يقول الدكتور إبراهيم طه في مقاله نظام التفجية وحوارية القراءة: “لقد وظّفنا لفظة “التفجية” كمصدر للفعل المضعّف “فجّى”، للدلالة على ما تحمله الفجوات من نشاط مركب يسبقه تخطيط واعٍ وتلحقه نشاطات أخرى. ولما كان التضعيف معمولا بهِ لتعدية الفعل لإفادة: أ. التكثير والمبالغة؛ ب. نسبة المفعول إلى أصل الفعل؛ ج. اتخاذ الفعل من الاسم، فإننا نقترح هذه اللفظة خصوصًا في حال غياب لفظة أخرى تؤدّي معانيها ودلالاتها”[1]
ويقول عن فجوات القارىء في نفس المقال: “إنّ فجوات القارىء هي في محصلتها تساؤلات يطرحها النص عن طريق تغييب بعض معطياته أو تحييدهاعلى أقل تقدير. والقارىء الذي يرحب بهذه التحديات يجتهد في الإجابة على التساؤلات النصية، دون أن يصيب اجتهاده شيء من العزوف أو الضجر”.
التفجية عملية عقلية كما يظهر إذا ما قصد إليها الأديب قصدًا وقال في نفسهِ مثلا: أريد أن أكتب نصًا غير مكتمل المعطيات، وسأضع بعض الرموز كي يتتبعها القارىء ويسد الفجوات أو بعضها باستخدامه للضوابط التي زرعتها في النص.. وهي عبارة عن معطيات نصية أو خارجية أو… كل هذا لا يصلح للشعر! لأنني مؤمن كل الإيمان أن الشعر عبارة عن تجربة شعورية انتابت الشاعر فاستفزّتهُ كي يعبر عنها بصورة موحية. أنا مؤمنٌ بأنّ وظيفتي كشاعر هي إيصال القارىء إلى الإحساس بالتجربة الشعورية التي عشتُها وأفرزتُ بسببها نصّي الشعري، ولذلك قلت “بصورة موحية” توحي للقارىء ذات المشاعر.. ذات الحزن وذات الفرح وذات الحبّ وذات الأمل وذات الألم وذات القهر وذات الـ…إلخ.. كل ما ينتابني في لحظة الولادة الشعريّة. قد تصلح التفجية المقصودة الواعية في أقاصيص محفوظ وتامر وغيرهم من القصاصين! ولكنّها لا تصلح للشعر لأنّ لوثة التفكير كلما اقتحمت الشعر أبعدته عن طبيعته كشعر.
فلننظر إذًا إلى ولادة التفجية غير الواعية في النصّ الشعري، التفجية النابعة من النبض الشعوري الصادق المنبثق عن التصور الفكري للشاعر. كيف يتمّ ذلك؟
الشاعر الذي تحكمه بعض القيم -دينيّةً كانت أو اجتماعيّة أو غير ذلك- لا يستطيع أن يكتب كل ما يحسّ به ويشعر، لأن حياءهُ الفطري أو نشأته على هذه القيم حدّد مسار خروج تعبيره الشعري بطريقة لا شعوريّة، طبيعيّة، إنسيابيّة. هذا التعبير يُخفي الكثير من التفاصيل، هذا الإخفاء للتفاصيل ليس إخفاءًا قصديًا بالأساس.. إنما هو ناشيء من طبيعة تصور الشاعر الفكري الذي أثر في نبضهِ الشعوري. لأن المشاعر مرتبطة بالتصور. وإذا أردنا أن نمثّل لذلك فقد نفرض أن للشاعر تصورًا إسلاميًا أنشأ في نفسهِ مشاعرَ إسلاميةً متأصلةً في ذاتهِ حتى غدتْ ذاتًا مسلمةً. تعبير هذه الذات عن تجربتها الشعوريّة لا يكون تعبيرًا منطلقًا من كل قيد، ولن يكون محصورًا بطريقة واعية أيضًا. إنما هو تعبير نظيف يخرج هكذا بعد تنخيله من كثير من معطياته بطريقة عفويّة.. هذا التنخيل الطبيعي.. الفطري.. الانسيابي ينشيء في النصّ فجوات طبيعيّة من نوع فجوات القارىء التي يتكفل القارىء بملئها إنْ أرادَ استلهام التجربة الشعورية للشاعر بأكبر قدْرٍ ممكن من شحنتها الوجدانية.
ليس ما قيل في الفقرة السابقة إلا تنظيرٌ لعمليّة ولادة هذا النسق الطبيعي من عمليّة التفجية. وقد قصدتُ إلى قضية أعتقد أنها على قدْرٍ من الاهمية لمن يؤمن بضرورة إبعاد لوثة التفكير قدر الإمكان في عملية ولادة الشعر. نحن في هذا العصر لا نريد أن نطعم النصّ للقارىء بالملعقة كما فعل السابقون كثيرًا! ولا نريد بالمقابل أن نلجأ إلى “لعبة بازل” نرسم عن طريقها قصيدة ننقصُ من أطرافها شيئًا يملؤه القارىء بعد أن نكون قد وضعنا له بعض المعالم في طريق استلهام المعنى المخفي.. أو بعد أن نتركَه أمام “طلسمات” نزعم أن المعاني مختبئة وراءها.. ولا شيء وراءها إلا الطلسمات! باختصار: لا نريد أن تكون عملية التفجية عملية “عقليّة” “قصديّة” بحتة في الشعر، ومع ذلك فقد لاحظتُ وجود التفجية في نصوص شعريّة خاصة نتيجة نبض شعوري طبيعيّ.. عفويّ محكوم بقيم ما أو تصورات ما بطريقة إنسيابيّة منعتْ بروز بعض المعطيات وأنشأت الفجوات التي سيتكلّف القارىء بملئها بعد أن تساعده معطياتٌ نصية أو خارجية كي تكتمل عملية التذوق الأدبي أو عمليّة استلهام التجربة الشعوريّة. كالزهرة العاطرة تخرج منها الرائحة الزكية دونما وعي منها أو إدراك.. مع أن مصدر الرائحة هو تركيبة داخلية في قلب الزهرة محكومة بقوانين الفيزياء وقوانين التفاعل الكيميائيّ!
شريف محمد جابر
13.11.2009
1) الكرمل – أبحاث في اللغة والأدب، العدد 14، (1993)، ص 95 – 129.
الأدب –بمفهومه العام- هو التعبير الجميل عن الانفعال بالحياة.. حوادثها وأشخاصها وأشيائها. لا بد أن يكون تعبيرًا لأنه بصورة “التعبير” يتجاوز نطاق المشاعر والانفعال إلى نطاق الألفاظ المتعالقة ببعضها مشكلة بذلك تعبيرًا. ونصر على أن يكون التعبير نتاج انفعال شعوري وتأثر فكري. نتاج “انفعال شعوري” بحيث لا يكتب الأديب أدبًا إلا إن خالجته مشاعر تجاه حدث ما أو شخص ما أو حتى لو خطر له خاطر أو راوده خيال انفعل به شعوريًا وأحس –بغريزته الأدبية- بوازع يدفعه للتعبير عن مشاعره تلك بصورة أدب. وهو نتاج “تأثر فكري” انطلاقا من أن لكل إنسان تصور عن الكون والإنسان والحياة، هذا التصور يؤثر في اهتماماته ومنطلقاته الفكرية. أرأيت لو أن إنسانا لا يؤمن بالبعث بعد الموت وبناء على ذلك لا يؤمن بالحساب والجزاء! هذه الفكرة قد تؤثر عليه بشكل سلبي وتجعل اهتماماته في الحياة تنصب في استغلال أكبر قدر من المتعة والهناء.. فلا حياة بعد الحياة! ومن ثم إن كان شاعرا على سبيل المثال هل تراه يدعو في شعره إلى الالتزام بالقيم الدينية؟! بالطبع لا.. إلا إن كان منافقًا وحينئذ لن يكون شعره منبثقًا عن انفعال شعوري وحذف نتاجه من خانة الأدب! من هنا ضروريٌ جدًا أن يكون الأديب متصالحًا مع نفسه وأفكاره وتصوراته عن الكون والإنسان والحياة. وأخيرًا لا بد أن يكون هذا التعبير جميلا موحيًا كي يدعى أدبًا، موحيًا لقرائه بمشاعر وأفكار ترتبط بعاملين: بقدرة الشاعر على تجسيد فكرته في القصيدة بالأسلوب الفني الذي يجذب قلوب القراء وعقولهم أولا، ثم بالمخزون الثقافي للقارىء من حيث كونه ذا اطلاع على ثقافة كافية تؤهله لفهم محتوى النص الأدبي، وهذا العامل يختلف من قارىء لآخر. إذا استثنينا شرط كون الأدب “تعبيرًا” فهو من البديهيات ينحصر مفهوم الأدب لدينا بشرطين رئيسيين: أن يكون نتاج “انفعال شعوري” و”تأثر فكري” أولا، وأن يكون “جميلا” “موحيًا” للقراء بمشاعر وأفكار تختلج في ضمائرهم.
في الفقرة السابقة أردت أن أرد للأدب توازنه الذي استلهمته من محاولة تجميع التجارب السابقة في بوتقة واحدة. غالى بعض النقاد في مدح الأدب النفسي.. الشعوري. فالأدب عندهم هو تجسيد هذه المشاعر في التعبير وكفى. ونحن نوافقهم في هذه النقطة ولكننا نصر على تجاوزها إلى حيث تكمن الفكرة. إنه لا بد من رسالة للأديب ترتبط كل الارتباط بتصوره الكلي عن الكون والإنسان والحياة. فليس الأدب مجرد تنفيس للمشاعر! إنه مرتبط بفطرة موجودة في كينونة البشر، هي فطرة حب الجمال والتأثر به. ولا بد أن يكون هذا التأثر إيجابيًا فعالا متناسقًا مع التصور الإسلامي الذي لا يلتفت إلى المشاعر السلبية الآسنة إنما يدعو إلى نظافة المشاعر وفعاليتها بحيث لا تكون مبهمة. لقد قرأتُ قصيدة غزل جميلة تصف حب شاب لفتاة، وانفعلت بها شعوريًا لأنني –كإنسان- مفطور على حب الجمال.. لقد أسرني الشاعر بانسيابية تعبيره وبراعة تصويره وحرك مشاعري.. وماذا بعد؟ ماذا يريد مني الشاعر؟ لا شىء سوى أنه نفس عن مشاعره بصورة تعبير جميل. من هنا كان لا بد من الغاية المرتبطة ارتباطًا مباشرًا بتصور الأديب الفكري. ونحن أيضًا لسنا مع الذين يولون كل الاهتمام للفكرة، ويصبح الأدب بفضلهم عبارة عن معاظلات ذهنية! فإذا أردتُ أن أدعوَ لفكرة ما أحاول أن أنظمها مثلا وأخرجها في قالب قصيدة! ويستنفد هذا العمل جهدًا عقليًا لا بأس به! حتى لو لم أكن في حالة نفسية شعورية منسجمة مع الفكرة بقوة. من هنا يخرج لنا “أدب الفكرة”! وأنا أنصح من يجد ذلك في نفسه أن يكتب مقالة علمية ليبين فيها أركان فكرته! فليس الأدب مجال القوالب الفكرية.