Tag Archive | النهضة

الطريق الطويل

.

الطريق الطويل

.

(المصدر: مقال تم نشره في “المركز العربي للدراسات والأبحاث”: الرابط)

.

لن يستطيع المسلمون استئناف حياتهم الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة طالما بقيت بلادهم خاضعة لهيمنة الصليبية العالمية أو ما يسمى “بالشرعية الدولية”، وإن الخروج من هذه الهيمنة لن يكون طريقه “الانقلابات العكسرية” التي تفاجئ الجميع فتعلن “الخلافة الإسلامية” أو “تطبيق الشريعة” في ظل افتقار هذه البلاد للمقومات الطبيعية اللازمة لنشوء دولة تصمد أمام أقرب التحدّيات.

كما أن الطريق من جهة أخرى لن يكون هو تقديم التنازلات والسير خطوات مع الجاهلية للالتقاء في منتصف الطريق؛ حيث يتمّ إضفاء “الشرعية” على الأوضاع العلمانية والانصهار فيها على اعتبار أن رؤساءها أصبحوا “مسلمين” أو “إسلاميين” بعد أن كانوا “علمانيين”!

 

فالعبرة ليست فقط في عقيدة الأفراد الذين هم على رأس النظام، إنما هي كذلك في طبيعة النظام الذي يحكم، وطبيعة الأوضاع التي تهيمن على حياة المسلمين، فلا شرعية للدولة المدنية الحديثة بنظمها ومبادئها، ولا شرعية لمبدأ المواطنة وغيره من المبادئ المجافية للوضع الإسلامي الشرعي الصحيح، والطريق للخروج من شرعيات “الضرورة” إلى شرعيات “الاستقرار” (خلافة راشدة على منهاج النبوة) هو ذات الطريق الذي سلكه محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الكرام، فلقد ربّى عليه الصلاة والسلام “الصفوة” القيادية التي عاشت مفاهيم الإسلام واقعا في ذوات أنفسها، ثم وجد – عليه الصلاة والسلام – بإذن ربّه “القاعدة الشعبية” البشرية التي تؤمن بالمنهج الإسلامي وتسلم نفوسها إلى الله بعد جهد من التربية على مقتضيات هذا الدين، وبعد امتلاك “القوة” أو “الشوكة” التي تؤهّل لإقامة شرع الله في بقعة من الأرض.

 

والطريق اليوم إلى إعداد هذه القواعد الشعبية القويّة الواعية التي ستتكفّل بإنشاء “الواقع الإسلامي” هو طريق مجهد طويل، هذا الطريق المجهد الطويل هو الذي لا تحبّه الكثير من الحركات الإسلامية المعاصرة، فإما أن تلجأ إلى الاندماج مع الأوضاع العلمانية والالتقاء معها في منتصف الطريق، ومن ثمّ يكون الرضا بواقع علماني أقل تطرّفا وأكثر تمسّحا بالإسلام هو طريق الخلاص! وإمّا أن تبحث عن فرصة تنقلب فيها على الأوضاع دون أن تمتلك على أرض الواقع “قواعد شعبية” تكون سندا لها في الحفاظ على الحكم الإسلامي حين يقوم، ودون امتلاك “القوة” اللازمة لحماية هذا الحكم، فليس المنشود هو تطبيق الشريعة على أي جزء من الأرض كيفما اتفق، إنما المنشود هو إقامة الوضع الإسلامي الصحيح الذي يجمع المسلمين مرّة أخرى تحت ظلال الشريعة كما وعد المصطفى صلى الله عليه وسلم: “ثمّ تكون خلافة على منهاج نبوة” (الألباني، تخريج مشكاة المصابيح، إسناده حسن).

 

وأعجبُ من المتأثّرين بالواقع الذين يرون في استبدال المعايير العالمية التي تحكم جميع الدول نوعا من “التطرّف”! إذ يرون في رفض مبادئ: المواطنة والقومية والدولة المدنية العلمانية..إلخ يرون في رفض مبادئ الدولة الحديثة هذه أمرا خياليّا بعيدا عن الواقع.

 

وإنني لأحسب أن هؤلاء يرون الصورة بهذا الشكل بسبب النظرة القريبة المحدودة التي ينظرون بها إلى الأوضاع في العالم، فلو أنّهم تذكّروا أن هذه المبادئ لم يتجاوز عمر بعضها أكثر من مائة عام في بلاد المسلمين، وأنّها قبل ذلك كانت مستهجنة كما يستهجنون هم اليوم الدعوة إلى قلب المعايير العلمانية والعودة إلى مفاهيم “شرعية الوضع” و “شرعية الحكم” في الإسلام! وأنها ما رسخت في بلاد المسلمين من دون “دعوة” بين الناس قادَها مفكرون و”علماء” وقادةٌ ومدسوسون ومستغفلون، ومن دون “تربية” للعقلية المسلمة عبر العقود على تقبّل هذه المفاهيم وكأنها هي “الأمر الواقع” الذي لا مفر منه.. فلو أنّهم تذكّروا كلّ ذلك ماذا عساهم قائلون؟!

 

إنّ المشكلة فيما أحسب عند هؤلاء تكمن في إضفاء الشرعية على (الأمر الواقع)، باعتباره (حتميات تاريخية) لا يمكن التنكر لها، وهم في هذا قريبون من التفكير العلماني الذي يرى في دولة المواطنة المدنية الحديثة بشكلها العصري أمرا غير قابل للتجاوز!

 

وأقول لهؤلاء: ألم تقم الثورة الفرنسيّة بفرض القيم الديمقراطية وقيم الدولة المدنية الحديثة بعد عقود طويلة من النشاط الذي قام به مفكرون وعلماء ونشطاء ومربون يدعون إلى هذه المفاهيم التي كانت غريبة على “الواقع” الموجود آنذاك، وبعد جهد كبير من التضحيات في سبيل تحقيقها؟ ثمّ ألم ينجح هذا الحراك المجهد الطويل في إحداث التغيير المنشود لديهم وقلب المعايير التي كانت في يوم ما هي الواقع الثقيل المعهود؟! فما بالنا نتنكّر لقيم الإسلام الأصيلة حين تطرحها الدعوة وتواجه بها المفاهيم العلمانية الدخيلة على فكر الأمة؟ ما بالنا لا ننظر إلى المستقبل المشرق البعيد كما ننظر إلى الواقع الفاسد القريب؟ ما بالنا نجعل من “الواقع” منطلقا في “التفكير” بدلا من جعله منطلقا “للتغيير”؟!

 

كنتُ قد خلصتُ إلى تعريف عامّ للنهضة في مقالي “معالم النهضة الإسلامية” على أنّها: عملية تحرّر من حالة راهنة غير مرضية إلى حالة منشودة وفق مفاهيم الأمة التي تطلب النهوض.

 

فلئن كان هذا هو المعنى العام للنهضة كان بديهيّا أن يصبح (ما ينبغي أن يكون) هو منطلق “التغيير”، وليس (ما هو كائن). فإذا كان اعتبار الواقع المطلوب تغييره في النهضة أمرا غير قابل للتجاوز كانت تلك هي النكبة التي يصاب بها أيّ مشروع للنهضة! فماذا تكون النهضة سوى ذلك الجهد المبذول المتحرك في الفضاء الواقع ما بين (الموجود) و (المنشود)؟

 

إن الواقع الموجود اليوم في العالم العربي والإسلامي لم ينشأ من فراغ، كما أنّه لم ينبت فجأة حتى يكون تغييره موقوفا على انقلاب سريع على الأوضاع! بل هو واقع منحرف نشأ خلال ظروف تاريخية كثيرة يعود بعضها إلى أكثر من ألف عام، ويعود بعضها الآخر إلى أقل من مئة عام! فكان من الطبيعي أن تحتاج مشاريع إحياء الأمة وإنهاضها إلى جهد كبير كي تستطيع إخراج هذه القواعد الشعبية المسلمة التي وَعَتْ مفاهيم الإسلام الشرعية وتمثّلتها في قلوب نابضة بالحق، وتربّت على مقتضياتها حتى رسختْ في ضمائر أفرادها سلوكا حيّا لا مجرد أفكار جامدة! ثم امتلكت “القوة” والأدوات الحضارية والعلمية اللازمة لبناء الدولة المنشودة.

 

بقي أن أقول إن الكلام سهل في حقيقة الواقع، ولئن كان من الأهميّة وجود “التصوّر” الصحيح فإنّ ألف مقال مثل هذا المقال، وألف محاضرة في الموضوع، وألف كتاب لن يغيّروا من الواقع شيئًا إن لم يوضع كلّ ذلك على محكّ التطبيق الفعلي، ودون أن يكون “العمل” هو الذي يصدّق ذلك أو يكّذبه! فاللهَ أسألُ أن يسخّر لهذه الأمة من أبنائها العاملين المخلصين الجادين من يغيّر بهم هذا الواقع، منائرهم علماء أهل السنة العاملين بما في الكتاب والسنة، وطريقهم محفوف بتخوم الهدى، وجهدهم محفوظ عند ربّ العالمين. فمن هم أولئك الغرباء الحائزون على شرف هذه المهمّة العظيمة؟ والمعنيّون بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم: “إن الإسلام بدأ غريبا، و سيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس”. (الألباني، السلسلة الصحيحة، إسناده صحيح رجاله ثقات).

.

25.6.2011

عكا

شريف محمد جابر

معالم النهضة الإسلامية

 

 

.

.

معالم النهضة الإسلامية

 


مفهوم النهضة:

حينما نتحدّث عن النهضة لا بدّ وأن نحدّد أولاً أننا نتحدث عن المعنى “الاصطلاحي” لها الذي برزَ وتبلوَرَ بعد “النهضة الأوروبيّة”، ولن نتحدّث عن المعنى اللغوي، رغم وقوع المعنى الاصطلاحي في عموم المعنى اللغوي. ونحن نريد في هذا المقال أن نحدد معنى “النهضة” عند الأمة الإسلامية، وقبل ذلك فلنبدأ بالتعريف.

في المعجم الوسيط: “النهضة: الطاقة والقوة. والوثبة في سبيل التقدم الاجتماعي أو غيره. ويقال: كان من فلانٍ نهضة إلى كذا: حركة. وهو كثير النهضات”. ويقول الدكتور جاسم سلطان (بعد مسحه لتعريفات مختلفة للنهضة بعدد من الأبعاد) في مقال له بعنوان “مقاربة في تعريف النهضة”: “ومن كل ذلك نستنتج بأن جوهر الموضوع المطروح هو أن النهضة في الحالة الأوروبية هي عملية خروج من نسق فكري مقيد للعقل (مثلته الروح الكنسية بمستواها الثقافي والمادي المتحكم في الحياة الأوروبية) إلى نسق آخر يسمح للعقل بالانطلاق ليقوم بوظيفته في الإبداع وإعمار الحياة. وأن جوهر الانطلاق كان من خلال الثقافة الأوربية ذاتها بتجاوز انغلاق فترة زمنية محددة وهي العصور الوسيطة، وبالتالي تم التأسيس على قاعدة معرفية موجودة في المخيال الأوروبي وليست خارج أنساقه المعرفية. فهي عملية تنشيط لمخزون موجود وتطويره ليصبح زادا لمرحلة قادمة بمعنى أنها ليست عملية اجتثاث للتراث بل هي إعادة غربلة للتراث واستبقاء النافع منه وطرح الضار”. ويقول بعد ذلك: “وبالتالي فالنهضة في جوهرها: هي عملية حياة فكرية جديدة تتجاوز انغلاق فترة زمنية سابقة وقيودها المعيقة. وهي مؤسّسة على المراجعة والتقويم وليست مبنيّة على الاجتثاث والقطيعة. وهي عملية متصلة بالذات وليست غريبة عنها. وهي مقدمة لإعمال العقل وليست نهايات عمله”. انتهى الاقتباس.

وخلاصة المعطيات الهامة التي تحويها هذه النقول وبدمجها مع معطيات التاريخ الأوروبي نستنتج:

1)     أننا لن نبحث عن المعنى اللغوي حين نتحدث عن الكيفية التي تنهض بها الأمة الإسلامية. إنما نتحدث عن المعنى الاصطلاحي الذي نشأ في أوروبا وكانت له آثاره الواقعية.

2)     أن النهضة الأوربية قامت على إلغاء الهيمنة الكنسية وطغيانها الروحي والفكري والمادي والعودة إلى جذور معرفية كانت قبل عهد الكنيسة تتمثل بالفترة الإغريقيّة، أي بفصل الدين (الكنسي) عن الحياة وإعطاء العقل كامل الحرية في الإبداع والنمو والتطوير والتعمير دون أي قيد.

3)     أن التغيير الأساسي في النهضة الأوروبية هو في حصر “مصدر المعرفة” في “العقل” البشري بعد أن كانت “الكنيسة” تأخذ نصيب الأسد في تشكيل الفكر الأوروبي.

4)     أن عملية التقويم والمراجعة لا بدّ منها حين نبتغي تحديد عوامل تخلّف أمة معينة وأسباب نهوضها.

5)     أنه لا يمكن فصل النهضة الأوروبية عن ملابساتها التاريخية، وبالتالي لا يمكن نقل التجربة الأوروبية في النهضة إلى أمة أخرى كانت لها ملابسات مختلفة تمامًا كالأمة الإسلامية. (لم يكن عند الأمة الإسلامية دين كنسي محرّف، ولم يكن عندها شيء اسمه رجال دين يتحكمون بأرواح الناس ويمسكون بمفاتيح المعرفة كلها، الدينية والكونية!).

6)     أن النهضة بمفهومها العام هي: عملية تحرّر من حالة راهنة غير مرضية إلى حالة منشودة وفق مفاهيم الأمة التي تطلب النهوض[1].

.

المسلمون والنهضة:

بعد أن تحدثنا عن مفهوم النهضة العام وعن الحالة الأوروبيّة بشكل موجز نريد أن نلتفت إلى “الأمة الإسلامية” مادة هذا البحث، ونسأل ابتداءً: هل هي أمة ناهضة؟ والجواب واضح لا يختلف عليه اثنان، فالأمة في حالة غير مرضية لمجموع أبنائها، والتبعية للغرب وهيمنته على أوضاعها السياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية أوضح من أن يشير إليها بنان! والسؤال الآخر الذي نسأله بعد ذلك: هل كانت الأمة في يوم من الأيام أمةً ناهضة؟ والجواب هنا واضح كذلك، فالحديث عن أمجاد هذه الأمة منذ عهد النبوة والخلافة الراشدة إلى عهود ليست ببعيدة هو حديث ذو شجن يملأ الكتب والصحف والمواقع الإلكترونية والبرامج التلفزيونية التي أنشئ بعضها خصيصًا ليعرض للمسلمين هذا الوجه المشرق من تاريخ الأمة[2]، بل ولا نحتاج إلى إثبات ذلك لدرجة أن الغرب هو أول من يعترف للأمة بأنها كانت الأمة الرائدة الأولى في العالم[3]!

إذًا فنحن أمام أمة كانت ناهضة لفترة طويلة ثم تخلّفت.. فكيف نهضت؟ وكيف تخلّفت بعد ذلك؟

فلننظر إلى نشأة هذه الأمة وإلى “العنصر” الذي أدى إلى انطلاقها لتكون الأمة الرائدة والأمة العالمة في الأرض.. ما هو هذا العنصر؟

.

النهضة الأولى:

لقد كان القوم الذين شكلوا “القاعدة البشرية” الأولى للأمة الإسلامية هم العرب الذين يسكنون في شبه الجزيرة العربية. وكانت هنالك عناصر عديدة تجمعهم منها: وحدة الأرض، وحدة التاريخ، وحدة اللغة، وحدة العادات والتقاليد.. وغيرها.. ولكنّ أيًّا من هذه العناصر لم يُسهم في إنشاء “أمة” من أولئك القوم، ولم يطرأ على العرب في جزيرتهم أي تغيير مناخي أو تطوّر اقتصادي أو تقدم علمي أو اكتشاف حتى يحدث فيهم هذا التغيير المتمثّل بتشكل أمة مجتمعة من فلولهم وانطلاقها في الأرض لتفتح البلاد وتنشئ وتعمّر وتبني مجدها العلمي والحضاري.. فما هو العنصر الذي دفعها لكل ذلك؟

لقد كان “التوحيد” بمقتضياته هو العنصر الوحيد الذي دخل على العرب، فغيّرهم تغييرًا شاملاً لا في الأجسام والأشكال إنما بإعادة الإنسان العربيّ إلى الوضع السويّ الذي ينبغي أن يكون عليه فكرًا ووجدانًا وسلوكًا، كما يُعيد المغنطيس ترتيب الذرات في الحديد رغم عدم تغيّر شكل الحديد! كانت للعرب آلهة شتى توجّه “أفكارهم” و”وجداناتهم” و”سلوكهم” لا تقتصر على “الأصنام” فحسب، إنما تتجاوز ذلك إلى أشياء أخرى:

كان الهوى إلهًا معبودًا: “أفرأيتَ من اتخذ إلهه هواه”؟ (الجاثية: 23).

وكانت القبيلة إلهًا معبودًا، يقول الشاعر العربي دريد بن الصمّة وهو يصف تبعيته وطاعته لقبيلته في الرشد والغي على السواء:

وما أنا إلا من غزيّة إن غَوَتْ      غَوَيْتُ وإن ترشد غزيّةُ أرشدِ!

وكان عرف الآباء والأجداد إلهًا معبودًا: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ”. (البقرة: 170).

والإله هو المعبود، أي المُطاع. ولمّا كانت تلك الأمور كلها مطاعةً في حياة العرب كانت تمثّل الآلهة التي تُشتّت طاقاتهم وتمنع نهضتهم بما كانت تحوي من ضلالات وتفاهات حتى جاء الرسول صلى الله عليه وسلّم بالتوحيد يدعوهم إليه، فتركّزت طاقتهم في اتجاه واحد، وفي هدف واضح لا تبدده مشاغل الأرض التافهة ولا ضلالات الجاهلية.

كان التوحيد بمقتضياته (التي تمثّل كل الدين) يملأ عليهم حياتهم.. وكانوا يتلقّون حقائق هذا التوحيد ومقتضياته من مصدر واحد فحسب، وهو الوحي المنزل من عند الله المتمثّل بكل ما يأتي عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم قرآنًا كان أو سنة. وكانوا يتلقون ما يأتيهم عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم بمنهج “التلقي للتنفيذ”[4]، أي يعتبرون هذا القرآن وهذه السنّة “منهج حياة” بالنسبة لهم، فيتعرفون على شرع الله كي يطبقوا ذلك في حياتهم كلّها، وكان الأصل في أعمالهم أن تكون كلّها لله، وأن يلتزموا فيها بما جاء من عند الله.. وبهذا المنهج “الجدي” في التعامل و “الواقعي” في التطبيق كانوا يتعاملون مع دين الله عزّ وجلّ.

وإذا قارنّا حال الأمة “المتخلف” اليوم بحال الأمة في أيام نشأتها وعزها ندرك الفرق الجوهري في هاتين النقطتين: “مصدر التلقي” و “منهج التلقي”.

.

مصدر التلقي.. ومنهج التلقي:

فأمّا “مصدر التلقي” عند الأمة في أيام نهضتها فقد كان في أمور الفكر والعقيدة والتصورات ومنهج الحياة والتشريعات والقوانين هو “الوحي المنزل” فحسب دون غيره، بينما نجد أن الأمة في عهد انحطاطها الحاضر قد اختلطت عندها مصادر التلقي، فقد تأخذ من الوحي أمور عقيدتها الأساسية وشعائرها التعبّدية وبعض التكاليف الشرعية الفردية والأخلاق، ولكنّها في الكثير من أمور “الفكر” تأخذ من مصادر “جاهليّة” تخالف في أصولها المعرفية أصول الدين المنزل من عند الله. وتَحكمُ الكثيرَ من مناهج حياتها “قيمُ” الغرب الجاهلية التي تخالف “القيم الإسلامية”، وتأخذ في تشريعاتها التي تَحكُمُ عامة شعوبها من تشريعات الغرب وقوانينه ودساتيره التي تناقض أصول التشريع الإسلامي المستمد من الإسلام.

وأمّا “منهج التلقي” فقد بيّنا كيف كان التعامل الجدي مع دين الله عزّ وجلّ عند الأجيال الأولى من المسلمين، وكيف كانوا يتعرفون على شرع الله تعالى لا ليزدادوا من زاد الثقافة والمعرفة كما تفعل الأجيال الحاضرة! إنما ليطبقوه في حياتهم الواقعية. وكانت قضية الإسلام هي القضية الأولى التي تملأ حياتهم تفكيرًا وعملاً فقد وعوا قول الله تعالى: “وما خلقتُ الجنّ والإنس إلا ليعبدون” (الذاريات: 56). بينما نجد أن قضية فهم الإسلام ودراسته وتطبيقه في جميع مجالات الحياة هي آخر ما يشغل هذه الأمة في حاضرها، تشغلها عن ذلك هموم الدنيا ورغباتها وزينتها مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عنه الصحابي الجليل مولاهُ ثوبان: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله! فمن قلة يومئذ؟ قال لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب عدوكم؛ لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت”. (المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الجامع). وهذا الحديث الشريف ينفي بشكل قاطع أن يكون تأخّر الأمة اليوم وانهزامها بسبب تآمر الأعداء وتكالبهم فحسب، إنما يفسّر لنا بشكل واضح وحاسم سبب هذا التآمر والتكالب، وأنه نتيجة لانحراف هذه الأمة ذاتها عن المنهج الرباني، وذلك بالضعف العقدي الذي طرأ عليها والذي عبّر عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ قال: “يجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب عدوكم؛ لحبّكم الدنيا وكراهيتكم الموت”.

.

انحراف المفاهيم:

لقد أدى اختلاط مصادر التلقي منذ فترة طويلة في حياة هذه الأمة إلى دخول مفاهيم مغلوطة حول الدين وحول الحياة، منذ تأثر المسلمين بثقافات البلاد التي فتحوها وثقافات البلاد التي وراءها وعلى وجه الخصوص “الفلسفة”. وكان من أخطر المفاهيم التي تسربت في كيان الأمة الفهم الخاطئ للتوحيد الذي يفرغه من محتواه الفاعل في واقع الحياة ويجعله متحقّقًا بالنطق والتصديق فحسب! والفهم الذي جَعَلَ مفهوم العبادة مجرّدًا من شموله لكل مناحي الحياة حتى اقتصر على “الشعائر” كالصلاة والصيام والزكاة والحج وبعض الفضائل. والفهم الخاطئ لقدر الله بحيث أصبح تواكلاً واستسلامًا للواقع السيّء على اعتبار أنّه قدر الله الذي لا تبدّله إرادة الإنسان! والفهم الذي فصل “الآخرة” عن “الدنيا”، وجعل من يريد الآخرة يعتزل الدنيا، ومن يريد الدنيا يهمل أمور آخرته، كتفسير خاطئ للآيات والأحاديث النبوية التي تذم الدنيا[5]. ويضاف إلى هذه المفاهيم الخاطئة الاستبداد السياسي الذي ساد الأمة الإسلامية منذ فترة مبكّرة مما أدى إلى انعزال الأمة عن “الممارسة السياسية” وعن تأطير الحاكم على الحق والعدل. كان من جراء كل تلك الانحرافات أنْ بدأت تنحسر تدريجيًّا فاعليّة التوحيد ومقتضياته في حياة الأمة الإسلامية حتى وصلت إلى الحالة الراهنة التي اتسمت الأمة فيها بالتخلف الفكري والسياسي والاقتصادي والعلمي والحضاري.

.

كيف يؤدي انحراف “المفاهيم” إلى “التخلف” في جميع هذه المجالات؟

من المعروف بداهة أن “المفاهيم” تحكُمُ “السلوك”، وأن أيّ تغيير يطرأ على فهم إنسان لعملية ما يؤدي إلى تغير سلوكه في هذه العملية. ولمّا كانت التكاليف الإسلامية كلّها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتوحيد ومنبثقة عنه، كان من البديهي أن وضوحه وصفاءه وقوة فاعليته في حياة الأمة ستؤدي إلى تطبيق التكاليف بشكل أتمّ وبعزيمة أكبر، لأنها حينئذ ستكون مرتبطة بأصل الإيمان.

الممارسة السياسية وتأطير الحاكم على الحق والعدل من التكاليف التي أمرت بها هذه الأمة، وكان التفريط بها جراء ضعف ربطها بعقيدة التوحيد قد أدى إلى تفشي الاستبداد السياسي عند ولاة الأمر. “إذا رأيتم أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودّع منها” (رواه الإمام أحمد في مسنده). “إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع” (رواه مسلم).

والسعي في مناكب الأرض واستغلال خيراتها وتعميرها بمقتضى المنهج الرباني وتطويرها من التكاليف التي كُلّفت بها الأمة الإسلامية، وكان التفريط بها جراء ضعف ربطها بعقيدة التوحيد قد أدى إلى خمول الأمة الإسلامية وخفوت تطورها الاقتصادي رغم كون الأرض الإسلامية أغنى بقاع الأرض بالخامات الطبيعيّة! وتلك الغفلة هي التي جلبت الحملات البرتغالية ثم بقية الحملات الأوروبيّة إلى العالم الإسلامي لاستعماره واستلاب خيراته، وهذا كلّه حصل بسبب الانحراف في مفاهيم الدنيا والآخرة والتوكل والرزق والحضارة. يقول تعالى: “هو الذي جعَلَ لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه..” (الملك: 15). ويقول: “وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه”. ويقول: “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها” (هود: 61). وغيرها من التوجيهات الواضحة في دفع الأمة إلى الإنشاء والتعمير في الأرض بمقتضى المنهج الرباني.

وإعداد القوة العسكرية كان من التكاليف التي أُمرت بها الأمة: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم” (الأنفال: 60). وكان تفريط الأمة بهذا التكليف نتيجة لضعف ارتباطها بالتوجيه الرباني الذي هو أحد مقتضيات كلمة التوحيد.

والتطور العلمي كان كذلك من التكاليف التي كُلّفتْ بها الأمة، وإذا نظرنا إلى التكليف بالإعداد العسكري في الآية السابقة نتساءل: هل يمكن أن يتم هذا الإعداد من دون “علم” يشمل علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والميكانيكا وغيرها من العلوم؟ ويقول تعالى: “ولا تقفُ ما ليسَ لكَ به علم” (الإسراء: 36). وبمثل هذا التوجيه وغيره علّم المسلمون البشريّة “المنهج التجريبي” في البحث العلمي حينما كانوا ملتزمين بهذه التوجيهات على اعتبار أنها من مقتضيات إيمانهم. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم” (سنن ابن ماجة). ولا يخفى على أحد وضوح هذا التوجيه، حتى إن علماء المسلمين جعلوا طلب العلوم الدنيوية واجبًا كفائيًّا تأثم الأمة بمجموعها إن لم يقم أحد به[6]!

قد اتضح لنا إذًا أن التخلف الثقافي والتخلف السياسي والتخلف العسكري والتخلف الاقتصادي والتخلف العلمي هي “مظاهر” للانحطاط وليست أسبابًا له، إنما “أسبابه” هي الانحراف عن مفاهيم الإسلام جراء اختلاط مصادر التلقي في أمور العقيدة والفكر والتشريع ومنهج الحياة. فهل يكون من الحقّ في شيء أن يكون طريق النهضة هو الإصلاح الاقتصادي أو التطور العسكري أو تطوير العلوم والتكنولوجيا؟ إن هذه كلّها مطلوبة للأمة ولكنّها ليست “أسبابًا” أو “عوامل” للنهضة، إنما هي “مظاهر” لها. ولذلك كان التخلف في جميع هذه المجالات بمثابة “أعراض” للمرض الرئيسي الذي ألمّ بالأمة وهو الانحراف في فهم الإسلام وفي تطبيقه، وكان من السذاجة أن يتوجه المفكرون في النهضة إلى هذه “الأعراض” لعلاجها وإغفال أصل المرض كلّه! وأنا أقول هذا الكلام قاصدًا، لأنّ هناك من يزعم أن سر نهضة الأمة الإسلامية في السابق كامن في “إحسان” المسلمين في مختلف المجالات: في الكيمياء.. في الفيزياء.. في التعامل مع مياه الأمطار.. في المساجد.. في الشوارع.. في المدن[7]! وهو قول يفتقد إلى الموضوعية وإلى البحث العلمي الجاد، لأن هذا الإحسان هو “نتيجة” للنهضة وليس “سرًّا” لها! وتجد من يدعو إلى إيجاد المخترعين في الأمة والاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا والأسلحة والعمران، ويغفل في نفس الوقت أن المخاطب المسؤول عن كل ذلك هو الحكومات التي تدين بالولاء والتبعيّة والخضوع للغرب، ولا تملك في نفسها شيئًا فضلاً عن أن تملك عمل أي مشروع في سبيل نهضة علمية أو اقتصادية أو عسكرية! بل إن الواقع الذي نراه أنّ من هذه الدول العربية ما قد وصلت نسبة المتعلمين فيها إلى درجة عالية، ووصل الرخاء الاقتصادي إلى قمم مرتفعة! ورغم ذلك فهي دول لا توصف بأنها ناهضة في حال من الأحوال والقاصي والداني يعلم ذلك!

وربما يظنّ ظانّ أنّني لا أحبّ أن يتوجّه أبناء الأمة إلى التفرد في العلوم والتكنولوجيا والاختراعات وغيرها، وهذا غير صحيح، إنما الذي أقوله إن الاعتقاد السائد بأن ذلك هو طريق نهضة المسلمين هو اعتقاد خاطئ، لدلالة التاريخ ودلالة الحاضر كما بينّا. ولكن من الذي يمانع أن يتواجدَ المخترعون والمبدعون والمستثمرون المستقلون بين أبناء الأمة؟ وهل كلامنا عن طريق النهضة الحقيقي يمنع من تواجد هؤلاء؟ إنها تمامًا كأنْ أقول لأحدهم: إنّ اقتناءك للسيارة ليس هو الذي يمنع خطر دخول اللصوص إلى منزلك، بل يجب عليك أن تحكم إغلاق المنزل قبل الخروج.. هل كلامي هذا يعني أنّني أعارض اقتناءه للسيارة؟! إنما أقصد أنّه لكي تكون نهضة فلا بدّ لها من شروط.. وليس التطور العلمي ولا التطور الاقتصادي هو من شروط النهضة، بل من مظاهرها العديدة، التي تظهر تباعًا بعد تحقق الشروط. والدليل على ذلك هو نهضة هذه الأمة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يكن في دولة الرسول صلى الله عليه وسلم “حركة علمية” أو “حركة حضارية” ولم يبرز ذلك إلا بعد فترة طويلة من انطلاق النهضة الإسلامية التي ارتكزت على “تصحيح المفاهيم” و “تربية الأمة” على تطبيق هذه المفاهيم.

.

طريق النهضة:

لا بدّ من تصحيح مفاهيم هذه الأمة حول الدين باعتباره “منهج حياة” لا مجرد علاقة فردية بين العبد والرب، ومفاهيم العبادة والقدر والدنيا والآخرة والتوكل والرزق وغيرها من المفاهيم، ثم أن تتربى الأمة على هذه المفاهيم ومقتضياتها، ولها في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في منهجه التغييري، إذ عمل على نشر الفهم الصحيح بين أصحابه وعلى ترسيخ هذا الفهم وتطبيقه في نفوسهم عن طريق “التربية”[8]، وبهذه القاعدة البشرية المؤمنة العاملة بهذا الدين استطاع أن ينشئ نواة الأمة الإسلامية التي أصبحت بعد ذلك مركز الحضارة والعلم في العالم أجمع لفترة طويلة امتدت لقرون.

إن طريق النهضة واضح جليّ.. فإذا كانت النهضة هي: عملية تحرّر من حالة راهنة غير مرضية إلى حالة منشودة وفق مفاهيم الأمة التي تطلب النهوض.. إذا كان هذا هو المفهوم العام للنهضة فما هي مفاهيم الأمة الإسلامية الخاصة بها للنهوض؟ نعود إلى كتاب الله فماذا نجد:

“وعدَ الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا” (النور: 55).

الشرط واضح: الإيمان وعمل الصالحات.. عبادة الله دون شريك.. أي: التوحيد ومقتضياته. إنه العودة إلى فهم التوحيد والتلقي في مقتضيات هذا التوحيد في حياة الأمة عن المصدر الوحيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه “القرآن الكريم” و “السنة النبوية الشريفة”.

والنتيجة بعد القيام بالشرط واضحة كذلك: إنها الاستخلاف والتمكين والتأمين.. وتلك هي “معايير” نهضة هذه الأمة! فمتى كانت مستخلفةً ممكّنةً ومأمّنةً كانت أمة ناهضة.. وما لم تعمل “بشروط” النهضة فلا استخلاف ولا تمكين ولا تأمين لها.. لأنّ سنّة الله تعالى لا تحابي أحدًا من خلقه: “هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا” (فاطر: 43).

.


18.8.2010

عكا

شريف محمد جابر

 

 


 

[1] هذا هو تعريفي للنهضة.

[2] أنظر على سبيل المثال برنامج “خواطر 6″ لرجل الأعمال السعودي أحمد الشقيري.

[3] أنظر على سبيل المثال كتاب “حضارة الإسلام” لفون جرونيباوم.

[4] أنظر فصل “جيل قرآني فريد” من كتاب “معالم في الطريق” للأستاذ سيد قطب.

[5] إقرأ – إن شئت – فصل “مفهوم الدنيا والآخرة” من كتاب “مفاهيم ينبغي أن تصحح” للأستاذ محمد قطب.

[6] أنظر على سبيل المثال كلام الإمام الغزالي في “الإحياء”، كتاب العلم.

[7] أنظر برنامج “خواطر 6″ لأحمد الشقيري الحلقة الأولى.

[8] التربية هي: الجهد المبذول لتحويل المفاهيم إلى سلوك واقعي في واقع الحياة.