.
.
.
المسلم والواقع
(من سلسلة “أن تكون مسلما في أيامنا“)
.
في عالم الواقع يواجه المسلم قضية على غاية من الأهمية، هي قضية “الواقعية”. وقد يعبر عنها أحيانا “بمسايرة الواقع” أو “بالانطلاق من واقع الناس” في الحياة. وتلك من المشكلات التي نحتاج إلى بيان خطرها وبيان المفهوم الصحيح للتعامل مع الواقع عند المسلم.
إنّ الواقع الذي نعيشه اليوم هو واقع “جاهلي” في غالبية جوانبه.. فواقع المجتمع أنه مجتمع جاهلي، لأنّه يُحكم بأنظمة جاهلية وتسوده العلاقات الجاهلية وتهيمن عليه مفاهيم الجاهلية. وأقصد بالجاهلية: الجهل بحقيقة الألوهية واتباع غير ما أنزل الله. أقول إنّ الواقع في “غالبية” جوانبه واقعٌ جاهلي وليس كلّه لأنّ هنالك أفرادًا رحمهم الله وهداهم للإسلام فعرفوه حقّ معرفته واتبعوا ما أنزل إليهم في تسليم تام. ولكنّ واقع الفرد “المسلم” لا بدّ وأن يلقى الصعاب ويواجه المتاعب لأنه يعيش في واقع كبير “جاهليّ”.. وهنا تكمن المشكلة!
إنّ الفرد المسلم الخاضع لله خضوعًا مطلقًا مكلّفٌ أن يحقق إسلامه على أرض الواقع، ولكن ثمّة فجوة عميقة تحول بين “الواقع المنشود” و”الواقع الموجود”. والمسلم مطالب بسدّ هذه الفجوة بقدر “الاستطاعة”. يقول الإمام الطبري في معرض تفسيره للمقطع الأول من الآية رقم 16 في سورة التغابن: “وقوله: { فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ } يقول تعالى ذكره: واحذروا الله أيها المؤمنون وخافوا عقابه، وتجنبوا عذابه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، والعمل بما يقرّب إليه ما أطقتم وبلَغه وسعكم”. وبناء على هذا الكلام فالمسلم مطالب بالتزام الأحكام الشرعية في أعماله قدر طاقته وما بلغه الوسع. فإذا كانت له أعمالٌ ينوي القيام بها فعليه أن يسأل نفسه: هل هذه الأعمال ترضي الله بأن تكون ملتزمة بشريعته؟ وإن كانت الأعمال مخالفة للمنهج الرباني فإنه يحرم عليه أن يقوم بها مهما توهّم من ذرائع خارجة عن نطاق الحكم الشرعي. فكان التذرع “بالواقع” غير مقبول حين يقوم بالعمل، لأن الأصل أن يستمد المسلم منهجه في الحياة من “الإسلام” ويحاول – قدر الاستطاعة – أن يطبّقه في”الواقع”. واتخاذ الواقع منطلقًا في تحديد الأعمال مخالفةٌ عظيمة لأساسيات الدين الحنيف! فهذا الواقع هو محلّ تنفيذ أوامر الله سواء كان واقع المجتمع أو واقع الضمير أو واقع الأفكار.. ليس بمعنى إجبار الناس من قبل المسلم على تطبيق الإسلام بالقوة مهما كانت الأوضاع، إنما بيان للأصل الذي يجب أن يكون وهو هيمنة المنهج الرباني على واقع الناس حتى يكون طائعًا لله كما هو واقع السماوات والأرض: “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَللأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ” (فصلت: 11).
إنّ جعل الواقع هو الموجه لسلوك المسلم أمر خطير يخالف – كما أسلفتُ – أساسيات هذا الدين. ونحن حين نريد أن ندعو الناس إلى الله لا نجعل الواقع حكمًا في منهج دعوتنا، وقد يقال هنا: إنّ دعوتنا في البلاد مثلا ليست كدعوة المسلم في البلاد المسلمة أو كدعوة المسلم في بلاد الغرب لغير المسلمين، فالذي يحدد منهج الدعوة هو الواقع!! وهذا الكلام باطلٌ لأنّ الذي يحدد منهج الدعوة ليس هو الواقع إنما الحكم الشرعي الذي هو: خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد. وحتى لو كان الواقع غير مذكور بشكل محدّد في كتاب الله أو سنة رسوله أو في الإجماع فإنّ هنالك ما يسمى “الفتوى” التي هي تطبيق الحكم الشرعي على الواقع، وهي بذلك حكم شرعي يجب اتباعه فيكون الحكم الشرعي هو الموجّه للسلوك وليس الواقع. يقول الإمام ابن القيّم: “ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبّق أحدهما على الآخر” (إعلام الموقعين، 1/87). وخلاصة كلامه أن الواقع ليس هو الذي يوجه سلوك المسلم إنما هو الحكم الشرعي في هذا الواقع الذي يستنبطه المجتهد بعد فهم الواقع وفهم حكم الله فيه.
إننا حين ندعو الناس لا ينبغي لنا أن ننظر إلى شيء غير مرضاة الله، حتى إذا قيل إنّ علينا أن نكون حكيمين في الدعوة، فإنّنا ننتهج الحكمة في الدعوة تقرّبًا إلى الله باتباع أوامره فقد أمرنا بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، فهي حكمٌ شرعي. ولن ينظر المسلم إلى واقع الناس كي يتحرّى “المطلوب” عندهم ثم يرفع عليه لافتة دعوته! فيكون بذلك قد غفل عن أهم خصائص الدعوة الإسلامية بأنّها دعوة تغيّر واقع الناس أفرادًا وجماعاتٍ حتى يكون واقعًا إسلاميًّا ولا تربّت على الواقع المخالف أو تتخذ منه منهجًا في التغيير! لأنه حين يبحث له في الواقع عن منطلق لدعوته لن يغيّر شيئًا، فالواقع هو الواقع والناس هم الناس، وإذا جئنا إلى بئر ملوّثة وسحبنا منها الماء ثمّ سكبناه في البئر مرة أخرى فلن نغيّر من “واقع” ماء البئر شيئًا!
ولن تكون “المصلحة” هي التي توجه سلوكنا في الدعوة لأنّها ليست حكمًا شرعيًّا. ثمّ إنّ شرع الله يحوي كلّ المصلحة للبشر ولا يمكن لإنسان أن يزعم أن مصلحته تكون في مخالفة حكم الله أو في الإعراض عن اتباع منهج الله: “قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ”؟ (البقرة: 140). ومن ثمّ تكون القاعدة في صياغتها الأدق: “أينما يكون شرع الله فثمّ المصلحة” وليس عكس ذلك!
.



