيل ذلك إقرأ رسالة العلامة محمود شاكر “في الطريق إلى ثقافتنا”). فكيف يكون من الصواب أن نُلحق الإسلام بالديمقراطية ونصفه بأنه “نظام ديمقراطي”، وكأن الديمقراطية هذه شيء أصيل في الحياة، أو سابق للإسلام فيوصف به!

المغالطة الرابعة: أمرنا في ديننا الحنيف باتقاء الشبهات، فأي تطبيق لهذا التكليف يكون حين نصف الإسلام بنظام جاهلي مبنيّ على تحكيم أهواء الناس وإعطائهم مهمة التشريع من دون الله؟! هذا إِنْ فرضنا أن وصف النظام الإسلامي بأنه ديمقراطي هو مجرد “شبهة” وليس خطأ شرعيًّا ومعصية تتمثل في وصف النظام “الرباني” بنظام “جاهلي”! وقد اشتهر مصطلح الديمقراطية بمعناه المعروف في الغرب، بما بحمل في طيّاته من جاهلية وانحراف عن منهج الله، فلا يصح أن نصف به دين الله عزّ وجلّ.

ونختم المقال بكلام قيم للأستاذ سيد قطب – رحمه الله – في كتاب “العدالة الاجتماعية في الإسلام” إذ يقول:

“كذلك لم أستسغ حديث من يتحدثون عن “اشتراكية الإسلام” و “ديمقراطية الإسلام”.. وما إلى ذلك من الخلط بين نظام من صنع الله – سبحانه – وأنظمة من صنع البشر، تحمل طابع البشر وخصائص البشر من النقص والكمال، والخطأ والصواب، والضعف والقوة، والهوى والحق.. بينما نظام الإسلام الرباني بريء من هذه الخصائص، كامل شامل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

“إن الإسلام يقدم حلولا مستقلة لمشكلات الإنسانية، يستمدها من تصوره الخاص، ومن منهجه الذاتي، ومن أسسه الأصيلة، ومن وسائله المتميّزة؛ وعلينا حين نناقشه ألا نكله إلى مذاهب ونظريات أخرى تفسره، أو تضيف إليه؛ فهو منهج متكامل، ووحدة متجانسة؛ وإدخال أي عنصر غريب فيه كفيل بأن يفسده، كالجهاز الدقيق الكامل، أية قطعة غريبة عنه تعطل الجهاز كله، وتظهر كأنها رقعة فيه!

“وأنا أدلي بهذه الكلمة المجملة هنا، لأن كثيرا ممن اندست في ثقافتهم وأفكارهم قطع غريبة من أجهزة النظم الأجنبية، يحسبون أنهم يكسبون الإسلام قوة جديدة، إذا هم طعّموه بتلك النظم. وهو وهم خاطئ يفسد الإسلام؛ ويعطّل روحه عن العمل؛ وهو في الوقت ذاته إحساس خفي بالهزيمة، ولو لم يعترفوا صراحة بالهزيمة!” (سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 78).

ومن النقطة التي انتهى منها الأستاذ سيد قطب نختم بالمغالطة الخامسة والأخيرة: فالهزيمة النفسية الخفية هي الدافع الأول لهذا التوجه، الذي أراد أن يصف الإسلام بأسماء النظم الجاهلية التي تقوم على قاعدة عزل منهج الله عن التشريع وعن صياغة حياة البشر.. إنهم – وإن لم يعترفوا بذلك – مهزومون أمام السطوة والعربدة التي تمارسها الحضارة الغربية، فهي عندهم محور الاهتمام والتطلع، ومقاييسها ومعاييرها هي المقاييس والمعايير التي ينظرون منها إلى الأشياء! وتلك نقطة على غاية من الأهمية، فإنه فضلا على ضرورة التخلي عن الهزيمة النفسية عند المسلم فوجود هذا الشعور “السلبي” يجعل المسلم دائما في قافلة “التبعية”، ومن أهم شروط النهضة للأمة الإسلامية هو التخلي عن التبعية، والاستعلاء على كل القيم الجاهلية مهما انتفشت وبرزت في العالم.. والثقة بالنفس وبالرصيد الذي يملكه المسلم من القيم والمعايير شرطٌ أساسي في نهوضه لا يمكن أن يجتمع بحال مع الهزيمة النفسية ومع التبعية لمعايير الحضارة الغربية والنظر إليها على أنها هي محور الأشياء في العالم! وإن استعمال هذه المصطلحات المناقضة في معانيها للإسلام من شأنه أن يوحي لعامة المسلمين أنه لا تناقض بين ما تحمله هذه المصطلحات من “قيم” وبين الإسلام.. مما يسهم في إضفاء الشرعية على الممارسات العلمانية التي تجري مباضعها في عقول المسلمين وأرواحهم وتعزل شيئا فشيئا مفاهيم الإسلام عن فاعليّتها في واقع الحياة!

.

8.1.2011

عكا

شريف محمد جابر


([1]) سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وسعد بن خيثمة، وسعد بن الربيع، وسعد بن مسعود.

([2]) صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم ص241.

([3]) المصدر السابق، ص 375-376.

______________________________

المراجع:

1)    كتاب “حقيقة الديمقراطية” للأستاذ محمد بن شاكر الشريف.

2)    كتاب “العدالة الاجتماعية في الإسلام” للأستاذ سيد قطب رحمه الله.

3)    كتاب “الطريق إلى الجنة”، للشيخ عبد المجيد الشاذلي.

ساركوزي والنصارى وأشياء أخرى ينبغي أن تقال..

.

ساركوزي والنصارى وأشياء أخرى ينبغي أن تقال..

.

في الشرق المسلم.. حين يحدث أمر ذو قدر يكون من ورائه عبرٌ ومكاسبُ وتحليلات وتخرّصات وكلام يطول ويقصر.. وغالبًا ما يكون المستفيد الأكبر من وراء أيّ حادث دمويّ هو مشاريع الاستعمار الغربية في الشرق. يخرج علينا “ساركوزي” من خبائه ويتحدث عن “مخطط ديني لتطهير الأقليات المسيحية في الشرق”!

هراء!!

هل في الشرق المسلم أية جهة تملك التخطيط لأمر مثل هذا يحتاج إلى جهود كبيرة؟ وإذا امتلك المسلمون هذه القدرة على التخطيط التي تصل إلى درجة طرد الأقليات النصرانية من بلادهم فهل يفعلون ذلك؟ أم يقومون بالتصدي لأولوياتهم التي ينبغي أن يعملوا لها؟! والأهم من ذلك أنّ طرد أو تطهير العالم الإسلامي من النصارى ليس من هدف أية جهة إسلامية تمثّل الإسلام تمثيلاً حقيقيًا.. فقد بقي الأقباط في مصر منذ أن دخلها الإسلام ولم تضق مصرُ بهم ولا ضاق بهم المسلمون.. بل عاشوا مكرّمين ناجين من الحال الذي كانوا فيه حين حكمهم الروم وهم على دينهم!

إن خطاب ساركوزي وخطاب البابا النصراني يحمل دلالة كبيرة لا ينبغي أن تفوّتها الأمة الإسلامية.. فلِمَ هذا التجبّر؟ ولِمَ هذا التحامل على الأمة الإسلامية والتنديد بضرورة حماية النصارى في العالم الإسلامي رغم كون العالم الإسلامي أصلا يخضع تحت سيطرة الغرب ونفوذه؟! لماذا يتجّبر القوي ويهدّد الضعيف؟ هنا الدلالة..

الفارس النبيل الشجاع المدجّج بالسلاح حين يرى عدوًّا له ضعيفًا مجرّدًا من السلاح ولا يمثّل أدنى خطر عليه يتركه وشأنه وينصرف عنه.. لكن حين يقوم بالضغط عليه والتمثيل به – وهو في هذا الضعف – يكون ذلك في قمة النذالة! وهذا بالضبط هو الذي يحدث.. ولأول وهلة نظنّ أن هذا الاستضعاف الذي تعاني منه الأمة الإسلامية هو علامة بؤس وشقاء وظلام لا نور ولا ضياء من خلاله.. ولكن الحقيقة الكبرى التي نجدها في كتاب الله تعالى على خلاف ذلك.. يقول تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُون} (القصص: 4 – 6).

تلك سنة ربانية من عند الله.. حين يكون هناك طغاة يستبدون بالمستضعفين في الأرض تكون النتيجة أن الله يمنّ على أولئك المستضعفين ويمكّن لهم ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين ويُري الطغاة منهم ما كانوا يحذرون! كان فرعون يذبّح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم تخوّفًا دون مبرّر حقيقي لهذا التخوّف! فقد كان بنو إسرائيل مستضعفين.. بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.. والغرب اليوم يعيد الكرة مرة أخرى.. ويتخوّف من الأمة الإسلامية وهي مستضعفة.. ويلوّح بإعلامه وأجهزته بـ “الإسلام فوبيا” ويندد ويهدّد ويعربد.. ويقتل ويستحيي ويغتصب ويشرّد ويهدم وينسف ويدمّر ويدنّس.. كل ذلك والعالم الإسلامي في قبضته وتحت سيطرته وفي غفلة وسبات عميقين – في غالبه – ولا يملك من القوة ما يستطيع أن يكون به ندًا مكافئًا له!

ولكنّها بشرى للمسلمين.. بشرى الوعد الربانيّ بالنصر والتمكين بعد أن تشتدّ غطرسة الطغاة وعربدتهم.. إنها البشرى في تلك الصحوة الإسلامية التي تمتد وتنتشر في كل أنحاء العالم الإسلامي.. صحوة في كل المستويات.. في انتشار المفاهيم الصحيحة عن الإسلام وعن الأفكار المسمومة.. المفاهيم الرافضة للعلمانية وللولاء للكافرين والرافضة لأفكار القومية والوطنية التي اغتر بها الناس ردحًا من الزمن ثمّ ظهر تهافتها وعدم صلاحيتها.. وصحوة في الإقبال العملي الواقعي على دين الله عند جيل الشباب على وجه الخصوص.. صحوة ليست منحصرة بالحركات والجماعات الإسلامية.. إنما هي تيارٌ عارم في الأمة ينمو شيئًا فشيئًا.. الشباب المقبل على الله والفتيات المقبلات على الله.. العمال والموظفون والفلاحون والصبية والنساء والمثقفون والبسطاء والأغنياء.. إنها روح يسري في جسد الأمة فيحييها بالقرآن!

{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُون}.

صدق الله العظيم..

.

حيفا

9.1.2011

شريف محمد جابر

.

(هل أعجبتك التدوينة؟ اضغط على أيقونة “فيس بوك” أو “تويتر”  في الأسفل لنشرها)

المسلم والأحزاب العلمانية

 

.

 

المسلم والأحزاب العلمانية


(من سلسلة: أن تكون مسلمًا في أيامنا)

.

 

الإسلام منهج حياة.. قضيّةٌ نؤمن بها، ونعتقد اعتقادًا جازمًا بحقيقتها، لأن هذا الدين أنزله الله سبحانه وتعالى ليكون الطريق الوحيد الصحيح الذي يسير عليه الإنسان في حياته حتى ينال رضوان الله تعالى؛ الغاية العظمى لكل إنسان، وحتى ينال رضوان الله تعالى عليه أن يكون إنسانًا “عابدًا”، ومعنى “العبادة” هو: الالتزام بما أنزل الله تعالى في كل عمل، وتوجيه هذا العمل إلى الله تعالى وحده، أي الإخلاص فيه. يقول تعالى: { وما خلقتُ الجنّ والإنس إلا ليعبدون }، ويقول: { قل: إنّ صلاتي ونسكي ومحيايَ ومماتي لله ربِّ العالمين لا شريك له وبذلك أمرتُ وأنا أول المسلمين }. وفي هذه النصوص الصريحة القاطعة دلالة واضحة على وجوب التزام منهج الله (الإسلام) في كل مناحي حياة الإنسان، إذ يعتبر حصرُ الغاية من خلق الجن والإنس بالعبادة بين (ما) و (إلا) أقوى أساليب الحصر في اللغة العربية، وبذلك نفهم أن العبادة المطلوبة ليست هي مجرد “شعائر التعبّد”، ولا مجرد “الالتزام الأخلاقي”، فلو كانت كذلك لَما استطاع أن يؤديها بشرٌ خلال أربع وعشرين ساعة بشكل متواصل دون انقطاع، لأن حياته كلّها يجب أن تكون عبادة حسب مفهوم الآية، فتكون العبادة شاملة لكل مناحي الحياة، أي ضبط كل عمل أو قول أو نية بالضوابط الشرعية.

ويواجه المسلم اليوم قضية على غاية من الخطورة تكمن في فاعلية الأحزاب العلمانية في المجتمعات التي يسكنها مسلمون وانضواء العديد من المسلمين تحت لواء هذه الأحزاب لأهداف عدة مثل: “تحسين واقع المجتمع” أو “المطالبة بالحقوق” أو “التغيير” أو “النهضة” وشتى الشعارات المختلفة التي قد يكون أصحابها صادقين بها، ولكن القضية ليست في مدى صدق نية هذه الأحزاب أو إخلاصها، ولكن في مدى “شرعية” ما تقوم به، ومن ثم “شرعية” انضمام المسلم إليها والعمل تحت لوائها والدعوة لها. فهذه الأحزاب تحمل في معطياتها الفكرية والعملية حشدًا كبيرًا من المخالفات الشرعية التي لا يجوز للمسلم الوقوع فيها، نسرد بعضها تحقيقًا لواجب تحذير المسلمين من مشاركة هذه الأحزاب أو الدعوة إليها:

1)                هذه الأحزاب تجعل رابطة “التجمع” بين البشر هي رابطة “القومية” أو “الوطنية”، وتقدمها على رابطة “العقيدة”، التي هي عند المسلم الآصرة الوحيدة التي تحدد هويته وانتماءه لغيره من البشر، فالانتماء يكون للكيان “الاختياري” في البشر وليس للكيان “الجبري”، واللغة أو القومية أو التاريخ أو الوطن كلها “جبريات” لا يختارها الإنسان، فكيف تكون هي “المعيار” الذي يجعلنا ننتمي للبشر؟! إن الانتماء لإنسان ما يكون بناء على “مفاهيم” هذا الإنسان و”أعماله” التي اختارها، وليس بناء على أمور لم يكن له يد فيها ولا حول كالقومية واللغة والتاريخ والوطن! والقضية الاختيارية الأولى التي يوليها المسلم اهتمامه حين يحدّد انتماءه وجماعته البشرية هي قضية “العبادة”؛ الغاية من خلق هذا الإنسان، لأنها أهم قضية في هذا الوجود، فكان من البديهي أن يكون تحقّق العبادة عند إنسان ما يجعلنا ننتمي إليه بكياننا الاختياري كلّه: “مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى” (متفق عليه). وكان من البديهي أيضًا أن لا ينتمي المسلم للذي يرفض طاعة الله ويستكبر عن عبادته، وهو موقف شعوري يحق للمسلم العابد أن يتخذه من الإنسان الذي عطّل غاية وجوده وتنكّب عن عبادة الله! (يراجع مقال “حول الهوية الإسلامية” للمزيد من البيان، اضغط على الرابط: هنا).

2)                تؤمن هذه الأحزاب بأن الإسلام دين فردي”، بمعنى أنه دين شعائري أخلاقي، والإيمان عندهم علاقة بين العبد والرب محلّها القلب! وهذا تصوّر باطلٌ لا شكّ في بطلانه لما بيّنّاهُ في مقدمة المقال هنا، ولكون هذه القوله في وصف الدين قولة “مستوردة” جاءت من ظروف أخرى هي ظروف أوروبا مع دينها الكنسي المحرّف، تختلف ملابساتها عن ملابسات ظروف الأمة الإسلامية وتجربتها مع الدين، وهذه الأحزاب هي بمثابة القرد الذي يقلّد ما عند الآخر دون أن يفكر إذا ما كان هذا الذي عند الآخر يصلح له أو يلائمه أو ينطبق على ظروفه! ومتابعة هذه الأحزاب في هذا التصور “الفردي” للدين يساهم في عزل الدين عن فاعليته في واقع الحياة كمنهج حياة شامل للإنسان، فينحصر في المساجد ولا يعطى مكانته الطبيعية في تفعيل السلوك البشري وفق الضوابط الشرعية. (يراجع مقال “ما بعد الحداثة: من العقل إلى الوحي” بجزئيه على الروابط: الجزء الأول، الجزء الثاني).

3)                تمارس هذه الأحزاب نشاطات وفعاليات فيها “اختلاط”، والاختلاط محرّم في الإسلام بدليل القرآن والسنة والإجماع، ولا يمكن للمسلم مشاركة هذه الأحزاب دون الوقوع في شيء من هذا الاختلاط، ومن ثم الوقوع في المعصية. ومن أدلة حرمة الاختلاط:

-       من القرآن: قوله تعالى: “قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ” (النور: 30). ولا يتحقّق غض البصر مع اختلاط الرجال والنساء في المحافل والمناسبات والحفلات، وخاصة تلك التي تقوم بها هذه الأحزاب!

-       من السنة: “عن أم سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنْ انْصَرَفَ مِنْ الْقَوْمِ”. رواه البخاري رقم (793(. “وعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ قَالَ نَافِعٌ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ” رواه أبو داود رقم (484) في كتاب الصلاة باب التشديد في ذلك”. وقد روى أَبو أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ (تَسِرْن وسط الطريق) عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ. رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه باب : مشي النساء مع الرجال في الطّريق .

-       الإجماع: أجمع الثقات من علماء المسلمين في القديم والحديث على حرمة اختلاط الرجال مع النساء

-       ملاحظة: الاختلاط المفروض على المسلم في المجتمع الذي يعيش فيه لا يعني قبول المسلم له، إنما هو مفروض لأن المسلم لا يمكنه أن يعيش حياته بشكل طبيعي إلا إذا وقع في شيء منه، وللعلماء كلام في ذلك فيراجع.

وخلاصة الأمر أن المسلم الملتزم، العابد لله عزّ وجلّ، والفاهم لدينه، لا يمكن بحال أن تنطلي عليه قولتهم بأنّه “يمكنه أن يكون ملتزمًا بالشرع وأن يكون في ذات الوقت مشاركًا في نشاطات هذه الأحزاب ومتابعًا وداعمًا لها”! إن “المسلم كيّس فطن”، ويستوجب ذلك أن يكون دارسًا لمفاهيم دينه وعالمًا بالحلال والحرام بالقدر الذي يحتاجه في حياته.. هذا الفهم لدينه يطلِعُهُ على انحرافات هذه الأحزاب.. والمسلم مخيّر بعد ذلك؛ إما أن تكون معرفته بانحرافاتها دافعًا له على الإعراض عنها والإقبال على طريق الله.. أو أن تكون معرفة باردة غير متصله بسلوكه.. فيقع حينئذٍ في التناقض المعيب والتبعيّة المقيتة لعواطفه دون وعي منه أو إدراك! ونحن نريد له أن يختار طريق الله.. والغافلون يشدونه إلى طريق الضلال: { أفمن يمشي مكبًّا على وجهه أهدى أمّن يمشي سويًّا على صراط مستقيم؟! }.

.

شريف محمد جابر

9.11.2010

حيفا

.


إذا أعجبك المقال يمكنك نشره للأصدقاء عن طريق الضغط على رابط “فيس بوك” أو “تويتر” في الأسفل.