.
اللغة الهجينة: أسباب الولادة وعوامل الإجهاض
.
موضوع التحدث باللغة العربية “المحكية” بدلا من استخدام الألفاظ والمصطلحات والتراكيب العبرية أو الإنجليزية هو موضوع طالما تحدثنا به، وكنت دائمًا أبحث عن سبب تحدُّثنا بالألفاظ العبرية أو الإنجليزية بدلا من العربية. لأن اليقين يملأ نفسي بأن البحث عن السبب أو الأسباب الأولى التي تؤثر في ولادة هذا “التهجين” هو الخطوة الأولى في إيجاد الحلول الناجعة لرأب هذا الصدع الحاصل في أحاديثنا وحواراتنا. كما أنّنا حين نريد إصلاح سلوك فاسد معيّن نبحث عن “المفهوم الفاسد” الذي أنتج هذا السلوك. وحينها تكون عملية “تصحيح المفاهيم” هي مبدأ تحركنا، بعد أن نكون قد درسنا بشكل موضوعي عميق المفاهيمَ التي تؤثر على هذا السلوك بشكل مباشر.
والحديث باللغة الهجينة هو سلوك “منحرف” إن صحّ التعبير، نقع فيه جميعنا على درجات مختلفة لأسباب عدّة في الحقيقة:
منها أننا أقلية ثقافية ولسانية تعيش داخل مجتمع ثقافتُه ولسانُه مغايران لها، وهو مجتمع “مهيمن” يشكّل محور النشاط السياسي والاجتماعي والإعلامي وغيرها من النشاطات الجماعية في الدولة، مما يؤثر بأن يكون هو محور الاهتمام وهو – نتيجة لذلك – التيار العارم الغالب الذي يرسُم ملامح الأشياء ثقافيًا ولسانيًا. وهذا العمق اللساني والثقافي المغاير يحيط (بسبب قوة التأثير) بالأقليات الثقافية واللسانية التي تَنبَهِمُ شخصيتها به شيئًا فشيئًا حتى تفقد الكثير من ملامحها ومنها “الملامح اللسانية الأصيلة”.
إننا نفتقد لهوية “أصيلة” واضحة غير مائعة، فوجود هذه الهوية الأصيلة يعتبر “العامل الأول” في مقاومة تسرّب المعطيات الثقافية الدخيلة بمختلف أنواعها؛ فكرية كانت أم لسانية. والهوية الأصيلة الكفيلة بإيجاد هذا “الردع” هي الهوية الإسلامية، لأنها عبارة عن: محور استقطاب قيميّ يجمع الأمة، بالنسبة للجماعة، وبالنسبة للأفراد: هي مجموعة من القيم ترفع فاعليات الفرد وروحه المعنوية وتُعمّق من إسهاماته في مجتمعه وتفاعله مع بيئته، مع استقرار شخصيته وقوتها واستقلالها، أي تعطيه بناء فرديًا متماسكًا. هذا البناء المتماسك، وهذا التوجه لمحور واحد في الانتماء هو خير دافع للمسلم على نهل الثقافة الإسلامية والتفاعل في الحياة على أساسها والتعامل مع الأشياء والأحداث والتجارب بناء على معطيات هذه الثقافة.
وقبل أن نسهب قليلا في كيفية القضاء على اللغة الهجينة ببعث الهوية الإسلامية نحبّ أن نقول كلمات موجزة عن الهويّات (أو ما يُتوهّم أنه هوية) التي لا زلنا حتى اللحظة ننادي بها من دون وعي بأنها هويّات “مبهمة” “شوهاء” لا تستطيع أن تقوم بما تقوم به الهوية الإسلامية من تأثير عميق على النفس البشرية ينبع من احتوائها على رصيد كبير وشامل من “القيم” التي تتكامل فيها “المنطلقات” و”الأهداف” و”المعايير”، بينما تفتقر الهويات المزعومة (كالقومية العربية والفلسطينية) إلى هذا التكامل في القيم، بل إنها (علميًا) لا تحمل أي رصيد من “القيم” يمكن الإشارة إليه! كونها أولا هويات مائعة لا تنبثق عنها قيم واضحة تحدّد “الأهداف” الإنسانية و”المعايير” و”المنطلقات”، وكونها ثانيًا مجرّد عنصر من الثقافة الإسلامية (في حالة “اللغة العربية”) أو توصيفًا للموطن الذي يولد الإنسان ويعيش فيه (في حالة “الفلسطينية”). والعربية (كعنصر أصيل من عناصر الثقافة الإسلامية) مجرد وعاء للفكر لا ينطوي (لوحده) على أية مفاهيم أو قيم، وإذا زعمنا له ذلك لم تكن هذه المفاهيم في الحقيقة نابعة من “العربية” كلغة، إنما من بنات أفكارنا أو إفرازات اجتماعية تتشكل بحسب الواقع نزعم لها أنها “قيم عربية” أو “تقاليد عربية”. وفي هذه الحالة المائعة – مع اختلال الموازين – تفتقد هذه الهوية فاعليّتها في إيجاد التمحور الأصيل الفاعل في الحفاظ على الثقافة واللسان (الذي هو عنصر من عناصر الثقافة).
والهوية الإسلامية تحوي في معطياتها تكاملاً ينبع من وجود “المنطلقات” و”الأهداف” و”المعايير” الواضحة والأصيلة.
فأما “المنطلقات”: فالإنسان الحامل لها قد حدّد موقفه من نفسه قبل تحديد موقفه من غيره: من هو؟ هذا الحسم في الهوية الذاتية هو الذي ينشئ المواقف الفعالة من أي قضيّة من قضايا مصيره ونهضته وحياته الكريمة، ومنها قضية “التغريب” الثقافي واللساني.
“الأهداف”: فإذا تحدّدت منطلقاته ووضحت، انتقل إلى الإجابة على السؤال: ماذا أريد؟ والمسلم المتشبّع في فهمه وممارسته لدين الله عزّ وجل يعلم أن “العبادة” هي الغاية الكبرى لخلقه كما تدلّه نصوص القرآن والسنة الحاسمة. فيتحرك في مجتمعه يعمّر الأرض بمقتضى المنهج الرباني، ويكون كل نشاط له وكل سلوك مسبوق بالسؤال: كيف يكون ذلك النشاط أو هذا السلوك عبادةً لله تعالى؟
“المعايير”: ويكون “المنهج الإسلامي” المتمثل بالنصوص القاطعة في الكتاب والسنة والإجماع، ومعطيات الاجتهاد المنضبط بأصوله هو السبيل لتحقيق هذه العبادة، أي الالتزام بطاعة الله عز وجل في الأعمال وفقًا لمنظومة الواجبات والمحرمات والمندوبات والمكروهات والمباحات.
إن التزام الهوية الإسلامية هو أولا: تحقيق لصفة الشرعية لشريحتنا الاجتماعية المسلمة، فمجرد الالتزام الفردي دون وجود الرابط الجماعي المشترك لا يحقّق لنا صفة الشرعية، وندرك ذلك من قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ) آل عمران: 103. فلم يقتصر على مجرد الأمر بالاعتصام بحبل الله، بل حدّد “حالة” الاعتصام، وهي: “جميعًا”. والتزام هذه الهوية هو ثانيًا: تحقيق لاستقرار “القيم” نفتقده في الانتماء والتبعية لهويّات هجينة على مجتمعاتنا وثوابتنا: (دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) الأنعام: 161.
فأين هذه الهويّات الهجينة من الهوية الإسلامية واحتوائها (في ما تستند إليه) على منظومة القيم “الثابتة” و “الأصيلة”؟! إنها – عدا عن كونها عصبيّات جاهليّة – نتاجٌ “هجين” هي الأخرى، كما هو حال “الألفاظ الهجينة” على لغتنا! فالنزعة القومية واعتبار اللغة “هوية” تجتمع الأمة وتنتمي إليها لم تظهر عند المسلمين إلا بعد الغزو الفكري والعسكري للعالم الإسلامي، وتأثر هذا العالم بنتائج ملابسات التاريخ الأوربي ونشوء الدولة القومية الحديثة في زمن مبكّر هناك. فكيف نطبّق – في انبطاحيّة كاملة وفي انعدام للوعي – هذه المفاهيم ونُبادر إلى تعميقها في نفوسنا وهي في الأصل مفاهيم “هجينة” نتجت في واقع مختلف من خلال تفاعل العقول البشرية مع ملابسات وأحداث خاصة بها.. ونترك الأصول الربانية التي حدّدت لنا عناصر الهوية المطابقة للفطرة البشرية؟! كيف جاز لنا ذلك؟!!
وبعد.. فهل لنا مناص إلا بإعادة بعث الهوية الإسلامية في نفوسنا نحن المسلمين؟ حتى نرأب الصدع الذي حلّ بثقافتنا ونحفظها من عوامل التفكك والتحلل والتغريب. وما دخول الألفاظ الهجينة في كلامنا المحكيّ إلا عبارة عن مظهر صارخ لضعف وضوح وفاعليّة هذه الهوية. وبالإضافة إلى ذلك نتخذ الوسائل والأساليب العملية في إيجاد البديل الذي غُيّبَ لفترة طويلة؛ البديل من الألفاظ العربية المحكية لتحل محلّ ما درج على ألسنتنا من ألفاظ هجينة عبرية كانت أو إنجليزية أو غير ذلك. ونعمل جميعًا بجديّة وفاعليّة على رفض الانبطاح أمام عملية التغريب الثقافي واللغوي وإيقاظ النفوس وتنبيهها من هذا الخطر الداهم.. فهذا من مقتضى أن نكون مسلمين في أيامنا..
وأحبّ قبل أن أختم كلامي أن ألفت النظر إلى سبب عدم تعرّضي للشرائح غير المسلمة في مجتمعنا، فقد اعتدتُ على ذلك في مقالاتي لأنّني أؤمن إيمانًا شديدًا بضرورة أن يكون الخطاب موجّها للكيان الاختياري في الإنسان، وخصوصًا الإنسان المسلم، لأن ذلك هو القضية الأهمّ والأثقل وزنًا إذا تيقّنا أن هذه الحياة ليست هي الحياة الحقيقيّة في الواقع، إنما الحياة الآخرة هي صاحبة الواقع الفسيح الكبير المؤثّر في النفس البشرية المؤمنة العابدة لله عزّ وجلّ. ولذلك كان المقال ضمن سلسلة (أن تكون مسلمًا في أيامنا) التي تعالج قضايا الهوية الانتماء وتفاعل النفس المسلمة في أيامنا مع الواقع المعاصر. ورغم كلّ ذلك فأنا أكنّ كل الرحمة لأي إنسان “مسالم” يعيش في مجتمعي، ولا أدعو إلى رفض التعامل والتعاون في “المشتركات” مع هذه الفئات غير المسلمة، بل أتعامل وأتعاون معها بما لا يميّعُ ثوابتي الشرعية بل وأدعوها إلى الإسلام وملء قلبي شعور عميقٌ بالرغبة في اهتدائها إلى طريق الله الذي لا طريق غيره تكون فيه النجاة في الدنيا والآخرة.
.

