Tag Archive | اللغة العربية

اللغة الهجينة: أسباب الولادة وعوامل الإجهاض

.

 

اللغة الهجينة: أسباب الولادة وعوامل الإجهاض

.

موضوع التحدث باللغة العربية “المحكية” بدلا من استخدام الألفاظ والمصطلحات والتراكيب العبرية أو الإنجليزية هو موضوع طالما تحدثنا به، وكنت دائمًا أبحث عن سبب تحدُّثنا بالألفاظ العبرية أو الإنجليزية بدلا من العربية. لأن اليقين يملأ نفسي بأن البحث عن السبب أو الأسباب الأولى التي تؤثر في ولادة هذا “التهجين” هو الخطوة الأولى في إيجاد الحلول الناجعة لرأب هذا الصدع الحاصل في أحاديثنا وحواراتنا. كما أنّنا حين نريد إصلاح سلوك فاسد معيّن نبحث عن “المفهوم الفاسد” الذي أنتج هذا السلوك. وحينها تكون عملية “تصحيح المفاهيم” هي مبدأ تحركنا، بعد أن نكون قد درسنا بشكل موضوعي عميق المفاهيمَ التي تؤثر على هذا السلوك بشكل مباشر.

والحديث باللغة الهجينة هو سلوك “منحرف” إن صحّ التعبير، نقع فيه جميعنا على درجات مختلفة لأسباب عدّة في الحقيقة:


منها أننا أقلية ثقافية ولسانية تعيش داخل مجتمع ثقافتُه ولسانُه مغايران لها، وهو مجتمع “مهيمن” يشكّل محور النشاط السياسي والاجتماعي والإعلامي وغيرها من النشاطات الجماعية في الدولة، مما يؤثر بأن يكون هو محور الاهتمام وهو – نتيجة لذلك – التيار العارم الغالب الذي يرسُم ملامح الأشياء ثقافيًا ولسانيًا. وهذا العمق اللساني والثقافي المغاير يحيط (بسبب قوة التأثير) بالأقليات الثقافية واللسانية التي تَنبَهِمُ شخصيتها به شيئًا فشيئًا حتى تفقد الكثير من ملامحها ومنها “الملامح اللسانية الأصيلة”.

إننا نفتقد لهوية “أصيلة” واضحة غير مائعة، فوجود هذه الهوية الأصيلة يعتبر “العامل الأول” في مقاومة تسرّب المعطيات الثقافية الدخيلة بمختلف أنواعها؛ فكرية كانت أم لسانية. والهوية الأصيلة الكفيلة بإيجاد هذا “الردع” هي الهوية الإسلامية، لأنها عبارة عن: محور استقطاب قيميّ يجمع الأمة، بالنسبة للجماعة، وبالنسبة للأفراد: هي مجموعة من القيم ترفع فاعليات الفرد وروحه المعنوية وتُعمّق من إسهاماته في مجتمعه وتفاعله مع بيئته، مع استقرار شخصيته وقوتها واستقلالها، أي تعطيه بناء فرديًا متماسكًا. هذا البناء المتماسك، وهذا التوجه لمحور واحد في الانتماء هو خير دافع للمسلم على نهل الثقافة الإسلامية والتفاعل في الحياة على أساسها والتعامل مع الأشياء والأحداث والتجارب بناء على معطيات هذه الثقافة.

وقبل أن نسهب قليلا في كيفية القضاء على اللغة الهجينة ببعث الهوية الإسلامية نحبّ أن نقول كلمات موجزة عن الهويّات (أو ما يُتوهّم أنه هوية) التي لا زلنا حتى اللحظة ننادي بها من دون وعي بأنها هويّات “مبهمة” “شوهاء” لا تستطيع أن تقوم بما تقوم به الهوية الإسلامية من تأثير عميق على النفس البشرية ينبع من احتوائها على رصيد كبير وشامل من “القيم” التي تتكامل فيها “المنطلقات” و”الأهداف” و”المعايير”، بينما تفتقر الهويات المزعومة (كالقومية العربية والفلسطينية) إلى هذا التكامل في القيم، بل إنها (علميًا) لا تحمل أي رصيد من “القيم” يمكن الإشارة إليه! كونها أولا هويات مائعة لا تنبثق عنها قيم واضحة تحدّد “الأهداف” الإنسانية و”المعايير” و”المنطلقات”، وكونها ثانيًا مجرّد عنصر من الثقافة الإسلامية (في حالة “اللغة العربية”) أو توصيفًا للموطن الذي يولد الإنسان ويعيش فيه (في حالة “الفلسطينية”). والعربية (كعنصر أصيل من عناصر الثقافة الإسلامية) مجرد وعاء للفكر لا ينطوي (لوحده) على أية مفاهيم أو قيم، وإذا زعمنا له ذلك لم تكن هذه المفاهيم في الحقيقة نابعة من “العربية” كلغة، إنما من بنات أفكارنا أو إفرازات اجتماعية تتشكل بحسب الواقع نزعم لها أنها “قيم عربية” أو “تقاليد عربية”. وفي هذه الحالة المائعة – مع اختلال الموازين – تفتقد هذه الهوية فاعليّتها في إيجاد التمحور الأصيل الفاعل في الحفاظ على الثقافة واللسان (الذي هو عنصر من عناصر الثقافة).

والهوية الإسلامية تحوي في معطياتها تكاملاً ينبع من وجود “المنطلقات” و”الأهداف” و”المعايير” الواضحة والأصيلة.

فأما “المنطلقات”: فالإنسان الحامل لها قد حدّد موقفه من نفسه قبل تحديد موقفه من غيره: من هو؟ هذا الحسم في الهوية الذاتية هو الذي ينشئ المواقف الفعالة من أي قضيّة من قضايا مصيره ونهضته وحياته الكريمة، ومنها قضية “التغريب” الثقافي واللساني.

“الأهداف”: فإذا تحدّدت منطلقاته ووضحت، انتقل إلى الإجابة على السؤال: ماذا أريد؟ والمسلم المتشبّع في فهمه وممارسته لدين الله عزّ وجل يعلم أن “العبادة” هي الغاية الكبرى لخلقه كما تدلّه نصوص القرآن والسنة الحاسمة. فيتحرك في مجتمعه يعمّر الأرض بمقتضى المنهج الرباني، ويكون كل نشاط له وكل سلوك مسبوق بالسؤال: كيف يكون ذلك النشاط أو هذا السلوك عبادةً لله تعالى؟

“المعايير”: ويكون “المنهج الإسلامي” المتمثل بالنصوص القاطعة في الكتاب والسنة والإجماع، ومعطيات الاجتهاد المنضبط بأصوله هو السبيل لتحقيق هذه العبادة، أي الالتزام بطاعة الله عز وجل في الأعمال وفقًا لمنظومة الواجبات والمحرمات والمندوبات والمكروهات والمباحات.

إن التزام الهوية الإسلامية هو أولا: تحقيق لصفة الشرعية لشريحتنا الاجتماعية المسلمة، فمجرد الالتزام الفردي دون وجود الرابط الجماعي المشترك لا يحقّق لنا صفة الشرعية، وندرك ذلك من قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ) آل عمران: 103. فلم يقتصر على مجرد الأمر بالاعتصام بحبل الله، بل حدّد “حالة” الاعتصام، وهي: “جميعًا”. والتزام هذه الهوية هو ثانيًا: تحقيق لاستقرار “القيم” نفتقده في الانتماء والتبعية لهويّات هجينة على مجتمعاتنا وثوابتنا: (دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) الأنعام: 161.

فأين هذه الهويّات الهجينة من الهوية الإسلامية واحتوائها (في ما تستند إليه) على منظومة القيم “الثابتة” و “الأصيلة”؟! إنها – عدا عن كونها عصبيّات جاهليّة – نتاجٌ “هجين” هي الأخرى، كما هو حال “الألفاظ الهجينة” على لغتنا! فالنزعة القومية واعتبار اللغة “هوية” تجتمع الأمة وتنتمي إليها لم تظهر عند المسلمين إلا بعد الغزو الفكري والعسكري للعالم الإسلامي، وتأثر هذا العالم بنتائج ملابسات التاريخ الأوربي ونشوء الدولة القومية الحديثة في زمن مبكّر هناك. فكيف نطبّق – في انبطاحيّة كاملة وفي انعدام للوعي – هذه المفاهيم ونُبادر إلى تعميقها في نفوسنا وهي في الأصل مفاهيم “هجينة” نتجت في واقع مختلف من خلال تفاعل العقول البشرية مع ملابسات وأحداث خاصة بها.. ونترك الأصول الربانية التي حدّدت لنا عناصر الهوية المطابقة للفطرة البشرية؟! كيف جاز لنا ذلك؟!!

وبعد.. فهل لنا مناص إلا بإعادة بعث الهوية الإسلامية في نفوسنا نحن المسلمين؟ حتى نرأب الصدع الذي حلّ بثقافتنا ونحفظها من عوامل التفكك والتحلل والتغريب. وما دخول الألفاظ الهجينة في كلامنا المحكيّ إلا عبارة عن مظهر صارخ لضعف وضوح وفاعليّة هذه الهوية. وبالإضافة إلى ذلك نتخذ الوسائل والأساليب العملية في إيجاد البديل الذي غُيّبَ لفترة طويلة؛ البديل من الألفاظ العربية المحكية لتحل محلّ ما درج على ألسنتنا من ألفاظ هجينة عبرية كانت أو إنجليزية أو غير ذلك. ونعمل جميعًا بجديّة وفاعليّة على رفض الانبطاح أمام عملية التغريب الثقافي واللغوي وإيقاظ النفوس وتنبيهها من هذا الخطر الداهم.. فهذا من مقتضى أن نكون مسلمين في أيامنا..

وأحبّ قبل أن أختم كلامي أن ألفت النظر إلى سبب عدم تعرّضي للشرائح غير المسلمة في مجتمعنا، فقد اعتدتُ على ذلك في مقالاتي لأنّني أؤمن إيمانًا شديدًا بضرورة أن يكون الخطاب موجّها للكيان الاختياري في الإنسان، وخصوصًا الإنسان المسلم، لأن ذلك هو القضية الأهمّ والأثقل وزنًا إذا تيقّنا أن هذه الحياة ليست هي الحياة الحقيقيّة في الواقع، إنما الحياة الآخرة هي صاحبة الواقع الفسيح الكبير المؤثّر في النفس البشرية المؤمنة العابدة لله عزّ وجلّ. ولذلك كان المقال ضمن سلسلة (أن تكون مسلمًا في أيامنا) التي تعالج قضايا الهوية الانتماء وتفاعل النفس المسلمة في أيامنا مع الواقع المعاصر. ورغم كلّ ذلك فأنا أكنّ كل الرحمة لأي إنسان “مسالم” يعيش في مجتمعي، ولا أدعو إلى رفض التعامل والتعاون في “المشتركات” مع هذه الفئات غير المسلمة، بل أتعامل وأتعاون معها بما لا يميّعُ ثوابتي الشرعية بل وأدعوها إلى الإسلام وملء قلبي شعور عميقٌ بالرغبة في اهتدائها إلى طريق الله الذي لا طريق غيره تكون فيه النجاة في الدنيا والآخرة.

.

حول موضوع الهوية الإسلامية وكون العربية ليست هوية يمكن التوسع في المقال: “حول الهوية الإسلامية”.

.

15.12.2010

حيفا

شريف محمد جابر

أن تكون مسلمًا في أيامنا (حول الهوية الإسلامية)

(من مظاهر الانحطاط الفكري في مجتمعاتنا!)

.

 

(هذا المقال من سلسلة مقالات “أن تكون مسلمًا في أيامنا”)

.

حول الهوية الإسلامية

.

هوية أمة من الأمم هي: الصفات الذاتية التي تميّزها عن غيرها و مجموعة المفاهيم التي تشكّل محور الاستقطاب والانتماء لها. هي التي تجيب على الأسئلة الجوهرية لها: من نحن؟ وماذا نريد؟ وكيف نحقّق ما نريد؟ إنها بطبيعة الحال عبارة عن “المنطلقات الفكرية” التي تجتمع عليها الأمة. وقد نشأت الأمة الإسلامية على منطلقات فكرية خاصة مرجعيّتها “الإسلام”[1]. وكان لا بدّ من أن تكون هويّتها التي يتمحور أبناؤها حولها وتشكل لهم آفاقهم العليا وغاياتهم هي “الإسلام”. على اعتبار أنه دين شامل يعطي الإجابات الشافية على أسئلة الفطرة الإنسانية ويحدّد بناء على ذلك منهج الحياة البشرية. تلك بديهيّة لا يتطرّق إلى الشكّ بصحتها عقلٌ مسلم فهمَ دينه بصورة صحيحة. ولكنّنا بُلينا بعد مراحل الانحطاط الفكري للأمة الإسلامية وتسرّب المفاهيم التغريبية إلى عقول أبنائها بأمراض كثيرة منها فقدان الهوية وتشتت الانتماء.

لقد ابتليت الأمة بدعاة يريدون جعل “العربية” هوية في مفاهيم الناس، وانتماءً يستقطب أفكارهم ومشاعرهم! وكانت تلك الدعوة عبارة عن تأثرات واضحة – لا ينكرها دارس للتاريخ الحديث – بالمدنية الحديثة التي نشأت في أوروبا بعد نشوء الدول هناك على أساس قوميّ لأسباب وملابسات تاريخية خاصة بأوروبا لا يتسع المجال لبحثها في هذا المقام[2].

ونحن نرفض أن تكون “العربية” هوية وانتماءً بالنسبة للمسلم لأسباب عديدة. ولكن قبل أن نذكر الأسباب نحبّ أن نوجّه الأنظار إلى مكانة العربيّة اللائقة بها في حسّ المسلمين.

العربيّة عبارة عن “لغة” نتمسّك بها ونحافظ عليها بجهد جهيد لكونها لغة “الدين” الأخير الذي نزل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والذي توجّب على البشر اتباعه ليكونوا محقّقين لغاية وجودهم الإنساني على هذه الأرض. فالحفاظ عليها حفاظ على “فهم” النصّ الإسلامي، وهو بالتالي حفاظ على أهم نعمة يهتم المسلم بها في هذه الحياة.. نعمة الإسلام.. منهج الحياة البشرية الذي – عن طريقه وحده – يمكن للإنسان أن يقوم بواجب “العبودية” لله عزّ وجل.. غاية وجوده الإنساني. قيمة العربية إذًا كبيرة وخطيرة لتعلّقها بأكبر قيمة للإنسان على وجه الأرض: “العبودية” أو بكلمات أخرى “غاية الوجود الإنساني”! ولذلك بذل المسلمون منذ ظهور الإسلام الجهود الكبيرة في الحفاظ على العربية ورفع مكانتها وتدوين قواعدها وأصولها. وكانت من أعجب ظواهر التاريخ ظاهرة تحوّل شعوب بأكملها للتحدّث بالعربية ونسيان لغاتها الأصلية لارتباط العربية بفهم دين الله عزّ وجل (النص القرآني على وجه الخصوص) وعظم مكانتها – تبعًا لذلك – في نفوس أبناء هذه الشعوب!

تلك مكانة “العربية” اللائقة بها في الواقع التاريخي للأمة الإسلامية وكما ينبغي لها أن تكون في واقعها المعاصر. ونحن نرفض أن تتجاوز العربية هذه المكانة اللائقة بها لأسباب عديدة في الحقيقة.. منها ما هو “موضوعي” ومنها ما هو “إنساني” ومنها ما هو “شرعي”.

.

سبب موضوعي:

اللغة – كما هو معروف – وعاء الفكر. ولا يمكن بحال من الأحوال للغة وحدها أن تشكل “القيم الفكرية”، إنما تتشكل القيم الفكرية بداخل هذا الوعاء الذي هو اللغة. فالنص القرآني – على سبيل المثال – يحوي قيمًا فكريّةً تتشكّل باللغة العربية، ومصدر هذه القيم الفكرية ليس هو اللغة العربية إنما هو “الوحي”. فلا يمكننا أن نزعم بعد ذلك أن اللغة هي مصدر هذه القيم كما هو واضح لكل ذي عقل! وبناء على ذلك لا يمكن أن تكون اللغة هي “الهوية” لأمة من الأمم، لأن الهوية مفهوم يتضمّن “القيم” أو “المفاهيم” التي تشكل محور استقطاب الأمة وانتماءها، والعربية – كلغة – لا تحمل كما أسلفنا – بذاتها – أية قيمة يمكن أن تشكل محور استقطاب الأمة وانتماءها! وها هم العرب في جاهليتهم قبل مجيء الإسلام.. هل كانت العربية هوية مشتركة تجمعهم؟ التاريخ يقول إنهم على الرغم من وحدة اللغة لم يتجمعوا تحت انتماء واحد ولم تستقطب عقولهم ومشاعرهم مفاهيم واحدة تشكّل منهم أمة واحدة! لقد كانوا – على الضد من ذلك – قبائل متناحرة متنابذة تدور بينها الحروب وتشكل العصبية القبلية – لكل قبيلة – محورَ الاستقطاب والانتماء. وكان العنصر الذي دخل عليهم ودفعهم إلى تكوين “أمة” تستقطبها مفاهيم موحدة تحدد انتماءها هو “الإسلام”. تلك حقائق لا يجادل فيها إلا مغالط! فكيف نريد للعربيّة – وهي مجرّد لغة – أن تكون محور الاستقطاب والانتماء وهي – بذاتها – لا يمكن أن نستقي منها المفاهيم والقيم ولا يمكن أن تحدد لنا وجهة أو ترسم لنا أهدافًا نتطلع إليها كأمة؟ العربية محور اهتمام له حجمه الطبيعي “الموضوعي” الذي يليق به.. وينبغي لنا أن نلبسها ثوبًا على قدّها لأن إلباسها الثوب الفضفاض يشكّل “أزمة موضوعية” تتمثّل بتحوير مفهومها “كلغة” وافتقادها – بذاتها – إلى “القيم” و”المفاهيم” التي يمكن أن تجعل منها “هوية” أو “انتماء”!

.

سبب إنساني:

ولسبب إنساني كذلك نرفض أن تكون العربية هي الهوية وهي الانتماء.. إنها “عنصرية” أن يحدد الإنسان انتماءه وهويته بحسب “اللغة الأم” أو “الأصول القومية”. لأن “العنصر” في عرف الخامات الطبيعية تقابله كلمة “القومية” في عرف المجتمعات البشرية!

إن قضية “القوم” أو “اللغة الأم” هي قضايا “جبرية” وليست قضايا “اختيارية”. أي إن الإنسان لا يكون مخيّرًا في تحديد تلك الأمور إنما هي أمور لاصقة بالوراثة أو بتأثير الظروف المحيطة بنشأة هذا الإنسان. فأية عنصرية تلك في أن تكون الأمور الجبرية التي لا يد للإنسان فيها هي التي تحدد انتماءنا إليه وتقييمنا له؟[3] إنّ تحديد الانتماء والهوية بواسطة الكيان “الجبري” في الإنسان هبوط إلى حمأة من الطين والحيوانية ليس بعده هبوط! فما الفرق بين ذلك وبين الحيوانات التي تجمعها رابطة القطيع أو سياج الأرض؟!

إن الإنسان كائن سامق رفيع كريم يتفرّد عن سائر الكائنات بكيانه “الاختياري”. ومن هنا كان تحديد الهوية والانتماء بواسطة هذا “الكيان الاختياري” تحديدٌ يليق بقيمة الإنسان الرفيعة السامقة الكريمة! والكيان الاختياري للإنسان هو عقيدته وسلوكه الذي هو مقتضيات هذه العقيدة. سواء كان هذا السلوك هو أعمال القلوب الباطنة أو أعمال الجوارح الظاهرة. إن إنسانية الإنسان تقتضي أن يكون تقييمنا للإنسان وانتماؤنا إليه بحسب “اختياراته” الفكرية والعملية.. لا أن يكون بحسب أمور لا يد له فيها ولا اختيار! وبناء على ذلك فالإنسان المؤمن المسلم الخاضع لله في عقيدته وفي سلوكه هو الإنسان الذي ننتمي إليه بكل كياننا الاختياري ونتوجه إليه بمشاعر القربى ومشاعر الوحدة. لأن قضية الإيمان والإسلام هي القضية الكبرى بالنسبة للإنسان على وجه الأرض.. إنها العبودية لله وحده.. تحقيق غاية الوجود الإنساني. وكونها القيمة الأعلى والأسمى والأكبر للوجود الإنساني تجعلها – بداهة – القيمة التي تحدّد الانتماء وتحدد الهوية!

.


قضية الإسلام أولاً ومفهوم الدين:

إنّ دين الله ليس مجرّد شعور قلبي لا دليل على صحته تصحبه بعض التوجيهات والأخلاق والشعائر! وليس أمرًا “جبريًّا” نرثه من الآباء والأجداد! تلك الصورة الباهتة البدائية لست هي دين الله على وجه الإطلاق! إنه منهج الحياة بالنسبة للإنسان، والذي وضعه له هو خالقه. المنهج الذي من دون الإيمان به واتباعه يعطّل الإنسان غاية وجوده على هذه الأرض. والإنسان مع ذلك “مخيّر” في اتباعه أو التنكّب عن ذلك. فهي قضية عظيمة جدًا بل أعظم قضية يجب أن تشغل بال الإنسان على اعتبار أن هذه الدنيا هي دار اختبار وليست دار قرار. وأن الدار الآخرة هي القرار الأخير لكل البشر. وأنها هي الحياة الحقيقية للبشر وليست الدنيا مطلوبة لذاتها.. تلك المفاهيم هي التي تصحّح الميزان الذي يقيّم به الإنسان قضايا الحياة. فالقضايا “الأرضية” المرتبطة بالدنيا وحدها أقل قيمة – من ناحية موضوعية بحتة – من القضايا المرتبطة بالآخرة، لأن قيمة الآخرة أكبر من قيمة الدنيا، بل لا مجال للمقارنة! فما بالُنا بالأساس الذي يحدّد موقف الإنسان في عالم الآخرة وهو “العبودية لله وحده”؟

بهذه النظرة ينظر الإنسان – كل إنسان – إلى قضية العبادة على أنها أهم قضية في الوجود: “وما خلقتُ الجنّ والإنس إلا ليعبدون” (الذاريات: 5). وأنها قضية “اختيارية”: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا” (الشمس: 7 – 8 ). وهذه العبادة لا يمكن أن تتحقّق خارج دين الله الأخير الذي ارتضاه للبشر. لأن العبادة معناها الطاعة، وطاعة الله تكون باتباع منهجه للحياة وهو – في صورته الأخيرة – الإسلام: “وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله” (النساء: 64)، “وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون” (سبأ: 28). والإسلام هو الخضوع لله عزّ وجل.. وكما يخضع الكون كلّه لله عزّ وجل بإرادة الله فكذلك أليس من الأحرى بهذا الإنسان أن يكون متناسقًا مع حركة الكون أم أن يكون متنافرًا معها؟

ومن هنا فالإسلام تصور فسيح لا يُدخل الإنسان إلى دوائر “جبرية” مغلقة يتعامل من خلالها ويعيش. بل يطلقه إلى فضاء رحب يشعر فيه المسلم بأنه في توازن تام مع حركة الكون الخاضعة لله حينما يخضع هو لله وينتمي إليه.. ويحدد بناء على ذلك انتماءه للناس وفق ما اختاروه هم من انتماء لله عن طريق العبودية له وحده أو تنكّب عن عبادته وانتماء إلى الأهواء ومشاغل الدنيا! فإن كانوا قد عرفوا وضعهم اللائق بهم بأن يكونوا خاضعين لمنهج الله خالقِهم حينها يكون هؤلاء باختيارهم النبيل غير المستكبر عن عبادة الله هم الناس الذين ينتمي إليهم المسلم.. على اختلاف قومياتهم وأوطانهم.. إذ يرتفع المسلم عن كل عامل أرضي جبري إلى عوامل الاختيار المتمثلة بالعبودية لله عزّ وجلّ وحده!

.


ردّ شبهة الطائفيّة:

وأما الآخرون الذي رفضوا عبادة الله عن طريق المنهج الذي ارتضاه لكل البشر (الإسلام) فالمسلم يتعامل معهم بأخلاق دينه الحنيف، فيشعر بالرحمة تجاههم اقتداءً بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: “وما أرسلناكَ إلا رحمة للعالمين” (الأنبياء: 107). ويعاملهم بالبر والعدل طالما كانوا مسالمين ولم يكيدوا له ويحاربوه في عرضه ودينه: “لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الممتحنة: 8 ). هذا بالنسبة للتعامل.. أما بالنسبة للانتماء فهم قد رفضوا الانتماء إلى الله بعبادته وحده، لأنهم رفضوا اتباع منهجه للحياة. فالمسلم أمام حقيقة موضوعية تتمثّل في رفض هؤلاء الانتماء إلى ما ينتمي إليه فكيف ينتمي إليهم؟! إنهم في حسّه مرتكبون لجريمة كبرى، وأية جريمة أكبر من التنكّب عن طاعة الله عزّ وجل الخالق الكريم المنعم المتفضّل على البشر بنعمة الخلق والإيجاد والرعاية؟! “وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون” (الأنعام: 124).  إنها الغاية العظمى للبشر في تلك الحياة.. أي إنها أخطر قضية في الوجود وأهم قضية! وكما تُقيَّم الجريمة في عرف القانون بحسب خطرها وعظم أمرها، فإن الجريمة الكبرى التي يمكن أن يرتكبها بشر على الإطلاق هي رفض طاعة الله والاستكبار عن اتباع رسله. وهي المسماة في الشرع “الكفر”. والنظرة الموضوعية لمدلول كلمة “الكفر” المتجاوزة لمجرد الفزع من وقع جرسها كفيلةٌ بتصور قضية الكفر دون إنشاء حزازات في النفس. فاعتباري غير المسلم “كافرًا” لا يعني أنني سأشتمه أو أعنّفه أو أسيء إليه! إنما هو موقف “شعوري” اتخذه (ومن حقي) – كمسلم عابد لله عزّ وجل – تجاه من استكبر على عبادة الله ورفض اتباع رسله باعتبار ذلك هو غاية وجوده الإنساني! وأما التعامل فكما بيّنتُ يكون بالأخلاق الإسلامية وبالبر والقسط وبشعور الرحمة تجاه جميع البشر! والمسلم بعد ذلك يدعو هؤلاء إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. يدعوهم إلى الانتماء إلى الله عن طريق عبادته وحده دون شريك من الأهواء أو الأصنام أو المعتقدات الفاسدة! يدعوهم بشعور الرحمة والإشفاق من تبديد هذا الكيان الإنساني الكريم وهو قادر “مخيّر” في أن يكون كريمًا مرتفعًا بالانتماء إلى الله وعبادته وحده بالمنهج الذي ارتضاه للبشر.. بهذا الشعور النبيل يتوجه المسلم إلى غير المسلمين بحيوية وإشراق وشعور الرحمة والعطف.. ولسان حاله يقول: “إنتماؤكَ إلى الله ارتفاعٌ إليه”! فأيّة رفعة وأيّ سموق وأيّة كرامة تلك التي يمتلكها المسلم بين جنبيه ويريد للبشرية – بشعور الشفقة والعطف – أن تمتلكها هي أيضًا؟!

.

سبب شرعي:

وبعدُ، فالقضية في أساسها بالنسبة للمسلم قضيّة شرعيّة قطعيّة لا يملك أن يتنازل عنها بحال من الأحوال:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78). (الحج: 77 – 78).

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (109) كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110). (آل عمران: 100 – 110).

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : “هذا كتاب من محمد النبي – صلى الله عليه وسلم – بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس“. (السيرة النبوية لابن هشام).

وقال – صلى الله عليه وسلم – : “المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم”. (أخرجه النسائي).

.

23.9.2010

شريف محمد جابر

عكا


[1] يرجى مراجعة سلسلة المقالات تحت عنوان “المنطلقات الفكرية في الإسلام” في مدونة أضواء والتي بدأتُ فيها وأنوي إكمالها بإذن الله.

[2] يرجى مراجعة مقال “ما بعد الحداثة – من العقل إلى الوحي” بجزئيه في مدونة أضواء.

[3] ينطبق الأمر على نزعة “الوطنية” ولكن المقام هو مقام الحديث عن النزعة القومية العربية.