.
الطريق الطويل
.
(المصدر: مقال تم نشره في “المركز العربي للدراسات والأبحاث”: الرابط)
.
لن يستطيع المسلمون استئناف حياتهم الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة طالما بقيت بلادهم خاضعة لهيمنة الصليبية العالمية أو ما يسمى “بالشرعية الدولية”، وإن الخروج من هذه الهيمنة لن يكون طريقه “الانقلابات العكسرية” التي تفاجئ الجميع فتعلن “الخلافة الإسلامية” أو “تطبيق الشريعة” في ظل افتقار هذه البلاد للمقومات الطبيعية اللازمة لنشوء دولة تصمد أمام أقرب التحدّيات.
كما أن الطريق من جهة أخرى لن يكون هو تقديم التنازلات والسير خطوات مع الجاهلية للالتقاء في منتصف الطريق؛ حيث يتمّ إضفاء “الشرعية” على الأوضاع العلمانية والانصهار فيها على اعتبار أن رؤساءها أصبحوا “مسلمين” أو “إسلاميين” بعد أن كانوا “علمانيين”!
فالعبرة ليست فقط في عقيدة الأفراد الذين هم على رأس النظام، إنما هي كذلك في طبيعة النظام الذي يحكم، وطبيعة الأوضاع التي تهيمن على حياة المسلمين، فلا شرعية للدولة المدنية الحديثة بنظمها ومبادئها، ولا شرعية لمبدأ المواطنة وغيره من المبادئ المجافية للوضع الإسلامي الشرعي الصحيح، والطريق للخروج من شرعيات “الضرورة” إلى شرعيات “الاستقرار” (خلافة راشدة على منهاج النبوة) هو ذات الطريق الذي سلكه محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الكرام، فلقد ربّى عليه الصلاة والسلام “الصفوة” القيادية التي عاشت مفاهيم الإسلام واقعا في ذوات أنفسها، ثم وجد – عليه الصلاة والسلام – بإذن ربّه “القاعدة الشعبية” البشرية التي تؤمن بالمنهج الإسلامي وتسلم نفوسها إلى الله بعد جهد من التربية على مقتضيات هذا الدين، وبعد امتلاك “القوة” أو “الشوكة” التي تؤهّل لإقامة شرع الله في بقعة من الأرض.
والطريق اليوم إلى إعداد هذه القواعد الشعبية القويّة الواعية التي ستتكفّل بإنشاء “الواقع الإسلامي” هو طريق مجهد طويل، هذا الطريق المجهد الطويل هو الذي لا تحبّه الكثير من الحركات الإسلامية المعاصرة، فإما أن تلجأ إلى الاندماج مع الأوضاع العلمانية والالتقاء معها في منتصف الطريق، ومن ثمّ يكون الرضا بواقع علماني أقل تطرّفا وأكثر تمسّحا بالإسلام هو طريق الخلاص! وإمّا أن تبحث عن فرصة تنقلب فيها على الأوضاع دون أن تمتلك على أرض الواقع “قواعد شعبية” تكون سندا لها في الحفاظ على الحكم الإسلامي حين يقوم، ودون امتلاك “القوة” اللازمة لحماية هذا الحكم، فليس المنشود هو تطبيق الشريعة على أي جزء من الأرض كيفما اتفق، إنما المنشود هو إقامة الوضع الإسلامي الصحيح الذي يجمع المسلمين مرّة أخرى تحت ظلال الشريعة كما وعد المصطفى صلى الله عليه وسلم: “ثمّ تكون خلافة على منهاج نبوة” (الألباني، تخريج مشكاة المصابيح، إسناده حسن).
وأعجبُ من المتأثّرين بالواقع الذين يرون في استبدال المعايير العالمية التي تحكم جميع الدول نوعا من “التطرّف”! إذ يرون في رفض مبادئ: المواطنة والقومية والدولة المدنية العلمانية..إلخ يرون في رفض مبادئ الدولة الحديثة هذه أمرا خياليّا بعيدا عن الواقع.
وإنني لأحسب أن هؤلاء يرون الصورة بهذا الشكل بسبب النظرة القريبة المحدودة التي ينظرون بها إلى الأوضاع في العالم، فلو أنّهم تذكّروا أن هذه المبادئ لم يتجاوز عمر بعضها أكثر من مائة عام في بلاد المسلمين، وأنّها قبل ذلك كانت مستهجنة كما يستهجنون هم اليوم الدعوة إلى قلب المعايير العلمانية والعودة إلى مفاهيم “شرعية الوضع” و “شرعية الحكم” في الإسلام! وأنها ما رسخت في بلاد المسلمين من دون “دعوة” بين الناس قادَها مفكرون و”علماء” وقادةٌ ومدسوسون ومستغفلون، ومن دون “تربية” للعقلية المسلمة عبر العقود على تقبّل هذه المفاهيم وكأنها هي “الأمر الواقع” الذي لا مفر منه.. فلو أنّهم تذكّروا كلّ ذلك ماذا عساهم قائلون؟!
إنّ المشكلة فيما أحسب عند هؤلاء تكمن في إضفاء الشرعية على (الأمر الواقع)، باعتباره (حتميات تاريخية) لا يمكن التنكر لها، وهم في هذا قريبون من التفكير العلماني الذي يرى في دولة المواطنة المدنية الحديثة بشكلها العصري أمرا غير قابل للتجاوز!
وأقول لهؤلاء: ألم تقم الثورة الفرنسيّة بفرض القيم الديمقراطية وقيم الدولة المدنية الحديثة بعد عقود طويلة من النشاط الذي قام به مفكرون وعلماء ونشطاء ومربون يدعون إلى هذه المفاهيم التي كانت غريبة على “الواقع” الموجود آنذاك، وبعد جهد كبير من التضحيات في سبيل تحقيقها؟ ثمّ ألم ينجح هذا الحراك المجهد الطويل في إحداث التغيير المنشود لديهم وقلب المعايير التي كانت في يوم ما هي الواقع الثقيل المعهود؟! فما بالنا نتنكّر لقيم الإسلام الأصيلة حين تطرحها الدعوة وتواجه بها المفاهيم العلمانية الدخيلة على فكر الأمة؟ ما بالنا لا ننظر إلى المستقبل المشرق البعيد كما ننظر إلى الواقع الفاسد القريب؟ ما بالنا نجعل من “الواقع” منطلقا في “التفكير” بدلا من جعله منطلقا “للتغيير”؟!
كنتُ قد خلصتُ إلى تعريف عامّ للنهضة في مقالي “معالم النهضة الإسلامية” على أنّها: عملية تحرّر من حالة راهنة غير مرضية إلى حالة منشودة وفق مفاهيم الأمة التي تطلب النهوض.
فلئن كان هذا هو المعنى العام للنهضة كان بديهيّا أن يصبح (ما ينبغي أن يكون) هو منطلق “التغيير”، وليس (ما هو كائن). فإذا كان اعتبار الواقع المطلوب تغييره في النهضة أمرا غير قابل للتجاوز كانت تلك هي النكبة التي يصاب بها أيّ مشروع للنهضة! فماذا تكون النهضة سوى ذلك الجهد المبذول المتحرك في الفضاء الواقع ما بين (الموجود) و (المنشود)؟
إن الواقع الموجود اليوم في العالم العربي والإسلامي لم ينشأ من فراغ، كما أنّه لم ينبت فجأة حتى يكون تغييره موقوفا على انقلاب سريع على الأوضاع! بل هو واقع منحرف نشأ خلال ظروف تاريخية كثيرة يعود بعضها إلى أكثر من ألف عام، ويعود بعضها الآخر إلى أقل من مئة عام! فكان من الطبيعي أن تحتاج مشاريع إحياء الأمة وإنهاضها إلى جهد كبير كي تستطيع إخراج هذه القواعد الشعبية المسلمة التي وَعَتْ مفاهيم الإسلام الشرعية وتمثّلتها في قلوب نابضة بالحق، وتربّت على مقتضياتها حتى رسختْ في ضمائر أفرادها سلوكا حيّا لا مجرد أفكار جامدة! ثم امتلكت “القوة” والأدوات الحضارية والعلمية اللازمة لبناء الدولة المنشودة.
بقي أن أقول إن الكلام سهل في حقيقة الواقع، ولئن كان من الأهميّة وجود “التصوّر” الصحيح فإنّ ألف مقال مثل هذا المقال، وألف محاضرة في الموضوع، وألف كتاب لن يغيّروا من الواقع شيئًا إن لم يوضع كلّ ذلك على محكّ التطبيق الفعلي، ودون أن يكون “العمل” هو الذي يصدّق ذلك أو يكّذبه! فاللهَ أسألُ أن يسخّر لهذه الأمة من أبنائها العاملين المخلصين الجادين من يغيّر بهم هذا الواقع، منائرهم علماء أهل السنة العاملين بما في الكتاب والسنة، وطريقهم محفوف بتخوم الهدى، وجهدهم محفوظ عند ربّ العالمين. فمن هم أولئك الغرباء الحائزون على شرف هذه المهمّة العظيمة؟ والمعنيّون بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم: “إن الإسلام بدأ غريبا، و سيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس”. (الألباني، السلسلة الصحيحة، إسناده صحيح رجاله ثقات).
.
25.6.2011
عكا
شريف محمد جابر

