Tag Archive | وطن

لماذا نرفض الوطنية؟

 

.

(العلم الفلسطيني، أحد شعارات التعصّب الوطني، صمّمه المشارك في هدم الدولة الإسلامية المدعو الشريف حسين بن علي، أُعلنُ كمسلم براءتي من هذا العلم!)

.

لماذا نرفض الوطنية؟

.

(من سلسلة: أن تكون مسلما في أيامنا)

.

سيعجب من هذا العنوان بعض الناس.. وسيستنكره كثيرون!

أترفضُ محبة أرضك؟! ترفض الدفاع عنها؟! ترفض أن يكون لك وطن؟! تتنكّر لأرضك التي نشأتَ فيها وأكلت وشربتَ من خيراتها؟!

إذًا.. فأنت خائن! تقبل الاحتلال! وتقبل التبعية والانبطاح أمام المتربصين للوطن والعاملين على تفكيكه واجتزائه في كل مكان!

كلا! فأنا أقبلُ كل ما زعمتم لي رفضَه والتنكّر منه! وأرفض كلّ ما زعمتم لي قبوله من خيانة وتبعية وانبطاح!

ولكنّني أكرر: أرفض الوطنية.. أرفض تبني هذا المذهب الدخيل على الأمة الإسلامية، لِما يحملُ من مخالفة لدين الله وشَوْبٍ لصفاء التوحيد أولا، ولأنه ناشئ في بيئة وظروف وملابسات ليستْ هي بيئة الأمة الإسلامية ولا ظروفها ولا ملابساتها! فكان تبنيه والتغنّي به أشبه بتقليد القرود! وأقرب إلى التبعية والانهزام النفسي.. وكلاهما معوّق عن نهوض هذه الأمة.

.

استنكار المألوف أمر صعب:

.

إن من أصعب الأشياء وأثقلها على النفس استنكار المألوفات التي عاشها الإنسان وحسبها – لطول العهد عبر الأجيال – من “المسلمّات” أو”البديهيّات” التي لا ينبغي مناقشتها فضلا عن استنكارها! والقرآن الكريم علّمنا أن نزن كلّ واقع بميزان الشرع، فما قبله الشرع نقبله، وما رفضه نرفضه ونضرب به عرض الحائط حتى لو كان هذا الواقع ممتدة جذوره إلى الآباء والأجداد.. حتى لو استنكره كل المجتمع وكل الناس.. وعلمنا القرآن كذلك عدم اتباع الظنّ والموروث دون تمحيص العقل وأدوات العلم والموضوعية في هذا الظن والموروث، ولنا هذه الجولة مع القرآن الكريم نستمدّ منها تلك المعاني العظيمة:

في ذمّ مخالفة الشرع واتباع ما سواه:

“اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ” (الأعراف: 3).

في ذمّ من اتبع المألوف والموروث والظن دون تمحيص العقل والعلم:

“وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ” (البقرة: 170).

“وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ” (لقمان: 21).

“وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ” (الأنعام: 116).

“إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى” (النجم: 23).

“وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا” (النجم: 28).

وكثيرة هي الآيات والأحاديث في هذه المعاني. ولكنني أحببتُ أن أربّت برفق على كتفَيْ المفجوع من هذا العنوان، وأقول له: حسبك.. اهدأ.. ولا تجعل عواطفك ولا أهواءك ولا مألوفاتك وموروثاتك هي الغالبة، بل اجعل ميزان الشرع والعقل هو “المعيار” في قبول تلك النزعة أو رفضها.

.

معاني الوطنية عند عامة المسلمين.. هل الإسلام يفتقر إليها؟

.

وقبل أن ندخل في عرض نشأة “الوطنية” ومعانيها التي صاحبت ولازمت تلك النشأة وما تقتضيه من قيم.. قبل ذلك كلّه نحبّ أن نلقي بنظرة إلى المعنى المألوف عند العامة من مصطلح “الوطنية”، فماذا يعني هذا المصطلح عندهم؟

إنه يعني بكل بساطة أن تحبّ أرضك وبلادك، أن تدافع عنها، أن لا تخونها وتتعاون مع المعتدي عليها، أن تعمل على إنهاضها ورفعتها، وعلى خير الساكنين فيها، وأن تنتمي وتهتم وتعمل للقضايا المتعلقة فيها.. ويتوسّع الناس في معاني الوطنية، كلٌّ كيفما شاء دون ضابط إلا الذوق والرأي الخاص! وكأنّ المسألة هي موضوع للإنشاء في الصف الثالث الابتدائيّ!

الوطنية إذًا تقتضي هذه المعاني بشكل أساسي (في حسّ الناس)، فأن تكون “وطنيًّا” يعني أن تحبّ أرضك ووطنك الذي نشأتَ أو ولدتَ فيه، وأن تدافع عنه، وأن تعمل لخيره ونهضته ورفعته ولخير الساكنين فيه ونهضتهم ورفعتهم، وأن تهتم بقضايا هذا الوطن وتدافع عنها.

وهنا تكمن المشكلة.. لأن الوطنية كفكرة ورابطة لا تحتوي على “المعايير” أو “القيم” أو “الضوابط” التي تحدد كل ذلك، فما هي بالضبط؟ وما مرجعيتها المعيارية التي تضبط ما هو “وطنيّ” وما هو “ليس بوطنيّ”؟ إنها معايير وضعها البشر لها وتعارفوا عليها عبر العقود.. والله سبحانه وتعالى نهى عن التحاكم إلى عقول البشر في شؤون تحديد القيم والمعايير والتشريع للناس، وسمى ذلك عبادة للطاغوت (وهو كل ما يُعبد من دون الله، أي يُطاع من دونه سبحانه)، وجعله محكًّا للإيمان، وأمر بالرجوع إلى الشرع فيما تختلف فيه الأهواء وآراء الناس.. ولنا جولة أخرى مع كتاب الله تعالى نستمدّ منها تلك المعاني، فهو دليلنا ومرشدنا ونورنا الذي نهتدي به في الظلمات:

“أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا” (النساء: 60).

“كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” (البقرة: 213).

“اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ” (التوبة: 31).

وفي تفسير هذه الآية نورد هذا الحديث النبوي:

قدم [عدي بن حاتم] على النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية: “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون”. قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه، قال: قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم. (الراوي: عدي بن حاتم الطائي، المحدث: ابن تيمية، المصدر: حقيقة الإسلام والإيمان، الصفحة أو الرقم: 111، خلاصة حكم المحدث: حسن).

ويقول الإمام الشعراوي – رحمه الله – في معرض تفسيره للآية: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا…” (البقرة: 143).

يقول: “الله سبحانه يريد من المؤمنين أن يعيشوا مادية الحياة بقيم السماء.. وهذه وسطية الإسلام، لم يأخذ الروح وحدها ولا المادة وحدها.. وإنما أوجد مادية الحياة محروسة بقيم السماء.. فحين يخبرنا الله سبحانه أنه سيجعلنا أمة وسطا تجمع خير الطرفين نعرف أن الدين جاء ليعصم البشر من أهواء البشر.

“الله تبارك وتعالى يريدنا أن نبحث في ماديات الكون بما يخلق التقدم والرفاهية والقوة للبشرية.. فما هو مادي معملي لا يختلف البشر فيه.. لكن ما يدخل فيه أهواء البشر ستضع السماء لكم قانونه.. فإذا عشتم بالأهواء ستشقون. وإذا عشتم بنظريات السماء ستسعدون”. (المصدر: خواطر محمد متولي الشعراوي).

وبالعودة إلى الإسلام، نجد أنه – في نصوصه الشرعية المحكمة – قد وجّه إلى بعض تلك القيم: كالإحساس بالوشيجة بينه وبين الأرض، غير أنه جعل هذا الإحساس مرتبطًا بالكون كله وليس في أرض محصورة بحدودٍ ما أنزل الله بها من سلطان! الوشيجة النابعة أصلا من أن هذا الكون عابد لله.. يحس الإنسان بالتوافق والتناسق معه حين يكون عابدا لله، ويمشي في جنباته يعرف عظمة الله، ويحمي خيراته ومقدراته وثرواته عبادة لله وحده، لا لمصلحة وطنية تقتصر على تنمية وطن واحد وتتعصّب له في جاهلية مقيتة! والإسلام كذلك يوجّهنا إلى الاهتمام بقضايا المسلمين كلهم وليس فقط بأبناء الوطن الواحد! فهو لا يعترف بهذه الحدود الوطنية المصطنعة المفرقّة للأمة والمشتّتة لوحدتها، فمفهوم الأمة المسلمة الفسيح الواسع يغلب عنده على مفهوم الوطن الضيق المتعصّب! ولنا جولة ثالثة مع كتاب الله وهَدْي نبيّه – صلى الله عليه وسلم – نستمدّ منها تلك المعاني:

“ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ” (فصلت: 11).

فههنا يحسّ المسلم بتلك الوشيجة الكبرى مع هذا الكون العابد لله.. حين يرى مظاهر قدرة الله وتدبيره لمختلف ظواهر الطبيعة من حوله، سواء كانت جبال الهملايا، أو غابات الأمازون، أو بحيرات إفريقية، أو سهول أمريكا الشمالية، أو أنهار أوروبا.. فكلّها من خلق الله.. ومن ثمّ فكلّها طائعٌ لله وأثر من آثار قدرته.

“هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ” (الملك: 15).

“هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (البقرة: 29).

“هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” (هود: 61).

وفي تحديد رابطة العقيدة في الله كرابطة وحيدة يتجمّع حولها الناس، لا المصالح الأرضية ولا القوم ولا الأهل يقول تعالى:

“قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (التوبة: 24)

فانظر كيف وضع الله – سبحانه – الأواصر القومية والمصالح الاقتصادية والوطن في كفة، والعقيدة الصحيحة في الله في كفة أخرى!

ثم إنّه لا شرعية في الإسلام لتجمّع على غير الكتاب والسنة:

“وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ” (آل عمران: 103).

وجعل الله – سبحانه – عقد الولاء منعقدا على “الإيمان” لا شيء سواه من وطن أو جنس أو مصالح مشتركة، وإلا فلا شرعية لهذا الولاء!:

“وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” (التوبة: 71).

ومفهوم “الأمة” في الإسلام لا ينحصر بالمجموعة من البشر تعيش على أرض مشتركة وتجمعها مصالح مشتركة وتستخدم لغة مشتركة، ففي الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ورد: “بسم الله الرحمن الرحيم  هذا كتاب من محمد النبي الأمي، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس”، وجاء فيه أيضا: وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس. (السيرة النبوية لابن كثير 2/321 السيرة النبوية لابن كثير 2/321). فالمحكّ هو “الإيمان” للدخول في مسمى الأمة الواحدة.

وبعدُ.. فوطن المسلم الحقيقي الدائم هو الجنة، وما التعلّق بالأوطان واعتبارها روابط أبدية إلا خبل يصاب به من بعد عن منهج الله تعالى، فالمقام في هذه الأرض ليس أبديًّا، إنما هي دار ممر، ومتاع إلى حين:

“فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ” (البقرة: 36).

وخلاصة القول في هذا المقام أن المعاني التي يزعمها العامّة للوطنية وأنها من مقتضياتها، هذه المعاني منها ما يتقاطع مع ما يقتضيه الإسلام ومنها ما يتعارض معه، فما يتقاطع معه نسميه باسمه؛ أنه من مقتضيات “الإسلام” وليس من مقتضيات “الوطنية”، لأننا أمرنا باتباع الشرع وأخذ القيم منه، لا باتباع المذاهب الدخيلة على عقولنا! وما يخالف الإسلام من مقتضيات الوطنية نضرب به عرض الحائط، لأنه بعد عن منهج الله، ولوثة تشوب عقيدة التوحيد والولاء، وبناء على ذلك فحين نقول في خطاباتنا جملة مثل: “نحافظ على الثوابت الإسلامية والوطنية” نكون قد دخلنا في مغالطة عميقة، لأنه ليس ثمة ثوابت غير “الثوابت الإسلامية”، فكل ما يمكن نسبه للوطنية مما لا يخالف الإسلام من قيمٍ موجودٌ في الإسلام، ومنبثق منه، وأحد مقتضياته، ولا يجوز اللجوء إلى مصدر آخر نستمدّ منه القيم والمعايير. وأما إن كان في الثوابت الوطنية ما يخالف الإسلام، من إعلاء للرابطة الوطنية على الرابطة الإسلامية، ومن عقد الولاء بين أبناء الوطن الواحد والمساواة بينهم دون التفريق بين المسلم والكافر منهم.. أما إن كان ذلك فيها فهي باطلة شرعا، وتحرم الدعوة إليها.

.

ملابسات نشأة الوطنية في أوروبا:

.

الدراسة العميقة لأحوال أوروبا منذ دخول المسيحية إليها حتى عصور انفصال الملوك والكنائس عن الكنيسة الأم.. هذه الدراسة تظهر لنا الظروف والملابسات التي نشأت فيها الوطنيات أو القوميات في أوروبا، ولا بد لنا من إلمامه سريعة بالأسباب التي أدّت لنشوء الوطنيات هناك، حتى نسأل أنفسنا بعد ذلك: هل كان حتما علينا أن نخطو نفس الخطوات ونحن لم نمرّ بتلك الظروف ولم تكن عندنا تلك الأسباب؟

السبب الأول الذي شجّع على قابلية الانفصال عن الكنيسة في أوروبا هو أن الدين الذي فُرِضَ على أوروبا في عهد الإمبراطور قسطنطين عام 325 م لم يكن في صورته الكاملة، إنما كان عقيدة مفصولة عن الشريعة، فلم تكن طبيعة التجمع المسيحي في أوروبا كطبيعة التجمع الإسلامي، فلا يستوي دين متكامل شامل يحكم العقيدة في الضمير والواقع في الحياة، ودين ممسوخ يضمر في الوجدان ويحكم بعض السلوك الفردي ولكنّه يعجز عن حكم الواقع الكبير للناس! بل كان الواقع العملي للناس تحكمه أهواء الأباطرة والقوانين الرومانية.

السبب الآخر هو أن العقيدة النصرانية تفرعت إلى مذاهب شتى تختلف في الأصول لا في الفروع كما هو الحال في الإسلام، فلم يساعد ذلك على الإحساس بالوحدة الشاملة عند النصارى في أوروبا، لأنهم يعلمون بوجود قطاعات أخرى في أماكن أخرى تختلف مع الكنيسة الكاثوليكية في الأصول لا مجرد الفروع.

وسبب ثالث إذا أضفناه لهذين السببين اكتملت عندنا الصورة التي تبيّن لنا لماذا لم يرتقِ التجمّع النصراني في أوروبا في ظلّ الكنيسة حتى يكوّن “أمة” واحدة على الشكل الذي قام في العالم الإسلامي لقرون طويلة. وهو أن اللاتينية لغة الكتاب المقدس لم تكن لغة التحدث عند الشعوب في الإمبراطورية الرومانية، إنما كانت لغة “رسمية” يتحدث بها المثقفون ورجال الدين فحسب، وكانت للشعوب لغاتها المختلفة. وبذلك تكون الإمبراطورية المسيحية قد افتقرت لعناصر ثلاثة تواجدت عند الأمة الإسلامية حتى تكون أمة واحدة متناسقة، فالإسلام لم يكن عقيدة منفصلة عن الشريعة، ولم تنشأ تلك الخلافات في أصول العقيدة التي تمزّق الوحدة، وكانت لغة الإسلام لفترة طويلة من الوقت لغة واحدة هي لغة القرآن.

كان طغيان الكنيسة عاملا أساسيا في تفكّك الإمبراطورية المسيحية، وقد التقت كل ردود الأفعال على هذا الطغيان في وِجهة واحدة: التفلّت من نفوذ الكنيسة والخروج عن سيطرتها. وكانت أولى بوادر ذلك التفلّت تمرّد الملوك، إذ كانوا يريدون نزع السلطة الزمنية من يد الكنيسة وردّها لهم، وإبقاء السلطة الروحية للكنيسة، فلمّا جاءت دعوات “حركة الإصلاح الديني” التي نشأت على أساس الانفصال عن الكنيسة بسبب طغيانها بالأساس، وأخذت صورة الخلاف المذهبي في أصول العقيدة، لما جاءت تلك الدعوات أدّت إلى انفصال بعض الكنائس عن الكنيسة الكاثوليكية الأم، ككنيسة بريطانيا وألمانيا وكنائس أخرى، فما كان من الملوك إلا أن عملوا على السيطرة على تلك الحركات الإصلاحية، لا رغبة في الإصلاح، إنما لأنّ هذه الحركات الانفصالية كسبٌ لهم يمدّهم بالقوة ويُضعف سلطان الكنيسة، ومن ثمّ يساعدهم على التفلّت من نفوذها! ومن أمثلة حركات الإصلاح الديني حركة مارتن لوثر (1483 – 1546) الذي استعان بالألمان بني جنسه ضد الكنيسة اللاتينيّة، ونجح في ذلك نجاحا باهرا، وانفصلت أمة الألمان عن نفوذ الكنيسة اللاتينية، وذات الأمر حدث لبقية الأمم الأوربية، إذ استقلت شيئا فشيئا عن الكنيسة الأم، وقلّت روابطها ببعضها البعض، ومع الأيام ازدادت استقلالا بشئونها، حتى إذا اضمحلّت النصرانية في نفوس الناس هناك قويت الرابطة العصبية القومية والوطنية، وأصبحت هي الآصرة التي يتجمّع حولها الناس. (انظر كتاب ” ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟” للعلامة أبي الحسن الندوي).

تلك هي ظروف وملابسات نشأة الوطنيات والنزعة الوطنية في أوروبا، فلنا أن نتساءل مرة أخرى: هل كان حتما علينا أن نخطو خطواتها في اتخاذ الرابطة الوطنية ونحن لم نمرّ في تلك الظروف ولم تحدث عندنا تلك الملابسات فضلا عن مخالفتها الصريحة لحقائق الإسلام؟!

.

لا إنسانية النزعة الوطنية:

.

ونفس الكلام الذي قلناه حول النزعة القومية العربية في مقال “حول الهوية الإسلامية” نقوله هنا، إذ إن التفرقة بين الناس والتفاضل بينهم على أساس مكان مولدهم ونشأتهم ومعاشهم هي أمر “لا إنساني” مرفوض! لأنّه يقيّم الناس بحسب كيانهم “الجبري” الذي لا خيار لهم فيه، بينما الأصل أن يكون تقييمنا للناس بحسب أفكارهم ومعتقداتهم وأعمالهم (الكيان الاختياري)، أي بحسب ما اختاروه هم بإرادتهم الحرة، لا ما قُدّر عليهم دون إمكانية قبوله أو رفضه كأرض الميلاد والنشأة! وهذا هو العدل الذي أُمرنا به، والذي تقول به كل فطرة إنسانية سليمة، ويا للعجب حين نعلم كيف زيّف العلمانيون هذه القضية وزعموا – زورا وبهتانا – أن الإسلام هو كيان جبري لأنه أمر “موروث”! وأن القومية والوطنية هي أمور يختارها الإنسان! هذا القلب للمعايير الذي تمارسه تلك الفئات الضالة المضلّة هو بمثابة خنجر يقدح في إنسانية دعواتها ومصداقيتها.

.

دعوة التوفيق بينها وبين الإسلام:

.

في بدايات القرن الفائت نشأت دعوات تحاول التوفيق بين الوطنية والإسلام، من باب أن الإسلام يدعو إلى القيم الحميدة التي تدعو لها هذه الوطنية، ومن باب أن هناك وطنية يرفضها الإسلام وهي التي تعلي من رابطة الوطن فوق رابطة الإسلام، والتي تتعصّب لأبناء الوطن، وهناك وطنية الدفاع عن الأرض والأوطان، وحراسة خيراته وتنميتها، وأن هذه الوطنية يدعو لها الإسلام.. كان هذا الكلام يخرج من دعاة أفاضل لا نزعم أنهم جهلوا أن الإسلام ليس بحاجة إلى قيمة أخرى بجانبه تكون مصدرا للقيم والمعايير والتوجيهات، إنما كان الواقع حينها مندفعا بشدة نحو الوطنية، وكانت قلة الوعي بحقيقة الإسلام عند العامة تجعل من الصعب أن يرفض الدعاة مباشرة الدعوة الوطنية وهي تملك قلوب العامة وعقولهم. وكانت الأمة في حالة استعمار تصعب معها أن يأتي أحد الدعاة ليقول للناس: نحن نرفض الوطنية! لأن الوطنية حيئذاك كانت تعني الكفاح ضد المستعمر الأجنبي. ولا نريد أن ندخل في تفاصيل ذلك، ولكننا نحن أبناء اليوم، قد رأينا النتائج السلبية التي خلفها نشوء النزعة الوطنية في العالم الإسلامي، من تفتّت وتعصّب وتشرذم بين أبناء الأمة، فلماذا نقبلها فضلا عن مخالفتها للإسلام في المجمل؟!

إن الدعوة اليوم للتوفيق بين الإسلام والوطنية ناتجة عن جهل بحقيقة الإسلام أولا، وعن هزيمة نفسية أمام الغرب المتفوّق، الذي يفرض علينا قيمه وموازينه، فيكون هو “المحور” التي نتطّلع كلنا إليه حين نريد أن نؤصّل في مجال القيم والتصورات والمناهج والأنظمة! جهل بالإسلام جعلنا نقدّم توقيعا على طبق من فضة بقصور الإسلام عن بعض القيم والمعاني مهما تغنّينا بشموله وتكامله! لأننا حين نقول إن هناك ثوابت “إسلامية” وهناك ثوابت “وطنية”، أو أن هناك واجبا “وطنيًّا” غير الواجب الإسلامي الشرعي.. حين نقول ذلك فنحن نشهد بخطابنا الشفوي أو سلوكنا العملي بقصور الإسلام عن تلك القيم والدوافع الإنسانية، التي نزعم أنها منبثقة عن الوطنية زيادةً عن القيم والدوافع المنبثقة عن الإسلام! ولا أدري إلى متى نظلّ نتهافت على كل مذهب أو فكرة تأتينا من الغرب لا لتقييمها في ميزان الشرع.. إنما لمحاولة التوفيق بينها وبين الإسلام! فيكون الاضطرار للتوفيق بينها وبين الإسلام هو الدافع الذي يدفع الباحثين و”العلماء”(!) للتنقيب في النصوص الشرعية عساهم يعثرون على “دليل” يثبت توافقها مع الإسلام! فأي انهزام هذا! وأية تبعية تلك! وأية نهضة تحصل مع كل هذا الخبال!

.

مغالطة لغوية.. وانبطاح!

.

على أنّنا حينما عُدنا إلى القاموس العربي بحثا عن معنى مفردة “وطن” وجدنا التالي:

الوَطَنُ: المَنْزِلُ تقيم به، وهو مَوْطِنُ الإنسان ومحله. (لسان العرب).

الوَطَنُ، مُحرَّكةً ويُسَكَّنُ: مَنْزِلُ الإِقامَةِ، ومَرْبَطُ البَقَرِ والغَنَمِ ج: أوطانٌ. وَوَطَنَ به يَطِنُ وأوْطَنَ: أقامَ. وأوْطَنَهُ وَوَطَّنَهُ واسْتَوْطَنَهُ: اتَّخَذَهُ وَطَناً. (القاموس المحيط).

فالوطن إذًا هو محلّ الإقامة، أي المكان الذي نقيم فيه ونستوطنه، وهذا لا يمكن بحال أن يكون وصفا لأرض مساحتها ملايين الأميال! فالإنسان مهما تطوّر لا يستوطن كل تلك الأرض ولا تكون محل إقامته كلّها، تلك إذًا مغالطة موضوعية تتمثّل في تسمية كل تلك الأراضي الكبيرة الفسيحة بـ “وطن”، وهي مغالطة تستحقّ أن نلتفت إليها. والأنكى أن الذي حدّد لنا تلك الأوطان ورسمها بالمسطرة هو الكافر المحتلّ الذي كان قد استباح أرض المسلمين! فكان أن حدّد لكل فئة من المسلمين حدودا تمثّل “وطنًا” لهم على شاكلة الوطنيات الغربية، وبثّ فيهم النزعة الوطنية عن طريق تلاميذه في تلك الأرض الإسلامية، فتوجّهت مشاعر الناس الساكنين داخل تلك الحدود بالولاء لمن يسكن داخلها! أي لمن يقبع داخل السياج الذي حدده لنا الكافر المحتلّ! رغم أنه قد يكون خارج الحدود من هو أقرب لهم من ناحية الدين والثقافة من إنسان داخل الحدود ولكنه يخالفهم في الدين والثقافة! فأي منطق للعقل يقول بهذا؟! وأيّ انبطاح تمارسه تلك الخلائف في الأرض الإسلامية؟!

.

المنتقصون من قيمة الموضوع:

.

هناك بعض الناس يقلّلون من قيمة هذا الموضوع، ويقولون: دعوكم من هذه الفلسفات وهذا الترف الفكري! إنها أمور ليست مؤثرة في الأمة.. وليست على هذا القدر من الأهمية حتى يصرف هذا الجهد في مقاومتها…

ونحن نقول لهم: إن تجلية راية لا إله إلا الله ممّا يشوبها أمر أساسي لصحة اعتقاد المسلم أولا، ثم هو أمر أساسي لنهضة هذه الأمة ورفعتها وتمكينها. يقول تعالى: “وعَدَ الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمنًا، يعبدونني لا يشركون بي شيئًا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون” (النور: 55). فإفراد الله تعالى بالعبادة هو شرط النهضة الأول لهذه الأمة، وهو أمر عقديّ في الأساس، ومكونات نهضة الأمة كما في الآية الكريمة هي (الاستخلاف والتمكين والتأمين). واليوم لا استخلاف ولا تمكين ولا تأمين! فكان لازمًا على هذه الأمة أن تراجع عبادتها لله وتنظر فيما قصّرت، وأمر واضح جليّ أن الأمة تخلفت بشكل أساسي في عقيدتها، فقد ضعفت هذه العقيدة في النفوس، وضَعُفَ تأثيرها على واقع المسلمين منذ أن شابَ صفاءها لوثات الإرجاء والتصوّف ثم العلمانية في العصر الحديث. عملتْ هذه اللوثات على جعل الإيمان ومقتضياته عقيدةً في الضمير وشعائر للتعبّد، فكان ذلك منفذا لسيطرة مذاهب ونزعات دخيلة على سلوك المسلمين فيما عدا الشعائر والعقيدة، ومن هنا دخلت العلمانية ودخلت الوطنية والقومية وسائر التصورات الغريبة على الإسلام. فحين خفتَ تأثيرُ عقيدة الولاء والبراء على سلوك المسلم وخفتَ انتماؤه للناس على أساس رابطة الإيمان، حلّت الوطنية مكان ذلك كلّه، فكان لا بدّ من تصحيح هذا الانحراف في “التصور” الذي أنتج هذا الانحراف في “السلوك”، وكان هذا المقال خطوة متواضعة في طريق إحياء الأمة حتى يعود لها مجدها ونهضتها ورفعتها وتمكينها بعد أن تعود إلى حقائق دينها فهمًا وتطبيقًا. ونحن نتساءل: هل يستوي حال المسلم بين أن يكون له مصدر واحد يستمد منه القيم والموازين والتوجيهات والشرائع وبين أن يكون له مصادر شتّى، يأخذ من كلّ واحد منها بعض التوجيهات في ميادين مختلفة من الحياة؟ والقرآن قبلنا بأكثر من أربعة عشر قرن يتساءل: “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ” (الزمر: 29). وتلك هي حقيقة دعوة التوحيد.. دعوة لتوجيه هذا الكيان البشري إلى مصدر واحد.. بدلا من أن يتشتّت شمله وتتفرّق كينونته.. ومن هنا تنشأ تلك الطاقة العجيبة التي تنطلق في الأرض لبناء الحضارة الإسلامية من جديد.. كما كانت في قلوب أولئك النفّر الكرام الذين وضعوا حجارة الأساس فيها.. حين وقف واحدهم أمام قائد الفرس رستم وقال: “إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”. ونقول لهؤلاء الذين يقلّلون من أهمية تصحيح هذا المفهوم، أو لا يعتبرون أن ثمّة خطر فيه: ألم تروا تلك الثمار النكدة للوطنية؟ والتي لا زلنا تعيش في ظلالها المشؤومة هذه الأيام.. حيث يقتل آلاف المسلمون في أرض ليبيا المسلمة ويسبحُ الآخرون في حمّام الدم.. ورغم ذلك يقف عاشر أكبر جيش في العالم (الجيش المصري) بمقربة من هذه المجازر لا يحرّك ساكنًا! لا لشيء سوى أن هؤلاء الذين يموتون ليسوا “مصريّين”! وأن التدخل في شؤون “وطن” آخر ليس من مسؤولياته، إنما مسؤوليته الحفاظ على أمن الوطن المصري! ألا تعسًا للوطنية كم فرّقت أبناء الأمة وكم عوّقتهم عن النهوض!

.

لماذا نرفض الوطنية؟

.

نحن ترفض الوطنية لأنها:

-       تشوبُ صفاء التوحيد وتنقض عقيدة الولاء والبراء فيه.. كونها تجعل الولاء منعقدا على أبناء الوطن الواحد حتى لو كانت عقائدهم فاسدة كافرة بالله عزّ وجل.

-       اتباع للأهواء وعقول البشر فيما ينبغي أن تكون مرجعيّته هي الشرع وحده، فهي زعمٌ (بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال) أن هناك قيمًا إنسانية يكون مصدرها أمرٌ غير الإسلام، وهذا المصدر هو “الوطنية” أو “الحسّ الوطني”!

-       تفتقرُ إلى الموضوعية، فلا يوجد ضابط يحدد القيم التي تقتضيها، بل كلٌّ يزعم لها ما يشاء، ويُدخل في مقتضياتها ما يشاء.

-       نزعة لا إنسانية، كونها تُفاضلُ بين البشر وتقيّمهم وفقا لكيانهم “الجبري” (أرض الولادة، الوطن، النشأة)، فتجعل رابطة الانتماء بين البشر بحسب هذا الكيان الجبري للإنسان حتى لو كان الإنسان كافرا معرضا عن عبادة الله! وتجعلُ من الهوية الإسلامية والانتماء وفق الكيان “الاختياري” للإنسان نزعة “طائفية” “متعصّبة”! مع أن المنطق الموضوعي يبرهن أن النزعة الوطنية هي “المتعصّبة” و”اللاإنسانية”!

-       تفضي إلى التبعية للغرب، فحين تجزّأت الأمة إلى كيانات وطنية هزيلة كان أن التحق كل كيان إلى قوة كبرى تسنده، لأنه لا يعتمد على هوية أصيلة عند الأمة، فكان من البديهيّ أن يكون تابعا لإحدى القوى الكبرى.

-       نزعة عَمِلَ الغرب الكافر على زرعها بين المسلمين لتفريقهم والحيلولة دون وحدتهم، بعد أن فشل في إبقاء وجوده عسكريا في كل بلاد المسلمين (رغم وجوده في بعض البلدان اليوم!) عملَ على إثارة هذه النُّعرة الوطنية لتمزيق وحدة الأمة.

-       تقليد لا مبرّر له، فملابسات ظهورها ونشأتها في أوروبا لم تمرّ بها الأمة الإسلامية، فكان من الغباء اعتبارها أمرا حتميا عن المسلم لا يمكن العيش بدونه! ولسنا نحتاج أن نبرّر توافق الإسلام مع كل وافد يأتينا من قيم الغرب، ففي ديننا ما يغنينا من القيم والموازين.

.

19.3.2011

عكا

شريف محمد جابر

.

(اعمل على نشر المقال عن طريق المشاركة مع الأصدقاء في الفيس بوك والتويتر وغيرها في الأسفل)

إلى حبيبة طعنوا في عرضها…

إلى حبيبة طعنوا في عرضها

لماذا يا عروسَ البحر لم تستنكري الخبرا؟

لماذا لم تقولي: الأمسُ غابَ وطُهره اندثرا؟

أجيبي قلبيَ المجروح لمّا عُيِّبَ انفطرا..

****

أنا المأسور في عينَيْكِ مذ شَرَقَتْ.. أنا المنفي

بكَيْتِ فسِلْتُ مثلَ دموعِكِ الحرّى إلى حتفي

فليسَ هناكَ منجاةٌ.. وليس هناكَ ما يشفي!

****

لماذا الخوفُ إنْ ذُكرتْ جراحُكِ ساحَ وانتشرا؟

وكلّ الخوف في كلّ البلاد يبيتُ مستترا!

تُرى قتلَ الزمانُ بنيكِ وانتحر الأمانُ تُرى؟

****

توالى الحزنُ يا عكّا على قلبي فما أقساه!

وأنشبَ فيهِ أظفارًا ليُبقي لوعةَ المأساة

شجىً في مشرق الأيام إن غربتْ فلن أنساه!

****

بِرَبِّكِ أخبري العذّال أن الحبّ لن يفنى

ستبقى في الفتى العكّيِّ نفحةُ حبّهِ الأسنى

ويبقى سلسبيلُ الشعر يروي النظرة الوسنى!

****

أيا حسناءُ لا تَسَلي عن المستقبلِ الآتي

جميلٌ منكِ أن تَحْيَيْ على حُلُمِ الفتى العاتي

ولا تَهَبي الزمانَ المرّ في يومٍ جراحاتي

****

أنا يا طفلةَ العينينِ ماضٍ في الهوى.. ثائرْ!

أسيرُ بقلبِيَ النهريّ في دربِ العنا الجائرْ

إذا استسلَمْتِ في يومٍ فلن يستسلمَ الشاعرْ!

13.2.2010

شريف محمد جابر

عكا