(عماد.. طفل مسلم يتعلّم العربيّة في المسجد)
.
.
ما بعد الحداثة: من العقل إلى الوحي
(الجزء الثاني)
الحداثة الغربيّة اليوم تريدُ أن تجعل “العقل” هو المحكّم في جميع الأمور.. في الغيب المجهول وفي منهج الحياة! ولكن الواقع الإنساني والطبيعة البشريّة تكذّب ذلك. “العقل” هو مصدر المعرفة الوحيد عند الحضارة المعاصرة. أمّا “الوحي” فيصنّف في خانة التراث والخرافة اللذين يجب أن يتمّ التخلّص منهما! لأنّ البشريّة لا يمكنها أن تتقدم إلا إذا تخلّصت من الجهل والخرافة وعرضتْ كل ما يصادفها في الكون من أشياء وأحداث وأفكار على العقل ليكون هو المحكّم فيها.. وكذبوا والله..!
كذبوا.. لأنّ العقل البشريّ هو موهبة من عند الله وليس كسبًا ذاتيًّا من عند الإنسان! فواجب الشكر على هذه النعمة ذاتها يقتضي أن يرجع الإنسان إلى ربّه فيما أمر به من منهج لاستخدام هذا العقل والاستفادة بطاقته، وقد رسم اللهُ منهجًا للتفكّر في ملكوت الله يؤدّي بالإنسان إلى معرفة الله الواحد الحق، وما ينبغي تجاه الله من عبوديّة وطاعة والتزام.
وكذبوا.. لأنّ طاقة العقل البشريّ محدودة بحدودٍ لا يستطيع أن يتعدّاها، وقد كلّف اللهُ الإنسانَ ما يدخل في حدود طاقته ولم يكلّفه ما لا يدخل في تلك الحدود ولا يقدر عليه. العقل محكومٌ بالواقع، مهيّأ للتعامل مع الكون الماديّ واستنباط السنن التي يُجري بها اللهُ هذا الكون (تسمّى “خواص المادة” في علم الفيزياء)، واستخدام هذه المعرفة في تسخير طاقات السماوات والأرض من أجل عمارة الأرض والاستمتاع بما فيها من متاع. وهو بذلك كلّه محكوم بحدود الزمان والمكان لا يستطيع منهما فكاكًا! فليس له ثمّة سبيل لاقتحام الغيب المجهول مهما اجتهد ومهما حاول، إذ العمليّة “الفكريّة” السليمة لا تتم إلا بوجود “الواقع” و “الإحساس بالواقع”، الغيب واقع نعم.. ولكنّه لا يقع تحت إدراك الحواس الخمس، وإذا كان العلم اليوم لا يزال يتحدّث عن “ظواهر” الأشياء دون التعرض “لكنهها” كالكهرباء والطاقة وغيرها.. فكيف به إذ يريد أن يحكم في الأمور التي يحتاج الحكم فيها إلى الإحاطة الكاملة بكل شيء؟!
ولم يستطع العقل البشريّ مرّةً واحدةً أن يضع منهجًا متكاملاً خاليًا من العيوب.. وكلّما أبرز التطبيق العمليّ عيبًا في تلك المناهج البشريّة حاول البشر إصلاحه بعيب جديد تظهر نتائجه المنحرفة بعد حين من الزمان. لأنّ وضع “منهج” صالح للحياة البشريّة يحتاج إلى جملة أمور يقصر عنها العلم البشريّ:
أولاً: يحتاج إلى معرفة حقيقيّة كاملة بالكيان البشريّ ذاته. والإنسان – على الرغم من كل العلم الماديّ الذي عرفه – ما يزال شديد الجهل بكيانه الذاتي (كما تؤكّد الأبحاث العلمية التي تجري على الإنسان)، وهو بالتالي شديد الجهل بما يصلحه وما يصلح له.
ثانيًا: يحتاج إلى إحاطة كاملة بماضي الجنس البشريّ وحاضره ومستقبله، والتجارب التي خاضها وأسبابها ونتائجها. وهذا يستحيل استحالة كاملة على الإنسان، لأنّ كثيرًا من أحداث الماضي مجهول له، وهو عاجز عن الإحاطة بكل أحداث الحاضر الذي يعيشه، أما المستقبل فهو غيب موصد أمامه لا يستطيع الاطلاع عليه.
ثالثًا: يحتاج إلى أن يكون واضع المنهج غير متحيّز، لا مصلحة له في أمر من الأمور، ولا هوى ولا شهوات. وهذا أمر لا يتوفّر أصلاً في الإنسان، الذي ينجذب دائمًا إلى مصلحته الذاتية (كما يراها من وجهة نظره وكثيرًا ما تكون خاطئة) وتحركه دائمًا الأهواء والشهوات ما لم يلتزم بأمر الله: ((إن الإنسان خُلِقَ هلوعًا*إذا مسّهُ الشرّ جزوعًا*وإذا مسّهُ الخيرُ منوعًا*إلا المصلّين)) (المعارج: 19 – 22).
رابعًا: ويحتاج واضع المنهج إلى علم كامل بمن يطيعه في السر العلن، وإلى قدرة تامة على مجازاة من يطيع ومعاقبة من يعصي حتى يكون المنهج محترمًا ومطبّقًا، وهذه الأوصاف لا تتوافر في الجنس البشري، فالإنسان لا يرى إلا في حدود ما تبصر عيناه، ولا يسمع إلا في حدود ما يبلغ سمعه. أما الله عزّ وجل فإنّه يعلم جميع ما يفعله الإنسان من خير وشر، قال تعالى: ((ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما فى الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم)) (المجادلة:7). والله عز وجل قادر على أن يجازى من أطاعه ويعاقب من عصاه على الدقيق والجليل، قال تعالى: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره*ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)) (الزلزلة: 7 – 8).
ومن ثم فإن المنهج الصالح لا يمكن أن يأتي إلا من مصدر واحد هو الله تعالى. فالله هو الذي يعلم حقيقة الإنسان لأنه هو الذي خلقه سبحانه : ((ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)) (الملك: 14). والله هو الذي يعلم كل شيء في حياة البشر – وفى الكون كله- علم إحاطة واطلاع: ((يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور)) (سبأ: 2). ((عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين)) (سبأ: 3).
والله هو الذي شرع التشريع الحكيم لأنه هو الغنى القادر، وليس محتاجاً إلى شيء مما عند الناس وهو الواهب لهم كل شيء، وهو الذي لا يزيد في ملكه أن يكون الناس كلهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص في ملكه أن يكونوا على قلب أفجر رجل منهم كما يقول الحديث القدسي.
والهداية الربانية التي تشتمل على المنهج الصالح لحياة البشر طريقها هو “الوحي” عن طريق الرسل والرسالات. ومن ثم تصبح الرسالة حاجة بشرية لا غنى عنها، ولا استقامة لحياة البشر بدونها. ((لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)) (الحديد: 25).
لقد آن للبشرية اليوم أن تعود بعد رحلتها الشاقة مع “العقل” إلى “الوحي”، ومع هذه العودة ستحتفظ بكل ما يمكن أن يطوّر الحياة البشريّة ويرتقي بالإنسان، وتوجيهات القرآن واضحة لو عقلها “الحداثيون”، فهو يدعو إلى التخلي عن التقليد الأعمى والموروثات الفاسدة التي لا تقوم على دليل ولا برهان. وإلى عدم اقتفاء أي فكرة قبل تمحيصها وعرضها على البرهان، لأنّ الإنسان مسئول عن تفكيره واعتقاده، لأنّ الله أعطاه سمعًا وبصرًا وعقلاً ليفكّر لنفسه ويتدبّر، ويوم القيامة سيسأل سمعه وبصره وعقله: كيف اقتفى شيئًا دون أن يعرف حقيقته؟ وهو مأمور بالتدبّر في كل الأمور بالمنطق العقلي، وعدم اتخاذ المواقف بدافع الهوى لأنّ الهوى يعمي الإنسان عن الحق. تأمّلوا – بعقل متفتّح – هذه الآيات أيّها الحداثيّون! ففيها يكمن “ما بعد الحداثة”!:
((أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون)) (النحل: 17). (( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)) (الأنبياء : 22). ((ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا يعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون)) (المؤمنون: 91). ((أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)) (النساء: 82). ((أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون)) (الطور: 35). ((الذي خلق سبع سماواتٍ طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور*ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير)) (الملك:3 – 4). ((وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون)) (البقرة: 170). ((ولا تقْفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً)) (الإسراء: 36). ((قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنّة إن هو إلا نذير لكم بين يَدَيْ عذاب شديد )) (سبأ: 46).
.
27.4.2010
شريف محمد جابر
المراجع: كتاب “ركائز الإيمان” – الأستاذ محمد قطب.

